
يتوجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، غداً الأربعاء، إلى أذربيجان في زيارة رسمية تستمر مدة يومين يلتقي خلالها الرئيس الأذري إلهام علييف، وذلك للاحتفال بعيد النصر وتحرير إقليم “قره باغ” من الاحتلال الأرميني.
وتأتي زيارة أردوغان إلى أذربيجان، عقب نحو شهر من الانتصار العسكري والسياسي الذي حققته أذربيجان في إقليم “قره باغ” بدعم وإسناد من تركيا، البلد الصديق والشقيق الذي طالما تصرّ أذربيجان في توصيف علاقتها معه بعبارة “أمة واحدة في دولتين”.
واحتفاء بأهمية زيارة الضيف (أردوغان) “الغالي على قلوب الأذريين”، تم تزيين شوارع العاصمة الأذرية باكو، ليتم الاحتفال بعيد النصر بمشاركته، وليصبح النصر نصران بعد طرد القوات الأرمينية من إقليم “قره باغ” وتلقينها درسا لن تنساه بعد أن ذاقت ويلات الضربات الموجعة التي تلقتها على يد الجيش الأذري بأسلحة تركية الصنع، وعلى رأسها المسيرات التركية التي ذاع سيطها في العالم.
شوارع أذربيجان تتزين بالعلم التركي إلى جانب علمها الوطني
قبل توجه أردوغان للمشاركة باحتفالات النصر في أذربيجان المنتظر إجراؤها في 10 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بمشاركة عسكرية من الجيش التركي، بينما عبّر الشارع الأذري مسبقا عن فرحه بمشاركة أردوغان هذا العام بالاحتفالات، واصفين زيارته بـ”العظيمة والتاريخية”.
وفي هذا الصدد، قام الأذريون بتزين الشوارع والمركبات العامة والخاصة وجدران المباني بالعلمين التركي والأذري، وتم تجهيز طرق للوحدات والآليات العسكرية، فضلا عن إنشاء المنصات في منطقة الاحتفال للضيوف الأتراك، منتظرين بفارغ الصبر حضور أردوغان الذي ينظرون إليه أنه “الداعم والسند والشقيق الأكبر في السرّاء والضرّاء”.
وفي هذا السياق، قال المواطن الأذري أبولفت غوليوف، إنه فخور جداً بزيارة أردوغان إلى أذربيجان، معرباً عن سعادته أن الزيارة “ستعكس روح التضامن بين البلدين وسوف تقدم رسالة واضحة لكل العالم، أن الأتراك على قلب واحد ويدعمون بعضهم البعض في أحلك أيامهم وأشدها”.
أما المواطن الأذري حاجي بابايف، الذي يعيش في العاصمة باكو، أعرب عن سعادته بزيارة أردوغان، موضحاً أنه “في السابق، كنا نقول بالاسم أننا إخوة، أما اليوم فبفضل الرئيس أردوغان لقد رأينا ذلك بأم أعيننا، نحن فخورون بأردوغان وبدعمه لنا، إن أعماله لا تقدر بثمن”.
مواطن آخر يدعى علي بيراموف، أعرب عن فرحه بالزيارة مضيفاً أن “أردوغان في قلوبنا، وما كنّا لننتصر لولا مواقف تركيا الثابتة تجاهنا وتجاه كل حلفائها على عكس كثير من الدول التي تخلّ بعلاقاتها معهم في أيام الحرب، والنصر الذي حققناه في (قره باغ) دليل كافٍ على صدق تركيا”.
رسائل ودلالات زيارة أردوغان
تحمل زيارة أردوغان إلى أذربيجان، حسب كثير من المحللين والمهتمين بالشأن التركي، العديد من الرسائل والدلالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، فالزيارة ليست لاستعراض العضلات بقدر ما هي تعبر عن قوة ومتانة العلاقات بين البلدين وتعكس مدى التوافق بينها.
وفي هذا الصدد، قال الباحث في الشأن التركي وأوراسيا، الدكتور مختار فاتح بيديلي، في تصريح لـ”وكالة أنباء تركيا” حول أهمية الزيارة، إن “أردوغان سيكون مع نظيره الأذري علييف على رأس هذه الاحتفالات غير العادية بكل مجرياتها، حيث ستكون لهذه المشاركة رسائل ودلائل لكل الأطراف وخاصة للجيران، وسترسم هذه الزيارة الشيفرة الجديدة لمنطقة القوقاز”.
وأرفد قائلاً “ستكون التطورات بعد تحرير (قره باغ) على رأس جدول أعمال زيارة الرئيس أردوغان، وكذلك حول نشر قوات حفظ السلام التركية-الروسية المشتركة لضمان تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا، و سيتم في الاجتماعات مناقشة العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية الأخرى”.
وحول دلالات الزيارة ورسائلها إلى دول الجوار، أوضح بيديلي أن “أكثر الدول المستفيدة من النصر الأذري في (قرة باغ) هي تركيا على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث تعززت شراكتها مع روسيا في منطقة القوقاز الاستراتيجية من جهة، ومن جهة أخرى أرسلت رسالة قوية لفرنسا الداعم الأكبر لأرمينيا، وكذلك رساله أخرى للجارة الجنوبية لأذربيجان، إيران، التي كانت تدعم أرمينيا بالخفاء والعلن بأن هناك أكثر من 40 مليون من أتراك أذربيجان الجنوبية في الداخل الإيراني، حيث يمكن الضغط على إيران من خلالهم في عدة مواضيع شائكة، إضافة إلى ساحات أخرى مثل سوريا والعراق”.
وحول متانة العلاقات التاريخية بين البلدين أشار بيديلي إلى أنه “تاريخياً، لا ينحصر دفاع تركيا عن أذربيجان في اللغة والثقافة والعادات والتقاليد، بل هناك حروب تاريخية وقف بها الأتراك العثمانيون مع أتراك أذربيجان كتفاً لكتف، فدُفنوا جنباً إلى جنب في حرب تحرير (باكوا) التي خاضها جيش القوقاز الإسلامي الذي أرسلته الدولة العثمانية، بقيادة أنور باشا عام 1918، من أجل تحرير بلاد القوقاز من الاحتلال البلشفي، بناءً على طلب تقدم به مسلمو أذربيجان وداغستان”.
وحول أبعاد النصر الذي حققته أذربيجان في “قره باغ” بدعم من تركيا، أوضح الباحث في الشأن التركي أحمد حوري، في حديث مع “وكالة أنباء تركيا”، أنه “منذ اشتعال أزمة (قره باغ) لم تتوان تركيا عن تقديم كافة أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري لأذربيجان، وتصريحات المسؤولين الأتراك بمختلف أحزابهم حتى المعارضة منها تعكس حقيقة هذا الأمر، ناهيك عن الدعم الشعبي فلو تجولت في شوارع تركيا خلال الشهرين الماضيين لا بدّ لك وأن ترى العلم الأذري معلّقاً في كثير من الشوارع والأبنية”.
وأرفد قائلاً “التدريبات العسكرية التي جرت بين البلدين صيف هذا العام، دليل آخر على قوة العلاقات بينهما، وماهي إلا تأسيس لمزيد من العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، حيث زودت تركيا أذربيجان بكل ما تريده من الأسلحة خاصة المسيرات التي ألحق بالقوات الأرمينية خسائر هائلة بالأرواح والعتاد، وغيّرت موازين المعركة لصالح أذربيجان في غضون أيام”.
ومن المنتظر أن يقوم أردوغان خلال زيارته إلى باكو، بتوقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية مع نظيره الأذري علييف، خاصة في مجال التعاون العسكري والدفاعي والاقتصادي والسياسي، فيما تنظر العديد من الدول التي تخشى نفوذ تركيا في المنطقة بارتياب شديد للزيارة، خاصة أنها تأسس لتعاون منقطع النظير في كافة المجالات بين تركيا وأذربيجان، ما يهدد مصالحها الإقليمية ويفسد مخططاتها في ضرب أمن واستقرار المنطقة.




