
مشاهدُ صادمة وصلت من مطار العاصمة الأفغانية كابل يوم الإثنين 16 آب/أغسطس 2021، تجلّى أشدّها قسوةً بتعلّق عدد من الأفغان بطائرةٍ عسكرية أمريكية لدى إقلاعها من المطار، أملاً بالهرب مع مشغليهم، إلا أن هؤلاء المشغلين رحلوا وتركوا المهرولين خلف الطائرة.
وحول هذه المشاهد التي دعا نشطاء ومشاهير ومراقبون لدراستها والتأمل بأسبابها وأخذ العبر، تحدث عدد من الصحفيين والمحللين لـ”وكالة أنباء تركيا”.
الكاتب والمحلل السياسي القطري صالح الغريب قال إن “ما يحدث في أفغانستان أمرٌ متوقّع، خصوصاً بعد أن تمّ سحب القوات الأمريكية ودخول حركة طالبان المدن الأفغانية بهذه السرعة والطريقة التي تمّت بها”.
وأضاف “كنّا نقول إن دخول طالبان إلى كابل سيستمرّ لأسابيع، لكننا وجدناهم يصلون إلى أبوابها بشكلٍ سريع، وبذلك فشلت خطة القوات الأمريكية في إجلاء موظفي السفارة أو المتعاملين معهم”.
وتابع “وبالتالي شاهدنا المناظر المأساوية سواء في مطار كابل أو تواجد المواطنين أمام الطائرة لأجل الصعود على متنها، وحتى عندما تحرّكت الطائرة على أرض المطار، كان البعض يحاول إيجاد فرصة لركوبها بأي طريقة، لكن المنظر الذي أحرق قلوبنا هو سقوط من تمكّن من الصعود على جناح الطائرة أو تعلّق في مكانٍ ما منها وسقط، بعد إقلاعها”.
وأسف الغريب لهذه المشاهد قائلاً إنه “أمرٌ مؤسفٌ ومؤلم جداً، هذا المشهد لم يكن متوقعاً، ولكنّ الفوضى التي عمّت المكان وهروب الرئيس الأفغاني (أشرف غني) ودخول مقاتلي حركة طالبان للمدينة أثار الرعب في قلوب الجميع، ودفعهم لمحاولة إيجاد فرصةٍ لمغادرة كابل والنجاة بأنفسهم من المستقبل الذي ينتظرهم وما سيحدث بعد استلام (طالبان) الحكم في المدينة”.
وأوضح أن “ذلك حدث رغم تطمينات (طالبان) أنها لن تنتقم من البعض نتيجة ما حدث، ورغم إعلانها العفو عن البعض، ودعوتها لعدم إحداث فوضى في المدينة، لكنّ مغادرة البعثات الدبلوماسية كابل بأي شكل من الأشكال توحي أن هناك خطورة في البقاء بالمدينة، ما دفعنا لرؤية ما رأيناه على أرض المطار”.
من جانبه، قال أستاذ القانون والعلاقات الدولية الدكتور سمير صالحة في تصريح لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “هناك حقيقة موجودة على الأرض ينبغي التعامل معها خلال تحليل ما جرى في أفغانستان في الأيام الأخيرة تحديداً، وهي إعلان الولايات المتحدة الأميركية أنها ستنسحب من أفغانستان، وتقديم موعد الانسحابات، ثم تقديم هذا الموعد مرة أخرى.. أي انسحابٌ أميركيّ سريعٌ ومفاجئ”.
وتابع “هذا الانسحاب واكبه انتشارٌ وتموضعٌ سريع لقوات طالبان، بعكس التقارير المنشورة حول أن عملية انتشار طالبان ستكون بطيئة وأن الدخول إلى العاصمة كابل لن يكون بمثل هذه السهولة والسرعة، فوجدنا أن الأمور تتقدم باتجاه معاكس لما أشارت إليه كثير من التحليلات والتقديرات، سواء كان على مستوى أجهزة الاستخبارات الأميركية أو غيرها من الإقليمية”.
وأضاف صالحة أن “هناك مسألة ثالثة كانت ملفتة هي الاستسلام السريع للقوات الأفغانية، 350 ألف جندي، وقوة عسكرية تم تجهيزها خلال عقدٍ من قبل الولايات المتحدة الأميريكية، وتنفق واشنطن حوالي 98 مليار دولار على هذه القوات، ثم تستسلم أمام طالبان خلال ساعات وتترك العاصمة”.
وأردف “طبعاً إلى جانب هروب الرئيس الأفغاني بهذه الطريقة المعيبة والمخزية وتخلّيه عن كلّ المواقف والتعهدات التي كان سبق وأعلنها، لكنه قبل هروبه قال شيئاً مهماً للغاية وهو أن (الولايات المتحدة الأميريكية خدعتنا في أفغانستان)”.
وقال صالحة إنه “على ضوء هذه النقاط الثلاث الأساسية، هناك أكثر من سؤال يُطرح:
– هل كان هناك تنسيقٌ أميريكي مع (طالبان) في إطار تفاهماتٍ سرّية تمّت على هامش القمم التي كانت تُعقد بين الأطراف الأفغانية بوساطات إقليمية ودولية؟!
– وهل كان بين هذه التفاهمات السرية أن الولايات المتحدة ستنسحب وتفتح الطريق أمام مجموعات (طالبان)، لكنها تريد أن تنهي هذا الانسحاب وبعد ذلك تدخل قوات (طالبان) إلى المدن الأفغانية؟.
– وإذا كان هذا التحليل صحيح فهذا يعني مرة أخرى أن الولايات المتحدة الأميريكية كرّرت ما فعلته أكثر من مرة في أكثر من مكان، ولكن نحن مع الأسف شعوب هذه المنطقة لم نتعلم الدرس”.
وتابع “ما هو الدرس؟ الولايات المتحدة الأميركية تقول إنها تريد أن تحارب الإرهاب في العديد من الدول والعواصم الشرق أوسطية، تُقدم على عمل عسكري، ثم بعد فترة من التحضير والتجهيز تترك المكان وتغادر إمّا لصالح لاعب محلّي أو لصالح لاعب إقليميّ.. هذا ما رأيناه في كوريا، وفيتنام، والعراق، وشرقي سوريا، ولبنان عام 1983.. لدينا أكثر من مؤشّر والآن الولايات المتحدة تكرّر نفسها معنا في أفغانستان”.
بدوره، قال الكاتب الصحفي إبراهيم المدهون لـ”وكالة أنباء تركيا” إن “المشاهد التي خرجت من مطار كابل صادمة للجمهور ولكنها مفهومة للمتابع للسياسة الأميركية، لا يوجد حلفاء لأمريكا ولكن يوجد مصالح، هي تتعامل مع الآخرين كأدوات ووسائل وقفّازات تستخدمهم وقت الحاجة، وإذا انتفت الحاجة إليهم تلقي بهم دون شفقةٍ أو رحمة، ولا تقيم أي معيار أخلاقي أو رحمة”.
وأضاف “يبدو أن هذا من سياسات أو أساسيات الولايات المتحدة الأميركية، ففي بداية تكوّنها تحالفت مع القوات الفرنسية لطرد بريطانيا من المستعمرات في أمريكا، بعد ذلك تمّ التخلّي عن فرنسا بكل سهولة.. إذاً هذه السياسة، الغاية تبرّر الوسيلة، ولا حلفاء، والمصلحة هي الحليف الأساسي، هي من عمق السياسة الأميركية”.
وأعرب المدهون عن اعتقاده أنه “لذلك لا يوجد حليف للولايات المتحدة، وهي لا تؤمّن على أي حليف، وغير مستعدة أن تدفع ملّيماً واحداً من أجل أي صداقات أو حلفاء، بل العكس أنا أعتقد أنها تستخدم حلفاءها حتى إذا ما انتهت منهم تلقيهم ولا تبالي”.
وتعليقا على المشهد في مطار كابل قال إنه “يعطي درساً لكل الأنظمة ولكل الذين يثقون بالولايات المتحدة أنها لا أمان لها، وأنها تتركهم كما تركت الأفغان في لحظةٍ من اللحظات.. لذلك أعتقد أن كلّ من يتعامل معها أو يقترب منها إذا شعرت أنه بات عبئاً أو لا يخدم مصلحتها سيتم التخلّي عنه دون أي قيم أخلاقية، وهذا درس لأنظمة المنطقة التي تعتمد في حمايتها وفي استمراريتها على الولايات المتحدة الأمريكية”.
وأضاف “الذي يتغطى بالأمريكان.. عريان”، مضيفا حول مشاهد مطار كابل أنها “مشاهد تحتاج إلى التروّي وإعادة قراءة، فهل كانت هناك إشاعات مثلاً ضد (طالبان)، أو تتحدث عن تسهيل السفر أو أنه سيتم إغلاق المطار فكان هناك محاولة من الناس للخروج؟”.
وأوضح أن “(طالبان) طمأنت الجميع أنها لا تنوي أن تقوم بأي عملية انتقامية.. وباعتقادي أنها لن تقوم بعمليات انتقامية واسعة، وخطابها السياسي متّزن وواعٍ ويمكن أن يعمل على الاستقرار”.
وأردف “لا شك أن هذه المشاهد قد تكون أيضاً بسبب حالة الفوضى والخوف والغموض، هناك تحوّل حقيقي وكبير في أفغانستان، ويبدو أن هناك تقصّد لإخراج هذه الصور لإظهار أن هناك حالة خوف وخشية من حكم (طالبان)”.
وأضاف أنه “حتى اللحظة من المبكر التنبّؤ كيف ستدير (طالبان) أفغانستان، وكيف سيكون المشهد الأفغانيّ في المستقبل، لكن الجميع يتمنّى أن يكون هناك استقرار ودور لدول مقبولة في العالم الإسلامي مثل تركيا”.
وكانت الأحداث قد تسارعت في أفغانستان خلال الأيام بل الساعات الأخيرة، وتبدّل المشهد السياسي وانقلبت موازين القوى رأساً على عقب بشكلٍ فاق التوقعات.
وأمس الأول الأحد، أعلن المتحدث باسم حركة “طالبان” ذبيح الله مجاهد، أن عناصر الحركة سيطرت على العاصمة الأفغانية كابل والمقرات الحكومية، إثر مغادرة القوات الأمنية لها.
وتمت السيطرة على كابل بشكل سلمي، دون أي قتال أو اشتباكات.
والأحد، غادر الرئيس الأفغاني أشرف غني البلاد، على عجل، بالتزامن مع وصول عناصر “طالبان” إلى مشارف كابل.
ومنذ أيار/مايو الماضي، بدأت حركة “طالبان” توسيع نفوذها في أفغانستان، تزامنا مع بدء المرحلة الأخيرة من انسحاب القوات الأمريكية المقرر اكتماله بحلول نهاية آب/أغسطس الجاري.
اقرأ أيضا.. الجيش التركي يضبط “الهرج والمرج” في مطار كابل
للاشتراك بقناة “وكالة أنباء تركيا” على تليغرام.. عبر الرابط التالي: https://t.me/tragency1






