
بينما حلّ الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان ضيفاً على نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين، أمس الأربعاء، في مدينة سوتشي الروسية، توجّهت الأنظار المتابعة للقضايا السياسية، وخاصة تلك المتعلقة بملفات الشرق الأوسط، إلى نتائج قمة الرئيسين.
فانعقاد قمّة بين زعيمي اثنتين من أبرز القوى الدولية اللاعبة على مسرح قضايا متعددة، يزكي التوقعات أو ربما الآمال بالتوصل بطريقة أو بأخرى، إلى تفاهماتٍ تنهي عقداً من المصالح المتضاربة والخلافات.
في حديث لـ”وكالة أنباء تركيا”، قال الدكتور محمود الحمزة، الأكاديمي والخبير في الشأن الروسي إن “قمّة أردوغان بوتين جاءت في ظروف حسّاسة، لأن الأوضاع بين البلدين كانت تشهد توتراً في بعض الملفات”.
وتابع “لكن العلاقات الثنائية تتطوّر وهي جيدة في التعاون بشكلٍ عام في ملفاتٍ كثيرة، اقتصادية وعسكرية، وفي الطاقة والغاز والأسلحة، والملفات السياسية في سوريا وليبيا وقرا باغ، والسياحة الروسية في تركيا، والاستثمارات في البلدين، كلها ملفات مهمة فيها تعاون كبير”.
وأضاف الحمزة أن “هناك قضايا مثل حول أوكرانيا والقرم، وحتى في قره باغ، حيث أخذ الأتراك دوراً كبيراً والروس غيرُ لا يشعرون بالراحة بسبب هذا الأمر، وعليه، هناك نقاط يمكن اعتبارها خلافية أو إشكالية بين البلدين”.
ولفت إلى أن “الكرملين صرّح أنه بالرغم من تصريحات الرئيس أردوغان حول القرم أنه لا يعترف بضمّها لروسيا، لكنّ هذا لا يؤثر على العلاقات الثنائية”.
وشدد الحمزة أنه “يجب النظر إلى قمة سوتشي ضمن هذا الإطار، فقد شهدت اجتماعاً مغلقاً بين أردوغان وبوتين لمدة 3 ساعات، ولم يكن هناك مؤتمرٌ صحفي، لذلك، واضح تماماً أن هناك خطة عرضها الرئيس الروسي على الرئيس أردوغان، وقد يكون الروس والأمريكان متفاهمون على نقاط اقتُرحت في الاجتماع، وقد يكون الأتراك والأمريكان متفاهمون على نقاط معينة”.
وحسب تقديره، رأى الحمزة أن “الخطة طبعاً تشمل الوضع في إدلب، لأن الروس يريدون تطبيق الاتفاقية بشأن إدلب حول جنوب الخط الدوليّ”.
وقال “قد يتنازل أردوغان عن هذه المنطقة للنظام، بشرط أن تساعده روسيا شرقي شمال سوريا، لأن الاتفاقية الروسية التركية في سوتشي في 2018 كانت تنصّ على أن تنسحب قسد بعمق 30 كلم عن الحدود التركية السورية، ولم يتم ذلك، يعني تركيا لها مطالب شمالي سوريا، وروسيا لها مطالب في إدلب”، حسب رأيه.
وأعرب الحمزة عن اعتقاده أنه “قد يكون هناك تحقيق صفقة ما، وهذه الصفقة سيكون لها حجم جزئي ومحدود إن لم يكن هناك ضوء أخضر أميركي لفتح الملف بشكلٍ كبير”.
ورأى الحمزة أن ذلك “أن هذا الاجتماع كان لبحث خطة معينة، وإلا عن ماذا سيتحدثون مدة 3 ساعات؟” وتابع “كونه طال 3 ساعات، فمن الواضح أن هناك قضية كبرى وملفًّا مهمًّا وجدّيًا وحساسًا تمّت مناقشته، وهو ما ستكشفه الأيام المقبلة”.
بدوره، قال المحلل السياسي مهنّد حافظ أوغلو لـ”وكالة أنباء تركيا” إن”قمّة الرئيسين أنتجت أمرين اثنين، الأمر الأول هو أن تركيا وروسيا تتمتّعان بديناميكية سياسية وتستطيعان تجاوز الخلافات، أو كيفية الفصل في التعامل مع الملفات، فهناك ملفات خلافية بينهما، وأخرى تتفق الدولتان عليهما، وهذه نقطة جيدة لصالح الجانبين”.
الأمر الثاني حسب حافظ أوغلو “هو أن الحليف في شمال الأطلسي، أي الولايات المتحدة، يفتقد إلى الديناميكية التي كانت يفترض أن تكون لديه بشكلٍ أكبر وأوسع كونهما حليفان في حلف مهم جداً وبحاجة إلى بعضهما البعض”.
وتابع “ولكن يبدو أن قصر النظر الذي رأيناه في الإدارة الأمريكية الحالية وفي الخلافات مع الاتحاد الأوروبي لا سيّما في مسألة الغواصات مع فرنسا وكيف كانت التصعيدات الفرنسية تجاه واشنطن عالية النبرة”.
وأضاف حافظ أوغلو أن “تركيا عندما ذهبت إلى سوتشي فهي تريد أن يكون الملف السوري لديه رؤيا كاملة للحلّ، فعندما يلتقي الرئيسان وجهاً لوجه دون وفود ودون أي طرف ثالث أياً كان، فإن خارطة الطريق ترسم من جديد أو أن آلياتٍ جديدة توصع كـ سكك لتسير عليها اللجان المشتركة فيما بين الطرفين، وصولاً إلى الحل الكامل للملف السوري”.
وهنا شدد أن “تركيا تؤكد أنها تريد حلّاً كاملاً للملفّ السوري وليس فقط ملف إدلب أو شرق الفرات أو غرب الفرات، بل يهمّها أن تكون سوريا دولة مستقرة كي لا يتأثر الداخل التركي والأمن القومي التركي بهذه المشكلات التي تحصل في سوريا”.
ولفت إلى أن “تركيا صبرت وصمدت واستقبلت على مدى عشر سنوات الوضع السوري بكافة تغيّراته وإشكالياته، ولكن هناك طاقة استيعابية ولها ارتدادات على الداخل التركي ومن حقّها أن تضع له حدًّا”.
واستنتج حافظ أوغلو أن هذه فحوى هذه القمة في تقديره الشخصي “هو أن الرئيس أردوغان يريد حلاً شاملاً للملف السوري وليس في بقع جغرافية محددة”.
وأشار إلى أن “الولايات المتحدة لا تزال تدعم التنظيمات الإرهابية الموجودة في سوريا، والتي تريد أن تكون لديها دويلة خاصة بها وهذا ما لا تقبل به تركيا بطبيعة الحال”.
وأكد أن “هذه المجموعات الإرهابية شمالي سوريا تهدد أمن حليف استراتيجي مثل تركيا، ما يثير إشارات استفهام”.
وأعرب حافظ أوغلو عن اعتقاده أن “القمة القادمة مع الرئيس بايدن ستكون أكثر صراحةً وأكثر جدّيةً، وربما تضطر تركيا أن تنتهج نهجاً مختلفاً عما كانت عليه طوال تلك السنوات الماضية في التعامل مع الحليف الغربي”.
من جانبه، قال المحلّل السياسيّ الروسي أندريه أونتيكوف إن “الأوضاع في إدلب تتطوّر وفق سيناريو مشابه، التصعيد ثم المفاوضات ثم التهدئة، ثم التصعيد الجديد والمفاوضات الجديدة ثم التهدئة الجديدة. وعلى ما يبدو هذا ما سيحصل هذه المرة”.
وتابع أونتيكوف في حديث لـ”وكالة أنباء تركيا” أن “كلّ المصادر تقول إن الطرفين اتفقا على الحفاظ على الأوضاع كما هي الآن، ولكن سنعرف المخرجات الحقيقية لهذه القمّة في المستقبل القريب، وفقاً لتطورات الأحداث في إدلب، ولكن في نهاية المطاف واضح تماماً أن روسيا لا تتخلى عن مطالبها”.
وأوضح أن “المطالب الروسية هي:
– أولاً الفصل ما بين المجموعات الإرهابية والمعتدلة، وهذا الأمر يجب أن تقوم به تركيا” بحسب تعبيره.
– “ثانياً ضرورة مكافحة الإرهاب ومنظماته مثل هيئة تحرير الشام والمنظمات التي تتعاون معها”.
– “ثالثاً الطلب الثالث بالنسبة لروسيا هو الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وهذا يعني إعادة إدلب في نهاية المطاف تحت سيطرة السلطات السورية”.
وحسب رؤيته، اعتبر أونتيكوف أن “كلّ الاتفاقيات بين الرئيسين يمكن أن نسمّيها كحلّ وسط، أو المرحلة الانتقالية التي في نهاية المطاف يجب أن تنتهي بإعادة السيادة السورية على كافة الأراضي السورية، ليس فقط في إدلب بل كذلك في شرق الفرات والمناطق الأخرى”.
واستدرك قائلاً “ولكن يمكن القول إن الخلافات بين روسيا وتركيا موجودة حول سوريا وليبيا وحتى أفغانستان، وكذلك روسيا تنظر بقلق تجاه تسلّل النفوذ التركي في آسيا الوسطى وغيرها من المناطق”.
وأردف أنه “في نهاية المطاف لا ننسى أنه في الوقت نفسه هناك تعاون اقتصاديّ أنيق بين البلدين، وهناك تبادل تجاري ضخم، وأيضاً هناك عدة مشاريع ضخمة تربط الدولتين ومن بينها أنابيب غاز السيل التركي وحتى المشاريع الكهربائية والنووية، وغيرها من المشاريع”.
وأعرب عن اعتقاده أن “هذه المصالح الاقتصادية المشتركة تدفع الدولتين إلى تفاهمات وإيجاد الأرضية المشتركة، وهذا بصراحة ما نشاهده خلال السنوات الأخيرة، نعم الخلافات موجودة ولكن الحوار والتنسيق لا يزال موجوداً أيضاً، وهذا التنسيق والحوار على المستوى الأعلى ما بين الرئيسين يسمح بالتوصّل إلى تفاهمات وأرضية مشتركة”.
وتابع “لكن بالنسبة للأهداف الروسية، روسيا تنتظر من تركيا احترام تلك المصالح، خاصةً أن هذه المصالح تتوافق 100% مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.
أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فقال أونتيكوف إنها “تحاول بشكل أو بآخر أن تؤثر على تطورات تعميق التعاون ما بين روسيا وتركيا، والمقصود هنا بشكل خاص صفقة S400، حيث كل الخطوات الأمريكية بهذا الخصوص معروفة”.
وقال إنه “من الواضح تماماً أن أمريكا تلعب دورها وتتصرّف وفقاً لمصالحها، ومن وجهة النظر هذه، مثلاً إذا نظرنا إلى سوريا فأميركا لا تزال موجودة عسكرياً في هذه الدولة، وتشجّع التحركات الانفصالية في صفوف الأكراد، وطبعاً هذا الأمر يضرب المصالح التركية ويهدد الأمن القومي التركي وتركيا تدرك ذلك 100%”.
أضاف أنه “في الوقت نفسه هذا الوجود العسكري الأمريكي والتحركات الانفصالية تهدد وحدة الأراضي السورية، وبالتالي هذا لا يتوافق مع المصالح الروسية في سوريا المتمثلة في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والسيادة السورية”.
“أما بالنسبة للطلبات الروسية فهي” انسحاب القوات الأمريكية من كل المناطق السورية، وإطلاق المفاوضات بين السلطات المركزية السورية والأكراد من أجل إعادة السيادة السورية بشكلٍ كامل في مناطق شرق الفرات”.
وكشف أنه “بالنسبة للتعاون الروسي التركي، فقريباً سيكون هناك انعقاد للجنة الدستورية السورية”، وتابع “نحن نعلم أن تركيا تمارس بعض الضغوطات على المعارضة السورية من أجل أن تأخذ موقفاً أكثر اعتدالاً، ويجب أن نبدأ الحوار الحقيقيّ حول صياغة الدستور السوري الجديد”.
أما المحلل السياسي حمزة تكين فرأى أنه “من الصعب القول إن الرئيسين توصلا إلى اتفاق جديد وخاصةً فيما يتعلق بالشأن السوري.. الزعيمان توافقا على تثبيت الوضع على ما هو عليه”.
وأشار إلى أن “أردوغان ذهب إلى روسيا بورقتي ضغط ورسالتين شديدتي اللهجة للجانب الروسي، الرسالة الأولى هي أنه قبل ساعات من اللقاء، دخلت قوات عسكرية ضخمة جداً من الجيش التركي إلى إدلب، معزّزة بأسلحة ثقيلة جداً”.
وأضاف “أما الورقة الثانية فهي أن الاستخبارات التركية نفذت عملية كبيرة في الشمال السوري قبل ساعات من هذا اللقاء، حيّدت من خلالها أكبر قائد من تنظيم PKK منذ بدء الصراع في سوريا”.
وقال “كأن تركيا تقول بهاتين الورقتين إننا سنذهب حتى النهاية إذا استمرّت روسيا في تصعيدها في هذا الملف أو ذاك، وإننا لسنا ضعفاء لا في الميدان ولا على الطاولة”.
وكان الرئيس أردوغان، قد التقى نظيره الروسي بوتين في مدينة سوتشي الروسية، أمس الأربعاء، حيث أجرى الجانبان مباحثاتٍ ثنائية في اجتماعٍ مغلق دام 3 ساعات، دون أن يتمّ الإعلان عن مخرجاته، إلا أن أردوغان وصف اللقاء بـ”المثمر”، في حين أكد بوتين أن “اللقاء كان مفيداً وشاملاً للغاية”.







