تقاريرهام

انسحاب الجيش الأمريكي من سوريا.. تركيا أمام فرصة جديدة لتعزيز دورها كقوة إقليمية رئيسية (تقرير)

تدخل الاستراتيجية الأميركية في سوريا مرحلة جديدة عنوانها “التموضع المحدود”، بعد إعلان واشنطن نيتها سحب نحو ألف جندي من الأراضي السورية خلال الشهرين المقبلين، في خطوة يصفها محللون أنها “تحوّل استراتيجي كبير يمهّد لمرحلة إقليمية مختلفة، تتقدم فيها تركيا كفاعل رئيسي في دعم استقرار سوريا الجديدة وإعادة بناء منظومتها الأمنية والسياسية”.

وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن قرار إنهاء الوجود العسكري يأتي عقب بسط الحكومة السورية سيطرتها على معظم الجغرافيا السورية، وتعهد ما تسمى بـ (قسد) بالاندماج في مؤسسات الدولة، ما ينهي، وفق التقييم الأميركي، الحاجة لبقاء القوات كداعم ميداني مباشر.

من الانتشار الواسع إلى القواعد المحدودة

خلال عام 2025 ومطلع 2026، سحبت واشنطن 28 قاعدة ونقطة عسكرية من سوريا، لتتجه خريطة انتشارها نحو الاكتفاء بعدد محدود من القواعد الرئيسية في محافظة الحسكة، أبرزها قاعدة قسرك بين تل تمر وتل بيدر جنوب الطريق الدولي M4، وقاعدة رميلان ضمن مطار أبو حجر الزراعي، وقاعدة هيمو عند مدخل مدينة القامشلي، والتي تضم سجن عنبارة.

وبحسب ما أعلنه قائد القيادة الأميركية الوسطى، فقد “اكتمل الانسحاب المنظم من قاعدة التنف في 11 شباط/فبراير الجاري، في إطار عملية انتقال مدروسة ومبنية على شروط محددة”، مع تأكيد بقاء القوات الأميركية على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات محتملة من تنظيم “داعش”.

وكانت مصادر محلية أفادت، قبل أيام، بإخلاء قاعدة قسرك بريف الحسكة، بعد أسبوع من إجلاء القوات الأميركية من قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، وتسليمها إلى وزارة الدفاع في الحكومة السورية، حيث باشرت “الفرقة 54” انتشارها في محيط القاعدة، وفرضت إجراءات أمنية مشددة.

وتحظى قاعدة التنف بأهمية استراتيجية بالغة، إذ شكّلت منذ إنشائها مركزاً رئيسياً لعمليات “التحالف الدولي” ضد تنظيم “داعش”. وخلال الشهرين الماضيين، أعلنت القيادة الأميركية تنفيذ أكثر من 100 ضربة استهدفت مواقع للتنظيم، وأوقعت أكثر من 50 عنصراً بين قتيل ومعتقل.

من جهته، صرّح المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك بأن مهمة بلاده في مكافحة تنظيم الدولة “أُنجزت بنسبة 99%”، مشيراً إلى أن عدد القواعد الأميركية انخفض من ثماني قواعد إلى ثلاث، مع احتمال تقليصها إلى قاعدة واحدة في المرحلة النهائية.

تحوّل استراتيجي لا خطوة عابرة

يرى مراقبون أن خروج واشنطن من الميدان السوري لا يمكن قراءته كخطوة تكتيكية، بل كتحوّل استراتيجي يرتبط بإعادة ترتيب الأولويات الأميركية إقليمياً ودولياً، بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وبروز ترتيبات سياسية وأمنية جديدة بين واشنطن والقيادة السورية الجديدة.

هذا التحول يعيد رسم توازنات القوى في الشمال والشرق السوري، ويفتح الباب أمام قوى إقليمية لملء الفراغ، وفي مقدمتها تركيا التي تُعد الطرف الأكثر حضوراً وتأثيراً في الملف السوري منذ عام 2016، سواء عبر عملياتها العسكرية أو من خلال دعمها للمعارضة السورية ومشاريع الإدارة المحلية في مناطق الشمال.

تركيا أمام فرصة استراتيجية

يعتبر محللون أن الانسحاب الأميركي يصب في مصلحة أنقرة، التي طالما طالبت بإنهاء الدعم العسكري لـ“قسد” الانفصالي باعتبارها امتداداً لتنظيمات إرهابية.

ومع تعهد “قسد” بالاندماج في مؤسسات الدولة، تتراجع إحدى أبرز نقاط التوتر بين أنقرة وواشنطن، ما يفتح المجال أمام مقاربة جديدة أكثر تنسيقاً.

وقال الباحث في مركز جسور للدراسات، محمد سليمان في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “إعلان واشنطن نيتها سحب قواتها البالغة نحو 1000 جندي من سوريا خلال الشهرين المقبلين يمثل تحولاً استراتيجياً جوهرياً، بعد عقد من الوجود العسكري الذي ركز أساساً على محاربة تنظيم الدولة”.

وأضاف أن “هذا الانسحاب الذي يأتي في سياق تغيرات جذرية في سوريا بعد سقوط النظام السابق وتعهد الحكومة الجديدة بمكافحة الإرهاب، ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل إعادة ترتيب أولويات أمريكية نحو تقليص الالتزامات الميدانية في الشرق الأوسط وهذا هو جزء من رؤيه ترامب”.

وتابع “يخلق هذا الفراغ فرصة  جوهرية لتركيا، التي تمتلك قوة وزخما عسكريا وسياسيا في المنطقة مع وجود قواعد عسكرية في الشمال السوري، لتعزيز دورها كقوة إقليمية رئيسية خاصة في مناطق سيطرة قسد وربما توسيع تأثيرها الأمني والسياسي لملء الفراغ الأمريكي بشكل فعال”.

وختم بأن “تركيا لديها القدرة على تحقيق توازن يمنع تصاعد التوترات أو عودة التهديدات الإرهابية من خلال تحالفاتها وسياساتها في المنطقة”.

وتبرز تركيا اليوم بوصفها الطرف الأكثر قدرة على المساهمة في تثبيت الاستقرار في سوريا الجديدة، استناداً إلى عدة معطيات:

أولاً، الخبرة الميدانية الواسعة التي راكمتها في إدارة مناطق الشمال السوري، عبر دعم المجالس المحلية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير قطاعات التعليم والصحة والخدمات.

ثانياً، شبكة العلاقات السياسية والأمنية التي نسجتها مع فاعلين سوريين مختلفين، ما يمنحها هامشاً للتحرك كضامن أمني وسياسي في أي ترتيبات انتقالية.

ثالثاً، موقعها الجغرافي ودورها في ملفي اللاجئين وإعادة الإعمار، إذ تستضيف ملايين السوريين، وتسعى لتهيئة بيئة آمنة تتيح عودة طوعية وكريمة.

دعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب

في ضوء الانسحاب الأميركي، تتعزز الحاجة إلى آلية إقليمية تمنع عودة تنظيم “داعش” الإرهابي أو أي فراغ أمني في مناطق شرق الفرات.

وهنا يُنظر إلى تركيا كطرف قادر على لعب دور تكاملي مع الحكومة السورية الجديدة، سواء عبر التنسيق الأمني المباشر أو من خلال دعم جهود إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية.

كما أن أنقرة تملك أدوات ضغط وتأثير على فصائل محلية، ما يتيح لها المساهمة في دمج التشكيلات المسلحة ضمن بنية الدولة، وتقليل مخاطر التفكك أو الصدامات الداخلية.

ويرى خبراء أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً من الصراع العسكري إلى التنافس على إعادة الإعمار وبناء المؤسسات، وهو مسار تمتلك فيه تركيا أفضلية نسبية، سواء عبر شركاتها الإنشائية أو خبرتها في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود.

من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي والعسكري، رشيد حوراني في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “ترامب لم يخف إعجابه بالرئيس التركي أردوغان في أكثر من مناسبة، ولا شك أن الانسحاب الأمريكي من سوريا لعبت فيه تركيا دورا كبيرا من خلال موقفها الحازم من قسد كذراع لحزب العمال الكردستاني المصنف كمنظمة ارهابية، ومن خلال تقديمها الدعم للجانب السوري بأجهزته الأمنية والعسكرية على مستوى التدريب والتسليح والخبرة”.

وأضاف “تنسجم سياسة أمريكا مع سياسة تركيا، ففي الوقت الذي يعتمد ترامب استراتيجية تقليص النفوذ الأمريكي العسكري في مناطق النزاع، تسعى تركيا لتعزيز نفوذها ودورها في المنطقة، وبالتالي توافق الطرفين على تحقيق الانسحاب الذي ما كان ليتحقق لولا وجود طرف قوي يملأ الفراغ ويطمئن كافة الأطراف من خلال قدرته على القيام بالمسؤوليات الأمنية والعسكرية ضد المهددات الامنية في الإقليم”.

بين الواقعية والتحديات

ورغم الفرص التي يتيحها الانسحاب الأميركي، تبقى التحديات قائمة، سواء على مستوى التوازنات الدولية أو حسابات القوى المحلية. إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن أنقرة تستعد لمرحلة جديدة عنوانها “الدعم البنّاء”، بعيداً عن المقاربات الصدامية، مع التركيز على استقرار الحدود، ومنع التهديدات العابرة، والمساهمة في بناء مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

في المحصلة، لا يمثل قرار واشنطن مجرد تقليص عسكري، بل نقطة تحوّل في مسار الأزمة السورية.

 ومع انكفاء القوة الأميركية المباشرة، تتقدم تركيا كلاعب محوري مرشح لملء الفراغ، ليس فقط أمنياً، بل أيضاً سياسياً وتنموياً، في سياق إعادة تشكيل المشهد السوري على أسس جديدة، قوامها الاستقرار، ووحدة الأراضي، وبناء دولة قادرة على بسط سيادتها واستعادة دورها الإقليمي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى