تعرضت مدينة إسطنبول، أمس الخميس، لزلزال بلغت قوته 5.8 درجات علىٰ مقياس “ريختر”، شعر به سكان المدينة وولايات تركية مجاورة، إذ أن مركز الزلزال كان في بحر مرمرة.
بعد الزلزال، توالت الهزات الارتدادية، ليصل عددها إلى أكثر من 75 هزة، حسب تقارير إدارة الكوارث والطوارئ التركية (AFAD)، التي أوضحت أن الهزات الارتداية ربما تستمر لأسبوع أو أكثر.
الزلزال أصاب كثيرًا من سكان إسطنبول بالهلع، الذين استحضر بعضهم الذكرى المأسوية لزلزال 1999 الذي ضرب مدينة إزميت (شرق إسطنبول) وأسفر عن مقتل أكثر من 17 ألف شخص.
في هذه التدوينة سنقف مع بعض الدروس المستفادة من زلزال الأمس:
أولا:
تجلت رحمة الله تعالىٰ أن هذا الزلزال لم يسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، فلم تحدث وفيات، وإنما إصابات محدودة خفيفة لبعض المواطنين، وانهيار الجزء العلوي لمئذنة جامع (غازي عثمان باشا) في منطقة (أفجلار)، وبعض الأضرار والتصدعات اليسيرة في بعض المباني، وتعطل بعض شبكات الهاتف لوقت قصير، حسب المصادر الرسمية.
وهذا أمر يستوجب شكر المولى سبحانه على لطفه، في الوقت الذي تناقلت الأخبار العالمية أنباء وقوع وفيات وأضرار مادية كبيرة في بعض دول العالم الإسلامي جراء زلازل ضربتها مؤخرًا.
ثانيا:
الاستنفار الكامل لكل أجهزة الدولة، والاهتمام الرسمي بمتابعة تطورات الحدث لحظة بلحظة، وتجلى ذلك بالاهتمام الشخصي من رأس الدولة الرئيس رجب طيب أردوغان الذي سافر إلى إسطنبول مع أركان حكومته عقب عودته من اجتماعات الأمم المتحدة في أميركا، ليتابع تطورات تعامل أجهزة الدولة مع الحدث عن قرب.
ثالثا:
أثبت زلزال الخميس وما تبعته من هزات ارتداية قوة ومتانة البنية التحتية لمدينة إسطنبول، والاستعدادات المسبقة لمواجهة الكوارث والأزمات، الأمر الذي قلل الخسائر البشرية والمادية، وهذا ما كان ليحدث لولا ستر الله وتوفيقه ـ أولا وآخرا ـ أن هيّأ حكومة رشيدة قضت على مظاهر الفساد الذي عمّ أرجاء تركيا طوال عقود إبان حكم العسكر.
والكل يتذكر كيف كانت إسطنبول ـ وجميع الولايات التركية ـ خلال تسعينيات القرن الماضي قبل تولي إدارة أردوغان مقاليد الأمور فيها.
وقبل سنوات صدرت التوجيهات الحكومية بإزالة جميع المنازل القديمة التي كانت قد تأثرت بالزلازل والتغيرات المناخية، وذلك بسبب عدم تهيئتها بنظام الحماية والمقاومة، وهو نظام أصبح من الشروط الرئيسة لأي مبنى جديد في إسطنبول وجميع الولايات التركية.
رابعا:
التعامل المهني لكل مؤسسات الدولة، والتعاطي المحترف مع الحدث وتداعياته، بداية من أعلى السلطة ممثلة بالرئاسة التركية ومتابعة الرئيس أردوغان بنفسه من قلب الحدث، مرورا بالاستنفار التام لوزارة الداخلية ووزارة الصحة، والهلال الأحمر، وإدارة الكوارث والطوارئ، ومعهد بحوث الزلازل، وولاية إسطنبول وبلدية إسطنبول، وغيرها من الجهات المختلفة.
وفور وقوع الزلزال ظهر الخميس، عُلّقت الدراسة في جميع مدارس إسطنبول بشكل مؤقت، وتواصلت إدارة المدارس مع أولياء الأمور لطمأنتهم على أطفالهم، وعُلّقت الدراسة يوم الجمعة كإجراء احترازي في بعض مدارس الولاية، حفاظًا على سلامة الطلاب والمعلمين.
كما قامت الجهات المختصة في مكتب الوالي وبلدية إسطنبول بنشر أماكن التجمع الآمنة في كل مناطق الولاية عبر وسائل التواصل، وتقديم النصائح والإرشادات للتعامل السليم مع الحدث، وفتحت قنوات التواصل المباشر مع المواطنين للإبلاغ عن طارئ.
خامسا:
التصدي للشائعات بنشر المعلومات أولًا بأول، كان السمة الأبرز للتعامل مع الحدث من كل أجهزة الدولة.
ففور وقوع الزلزال، ومع حالة الخوف التي انتابت سكان إسطنبول، وتعطل بعض شبكات الاتصال بشكل مؤقت؛ راجت بعض الشائعات التي تجد مناخا مناسبا في مثل هذه الظروف، مثل: تعرض جسور البسفور الثلاثة لأضرار جراء الزلزال، واحتمال وقوع زلزال أشد من زلزال الخميس، وهي الشائعات التي نفتها الأجهزة الرسمية في الدولة عبر وسائل الإعلام الرسمية ومنصات التواصل.
وأهم ما في الأمر هو التحذير الصادر من مكتب والي إسطنبول باتخاذ إجراءات قانونية بحق من يروج هذه الشائعات، وكذلك ما أشار إليه الرئيس التركي من ضرورة استقاء المعلومات عن كل ما يتعلق بالزلزال من مصدر واحد فقط، وهو إدارة الكوارث والطوارئ (AFAD)، لتكون الجهة المنوط بها إصدار بيانات ومعلومات بهذا الشأن.
سادسا:
(استوى الناس في العافية، فإذا نزل البلاء تباينوا).
فور وقوع الزلزال وانتشار الخوف والهلع بين الناس في إسطنبول، تباينت ردود أفعالهم في التعامل مع الحدث وإن اشتركوا جميعًا في الخوف البشري مع تفاوت درجاته.
فمنهم من حمل متاعه وانطلق بسيارته ليغادر إسطنبول إلى مدينة أخرى، ومنهم من قضى يومه في الشارع والحدائق العامة التي غصّت بالناس خوفًا من توابع الزلزال.
لكن أكثر ما أعجبني هو حرص كثير من النساء على ارتداء كامل لباسهن قبل مغادرة البيت فور وقوع الزلزال رغم حالة الهلع، وقيام بعض الآباء بتحويل هذا الحادث إلى فرصة مثالية للترويح عن أطفالهم في الحدائق والمتنزهات، وإعطائهم الدروس المفيدة المتعلقة بالحدث، والحرص على بث الطمأنينة في نفوس الأطفال.
ولن يغيب عن بالي ما بثته وسائل الإعلام ومنصات التواصل من مقاطع مرئية صُوّرت من جهات ومكاتب عدة وقت الزلزال، وقد رأيت فيها مواطنين ينبطحون على الأرض وهم يرددون الشهادة ويكبّرون!
سابعا:
الشدائد والمحن تظهر معادن الناس، وتُسفر عن أخلاقهم.
وما ظننتُ يوما أنه يوجد إنسان سوي يمكن أن يشمت أو يفرح بما يصيب البشر من كوارث لا دخل لهم بها، مهما كانت عقيدتهم، أو ملتهم، أو أجناسهم، أو ألوانهم.
فكيف بمن يفرح بما يصيب شعبا مسلما مسالما ينحاز دوما إلى الحق، وينصر المظلوم، ويُقري الضيف، ويُؤوي المظلومين؟!
فجزى الله المصائب والمحن خيرا، عرّفتنا أصنافا من حثالة البشر يفرحون بما يصيب من يشاركهم في العقيدة، ويتّجهون إلى قِبلة واحدة في الصلاة!
وأخيرا:
ينبغي للمرء دومًا أن يكون على استعداد للقاء الله تعالى لأن الموت قد يأتيه بغتة، ولا يحتاج إلى كارثة أو زلزال، وما عاينه الناس الذين رأوا الأرض تميد من تحت أرجلهم، إنما هو رسالة، وتنبيه، وذكرى للغافلين.
حفظ الله تركيا وشعبها ورئيسها وأرضها وسماءها.. وسائر بلاد المسلمين.








