يتوجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الأربعاء، إلى أذربيجان في زيارة رسمية تستمر يومين، يلتقي خلالها بالرئيس الأذري إلهام علييف، حيث تعد هذه الزيارة الأولى لرئيس دولة أجنبية لأذربيجان بعد اتفاقية وقف إطلاق النار التي أنهت 44 يوم من القتال في مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وتم خلالها تحرير أراضي إقليم “قره باغ” والمدن الـ7 الأذرية التي كانت محتلة من قبل أرمينيا.
وبمناسبة الزيارة، زينت شوارع العاصمة الأذرية بالأعلام التركية والأذرية احتفالاً بالنصر المعظم للجيش الأذري، وكذلك تحضيرا لاستقبال الرئيس أردوغان الذي سيحضر العرض العسكري المزمع إجراءه في العاصمة الأذرية باكو في يوم النصر. كما أن القوات العسكرية التركية أجرت عرضاً عسكرياً في باكو تحضيرا للمشاركة يوم غدٍ الخميس، بالاحتفالات الواسعة بتحرير إقليم “قره باغ” من الاحتلال الأرميني.
وسيكون الرئيس أردوغان مع نظيره الأذري علييف على رأس هذه الاحتفالات غير العادية بكل مجرياتها، حيث ستكون لهذه المشاركة رسائل ودلائل لكل الأطراف وخاصة للجيران، وسترسم هذه الزيارة الشيفرة الجديدة لمنطقة القوقاز.
كما ستكون التطورات بعد تحرير “قره باغ” على رأس جدول أعمال زيارة الرئيس أردوغان، وكذلك مسألة نشر قوات حفظ السلام التركية-الروسية المشتركة لضمان تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا، و سيتم في الاجتماعات مناقشة العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية الأخرى.
وطبعا عند الحديث عن العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية والامتدادات العرقية والقومية التركية، تقفز جمهورية أذربيجان إلى الأذهان مباشرة، باعتبارها دولة شقيقة لتركيا، حيث ينظر أتراك أذربيجان إلى تركيا نظرة الوطن الأم والشقيق الأكبر، ويراهم الأتراك أخوتهم بالدم والعرق والعادات والأعراف.
وهنا، توصف العلاقة التاريخية بين البلدين تحت شعار عنوانه “بلدان لشعب واحد”، إذ إن الأذريين يتحدثون اللغة التركية، شأنهم شأن أكثر من 5 جمهوريات في أواسط آسيا ناطقة باللغة التركية، حيث تعتبرهم تركيا حلفاء لها.
لكن العلاقات الوطيدة بين باكو وأنقرة، ترجع لأسباب أكثر خصوصية، وإلى آلية عمل مشتركة تجمع تركيا وأذربيجان مع دول الجوار مثل جورجيا وتركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان وقيرقيزستان وباكستان، في حلف من خلال روابط قومية واجتماعية واقتصادية وصناعية. إضافة لربط دول المنطقة بشبكة إمدادات لموارد الطاقة من النفط والغاز والكهرباء تكون تركيا ملتقى لها في المنطقة.
وبالتأكيد، إن أكثر الدول المستفيدة من النصر الأذري في “قرة باغ” هي تركيا على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث تعززت شراكتها مع روسيا في منطقة القوقاز الاستراتيجية من جهة، ومن جهة أخرى أرسلت رسالة قوية لفرنسا الداعم الأكبر لأرمينيا، وكذلك رساله أخرى لإيران، الجارة الجنوبية لأذربيجان، التي كانت تدعم أرمينيا بالخفاء والعلن، وتذكيرها بأن هناك أكثر من 40 مليون من أتراك أذربيجان الجنوبية في الداخل الإيراني، حيث يمكن الضغط عليها من خلالهم في عدة مواضيع شائكة، إضافة إلى ساحات أخرى مثل سوريا والعراق.
لكن الأهم بالنسبة لتركيا هو إيصال الغاز الأذري إلى أوروبا عبر تركيا، حيث وقعت تركيا وأذربيجان مشروع “تاناب” لنقل الغاز الطبيعي الأذري إلى أوروبا عبر الأراضي التركية عام 2012، الذي تم افتتاحه العام الماضي، ويُعتبر هذا المشروع من أهم مشاريع الطاقة على مستوى العالم؛ لأنه سيعطي الأفضلية لتركيا على أنها نقطة مرجعية في أسواق الطاقة العالمية.
إذ سيفتح المشروع المجال أمام إمكانية نقل الدول المالكة لاحتياطي واسع من الغاز الطبيعي، وعلى رأسها دول منطقة بحر قزوين، لمصادر الطاقة إلى الأسواق العالمية عبر الأراضي التركية وبتكلفة ثمانية ونصف مليارات دولار، وسيتم ربط الأنبوب بإنبوب جنوبي القوقاز، الذي يضخ الغاز من حقل “شاه دنيز 2” في بحر قزوين عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا، ويصله بخط أنابيب عابر الأدرياتيكي، الذي بدوره سيضخ الغاز إلى إيطاليا عبر اليونان وألبانيا.
وتكمن أهمية هذا المشروع، أنه مدعوم من أوروبا، وستضخ أذريبجان لأول مرة الغاز مباشرة إلى أوروبا من خلاله، وسيكون هذا التفافا على الغاز الروسي. كما أن مشروع “تاناب” سيخفّض كلفة إنتاج الطاقة وسيمكّن تركيا من تأمين الغاز دون انقطاع، حيث ستبلغ حصتها، في المرحلة الأولى، ملياري متر مكعب، وستصل لاحقاً إلى 6 مليارات متر مكعب، وستتضاعف كمية الغاز الأذري المصدّر إلى تركيا، ما سيؤدي إلى انخفاض نسبة اعتمادها على الغاز الروسي، وبالتالي تقليص المخاطر السياسية والاقتصادية الناجمة عن هذا الأمر.
علاوة على ذلك، فإن انتصار “قره باغ” سيأمن التواصل بممر آمن بعيد عن سيطرة الأرمن بين طرفي أذربيجان، حيث تم تأمين اتصال الوطن الأم بأقليم “نخجوان” الأذري ذو الحكم الذاتي من ناحية، ومن ناحية أخرى بين تركيا وأذربيجان وأوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان، وصولا إلى طاجيكستان وأفغانستان وباكستان، بممر بري وخط سكك حديدية تربط تركيا مع آسيا الوسطى بطريق طوران التاريخي، وكل ذلك دون المرور عبر الأراضي الإيرانية.
طبعا أذربيحان ربحت كثيرا من هذا النصر، وفرضت شروطها على طاولة المفاوضات، وبذلك استطاعت أن توصل صادراتها النفطية إلى العالم عبر تركيا بعد أن حاولت أرمينيا وبدعم روسي إيراني قطع خط الإمداد الأذري التركي الخاص بالغاز المصدّر إلى أوروبا طوال العقود الماضية.
ولا بد لنا أن نشير إلى أن تركيا وأذربيجان تهدفان في الفترة القادمة إلى التضامن في السلم والحرب والاجتماع على كلمة واحدة وموقف واحد وتطوير العمل المشترك والصداقة بين جيشيهما وشعبيهما ضد جميع أنواع التهديدات والمخاطر، وفي أوقات الحزن والفرح، خصوصاً في ظل ارتفاع المخاطر والتهديدات في المنطقة في الفترة الحاليّة، حيث يتطلب ذلك جيشاً رادعاً وفعالاً وقادر على الحركة في أي لحظة.
أما على الصعيد التاريخي، لا ينحصر دفاع تركيا عن أذربيجان في اللغة والثقافة والعادات والتقاليد، بل هناك حروب تاريخية وقف بها الأتراك العثمانيون مع أتراك أذربيجان كتفاً لكتف، فدُفنوا جنباً إلى جنب في حرب تحرير “باكو” التي خاضها جيش القوقاز الإسلامي الذي أرسلته الدولة العثمانية، بقيادة أنور باشا عام 1918، من أجل تحرير بلاد القوقاز من الاحتلال البلشفي، بناءً على طلب تقدم به مسلمو أذربيجان وداغستان.
ختاماً، إن ما تقوم به كل من تركيا وأذربيجان هو أفضل نموذج لتحالف البلدان ذات القومية والعرقية والدم الواحد، إذ إن هدفهما هو رفعة هذه البلدين بسكانهما واقتصادهما وجيشهما، بالتقاء المصالح وتنميتها لصالح الجميع، حيث تمنح تركيا التقنية والخبرة لأذربيجان، وهناك مشاريع عملاقة لاستفادة تركيا من النفط والغاز الأذري.







