استذكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فجر اليوم الأحد، الشاعر التركي محمد عاكف آرصوي، شاعر الاستقلال والحرية، وكاتب النشيد الوطني التركي.
وقال أردوغان، في رسالة نشرتها رئاسة دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية، إن “الراحل محمد عاكف آرصوي، شاعر نشيدنا الوطني التركي، والذي يعد بيان حرب الاستقلال وإعلان إرادتنا الوطنية، يحتل مكانة استثنائية في قلوب أمتنا الحبيبة”.
وأشاد أردوغان في رسالته بمآثر الراحل آرصوي، مضيفاً أنه “ساهم بشخصيته وفكره المستنير والحصيف في إشعال نار الاستقلال في الأناضول، عبر التجول من مدينة إلى أخرى من أجل استقلال ومستقبل الأمة التركية”.
وتابع “لا تزال أعماله، التي يصوّر فيها الوحدة والتضامن والاستقلال والشغف بالوطن، من بين مصادرنا الهامة التي تنمّي الوعي الوطني”.
وأرفد “سنواصل العمل بكل قوتنا وبنفس الإرادة والإيمان والتصميم من أجل كفاحنا الوطني في مسيرة الاستقلال، في جميع الأوقات والظروف”.
واستذكر أردوغان أرصوي وتمنى له الرحمة من الله تعالى، مثمّناً قرار البرلمان التركي لجعل عام 2021 “عام النشيد الوطني”.
والخميس الماضي، قال رئيس البرلمان التركي، مصطفى شنطوب، إنه “في الذكرى المئوية لقبول نشيدنا الوطني، وافق برلماننا بالإجماع الكامل على الاقتراح الذي فتحناه للتوقيع لجعل 2021 عام النشيد الوطني”.
حياة محمد عاكف آرصوي
- ولد محمد عاكف آرصوي، عام 1873، بمنطقة الفاتح بولاية إسطنبول، ووالده “محمد طاهر أفندي” من أصل ألباني.
- حفظ عاكف القرآن وهو ابن التاسعة على يد إمام جامع الفاتح، إلى جانب تعلمه اللغة العربية والفارسية.
- أنهى تعليمه الإعدادي في مدرسة “رشدية الفاتح”، عام 1894.
- حصل على الدبلوم العالي من مكتب “بايطار العالي” (مدرسة الطب البيطري) في إسطنبول.
- تولى عاكف بعض الوظائف المدنية في القسم البيطري بوزارة الزراعة العثمانية، ثم في البلقان وشبه الجزيرة العربية بين أعوام 1894 – 1898.
- أخرج مع صديقه “أشرف أديب” مجلات أدبية وسياسية، مثل “صراط مستقيم” و”سبيل الرشاد” باللغة التركية العثمانية.
- عمل مدرسا في المدرسة الزراعية العالية بهالقالي، وكلية الآداب بمدبنة إسطنبول.
- في عام 1915، ذهب لألمانيا في عمل تفتيشي، وزار عددا من البلاد العربية، كما انتخب عضوا بالبرلمان العثماني، بين أعوام 1920- 1923م.
- عام 1923، وبعد تعرضه لمضايقات من أنصار الحكم الأتاتوركي، لتوجهاته الإسلامية، انتقل إلى مصر بدعوة من خديوي مصر “عباس حلمي باشا”.
- عمل عاكف في مصر مدرسا للأدب التركي، بين أعوام 1923 – 1936، في جامعة فؤاد (جامعة القاهرة الآن).
- التقى في القاهرة رجال الثقافة والسياسة، وأقام في ضاحية “المرج” بحلوان.
- عاد لتركيا للعلاج، في 17 حزيران/يونيو 1936 من مرض مزمن، وتوفي في 27 كانون الأول/ديسمبر من نفس العام، في إسطنبول.
قصة النشيد الوطني
في نهاية عام 1920، أعلنت وزارة التعليم مسابقة لكتابة نشيد وطني يرفع معنويات الجنود والمواطنين، شارك فيها عدد كبير من الشعراء.
لم يشارك محمد عاكف في المسابقة بسبب المكافأة المالية التي أعلنت أنها ستقدم إلى الفائز، وهي 500 ليرة تركية، لأنه كان يرى أن الأعمال الوطنية يجب أن لا تُكافأ بمقابل مادي.
تم اختيار ست قصائد من بين القصائد المرسلة إلى المسابقة، ولكن لم تكن أي منها تصل إلى المستوى المطلوب.
وبعد إلحاح أصدقائه، اقتنع محمد عاكف بضرورة المشاركة في المسابقة.
انتهى الشاعر الكبير من كتابة قصيدة “استقلال مارشي” أي “نشيد الاستقلال” خلال 48 ساعة، وسلَّمها إلى الوزارة.
أُرْسِلت القصيدة مع القصائد الست الأخرى إلى الضباط ليلقوها على الجنود حتى يتم تصنيفها حسب إعجابهم.
حلت قصيدة محمد عاكف أرصوي في المرتبة الأولى.
قُرأ نشيد الاستقلال مرتين في البرلمان التركي وسط تصفيق حار، ولقي إعجاب النواب، وتم إقراره كالنشيد الوطني.
أراد محاسب البرلمان تسليم المكافأة المالية إلى محمد عاكف، إلا أنه رفض استلامها.
ولما أصر المحاسب على تسليمها، استلم المكافأة ولكنه تبرع بها لجمعية خيرية تعنى بالفقراء والمساكين، على الرغم من أنه كان مدينا، وبحاجة ماسة للمال.
كانت 500 ليرة تركية آنذاك مبلغا كبيرا، إذ كان يمكن شراء مزرعة في العاصمة أنقرة بحوالي 140 ليرة تركية.
كتب محمد عاكف نشيد الاستقلال، وأهداه إلى الشعب التركي، ولم ينشره ضمن قصائده التي جمعها في كتابه الشهير “صفحات”، لأنه كان يعتبر نشيد الاستقلال ملكا للشعب. وكان يسأل الله أن لا يجعل الشعب التركي يقع تحت الاحتلال ليُكْتَب له نشيدُ استقلالٍ آخر.
آثاره ودواوينه
ترك محمد عاكف آرصوي الكثير من المؤلفات الشعرية والنثرية في الأدب التركي الحديث، وترجم عددا من الكتب التي تدافع عن الإسلام.
قدّم عاكف للمكتبة الإنسانية الكثير من الترجمات المهمة بين العربية والتركية والفارسية والفرنسية، ودوّن العشرات من المقالات السياسية والأدبية في مجلات “صِراط مستقيم” و”سَبيل الرَّشاد”.
أنجز عاكف دواوينه في سبعة أجزاء تحمل اسم “صفحات”، ولكل جزء عنوان خاص إلا الأول، وكانت على النحو التالي:
- الجزء الأول: وضع عليه العنوان العام “صفحات”، وأهداه إلى أحد تلاميذه (محمد علي).
- الجزء الثاني: “في كرسي السليمانية” وهو منظومة مزدوجة فيها زهاء ألف بيت يصف فيها جامع السلطان سليمان القانوني، ويتحدث على لسان واعظ سائح.
- الجزء الثالث: “أصوات الحق” وهو منظومات في معاني آيات قرآنية.
- الجزء الرابع: “في كرسي الفاتح” ويبدع منظومة في نحو 800 بيت من الشعر لوصف مسجد الفاتح.
- الجزء الخامس: “خاطرات” ويشمل موضوعات مختلفة.
- الجزء السادس “عاصم”، وينظم فيه قصة طويلة في نحو 1200 بيت، بطلها شاب من الذين جاهدوا في الحرب الكبرى.
- الجزء السابع: “الظلال”، ألفه أثناء مكوثه بمصر، ونشره قبل وفاته بعامين، ومنها قصيدة في الآثار المصرية سماها “مع فرعون وجها لوج”.
“حتى لو جاءتنا نيران العالم.. سنطفئها على صدورنا ..
هذا الطريق هو الحق .. لا نعرف التراجع .. بل نمضي فيه
أليس الإيمان واحدا في داخل جبهتنا المحقة؟!
أليست المحبة واحدة، الألم واحد، الغاية واحدة، والوجدان واحد؟!
أليس ما ينبض فيها هو قلب واحد لا يقهر؟!
حتى لو تتدمر العالم كله، فإن هذه الجبهة لن تتزعزع أبدا”
