أزمة اقتصادية خانقة ممزوجة بأزمة سياسية إضافة إلى غضب شعبي، هو الحال الذي تعيشه لبنان منذ عام 2019، وسط غياب أي بوادر تلوح في الأفق لإنقاذه من الإنزلاق نحو هاوية الأزمات، التي بدأت تلقي بظلالها السلبية على المشهد الرئيسي في لبنان، وسط تحذيرات من أن يدخل لبنان في نفق مظلم لا نهاية له.
ويشهد الشارع اللبناني، حراكا شعبيا منددا بسياسة الحكومة اللبنانية وقراراتها التي أوصلت لبنان إلى أسوأ مرحلة تمرّ بها اقتصاديا ومن كافة الجوانب الأخرى، حسب لسان حال المتظاهرين في مختلف المناطق اللبنانية.
ومما زاد من سوء الأوضاع، هو تفشي فيروس “كورونا”، وعدم قدرة السلطات اللبنانية على احتواء الأزمة أو مواجهتها بقرارات لا تؤثر سلبا على المواطن اللبناني، لكن ما جرى كان مخالفا لكل التوقعات، بعد خروج أزمة “كورونا” عن السيطرة وصولا إلى مرحلة خطر انهيار البنية الصحية في ظل عدم قدرة المستشفيات على استيعاب الحالات، التي وصل عددها إلى أكثر من 280 ألف حالة حتى مطلع العام الجاري 2021.
ولم يكن الأمر مقتصرا على أزمة “كورونا”، بل امتد الأمر إلى النزيف الحاد الذي تشهده الليرة اللبنانية مقابل الدولار، إذ وصل سعر الصرف مقابل الدولار الواحد إلى 10550 ليرة لبنانية للشراء و10450 ليرة لبنانية للمبيع.
وتزامن انهيار الليرة اللبنانية مقابل الدولار، إلى انهيار القدرة الشرائية للمواطنين، وامتد الأمر إلى إختفاء المواد الغذائية والسلع المدعومة من الأسواق، ما دفع بجهات دولية (من بينها المرصد الاقتصادي للبنان في البنك الدولي)، لدق ناقوس الخطر والتحذير من أن “أكثر من نصف السكان سيعانون الفقر خلال العام الجاري 2021”.
ودفعت تلك الظروف المتردية، إلى نزول المحتجين إلى الشارع وقطع الطرقات احتجاجا على انهيار الليرة اللبنانية، وتدهور الوضع الاقتصادي، وتعثر تشكيل الحكومة، وكانت مطالبهم الموحدة “خلق الظروف المناسبة لهم كي يعيشوا بكرامة”.
سياسيًا، لم يكن الأمر بأفضل حال من الجانب الاقتصادي، فمن يدير لبنان اليوم هي “حكومة تصريف الأعمال” برئاسة حسان دياب، منذ نحو سبعة أشهر.
وعقب استقالة الحكومة، وحتى الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2021، لم تتشكل حكومة جديدة تكون قادرة على إنقاذ لبنان وشعبها من الإنزلاق، وسط ضبابية المشهد وازدياد الأمور تعقيدا نظرا لغياب الحلول.
والمتابع للمشهد اللبناني سياسيًا، تابع الكلمة التي وجهها، رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان، حسان دياب، في 6 آذار/مارس 2021، “من يتحمل مسؤولية هذا المسار الانحداري السريع؟ ومن يستطيع التعامل مع التداعيات الخطيرة التي ستترتب على هذا المسار؟ شو ناطرين؟ المزيد من الانهيار؟ المزيد من معاناة الناس؟ الفوضى؟ هل صحيح أن التسوية تحتاج إلى تسخين، وأنه لا يمكن تشكيل الحكومة على البارد؟ لم يعد لدى اللبنانيين القدرة على تحمل المزيد من الضغوط. ألا يستحق اللبنانيون تضحيات صغيرة من أجل مصلحة الوطن؟ ماذا سنفعل بوزير بالزايد أو وزير بالناقص إذا انهار كل البلد؟ فلنترك أوهام السلطة وطموحاتها جانبا، لأن الآتي من الأيام لا يبشر بالخير إذا بقي العناد والتحدي والمكابرة حواجز أمام تشكيل الحكومة العتيدة.. لبنان بخطر شديد، واللبنانيون يدفعون ثمن الانتظار الثقيل. الله يحمي لبنان. الله يحمي اللبنانيين”.
وتحاول فرنسا استغلال تلك الأزمات لصالحها، مدعية أنها قادرة على التدخل بالقرار السياسي وتسهيل تشكيل حكومة جديدة، لكن تلك الرسائل الفرنسية لم تلق أي قبول لدى المحتجين، في رد واضح على رفض أي تدخل فرنسي في الشؤون اللبنانية الداخلية، وهذا الأمر يعيدنا بالذاكرة إلى الوراء وتحديدا، في 4 آب/أغسطس 2020، عندما سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى زيارة العاصمة اللبنانية بيروت عقب الانفجار الضخم الذي وقع في المرفأ، وبدأ مباشرة بـ”محاولة التغلغل والتدخل في شؤون لبنان الداخلية والسياسية”، الأمر الذي لاقى رفضا شعبيا واسعا.
ويبقى البحث عن مخرج للأزمة التي يعيشها لبنان، هو العنوان العريض لتطورات المشهد الحالي في لبنان، وفي حال لم يتم التحرك بشكل جدي وعاجل من الخائفين والحريصين على مصلحة لبنان وشعبه، فإن المخاوف من “حصول الكارثة” قائمة وبنسبة لا يمكن تصورها، الأمر الذي سيجعل لبنان يدخل في نفق مظلم لا نهاية له.
