تقاريرمميز

من النقيض للنقيض.. دول دعمت الثورة السورية وأخرى أيدت النظام (تقرير)

مرّت الثورة السورية ومنذ انطلاقتها في 15 آذار/مارس 2011، بانعطافات ومحطات مفصلية، منها ما ساهم في استمرارها بقوة، وأخرى ساهمت في خذلانها وخذلان السوريين لصالح النظام السوري، وتحولت سوريا إلى “كعكة” تسعى دول عدة لتقاسمها وأخذ نصيبها من الحصة الأكبر، باستثناء بعض الدول التي ساندت وما تزال ثورة السوريين.

ومع لجوء النظام السوري إلى استخدام القبضة الأمنية في قمع المظاهرات السلمية للمدنيين، ومع امتلاء سجونه ومراكز احتجازه بآلاف المعتقلين، ومع تطور الأمور للانشقاقات التي حصلت في صفوف قوات النظام السوري (الجيش) لحماية المتظاهرين والانتقال إلى عمليات عسكرية كادت أن تنهي النظام في السنوات الأولى من الثورة، وجدت بعض الدول ومنها إيران وروسيا في ذلك فرصة سانحة للتدخل، واضعة نصب عينيها “التدخل في سوريا مقابل الاستيلاء والاستحواذ على القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمي، وكافة مفاصل الحياة السورية” وبضوء أخضر من النظام السوري.

وهذا ما حصل بالفعل، فكانت البداية من التدخل الإيراني في العام 2013، ودعم النظام السوري في حربه ضد السوريين، واستقدام الميليشيات وأعداد كبيرة من المقاتلين المدعومين من إيران، الذين وقفوا إلى جانب النظام السوري وارتكبوا المجازر.

وتمكن النظام السوري من خلال الدعم المقدم له بالمقاتلين والسلاح من إيران وحزب الله، بتحقيق التقدم على الأرض على حساب المعارضة السورية.

ومع استمرار الدعم العسكري الإيراني للنظام السوري منذ ذلك الوقت وحتى العام الجاري 2021، بدأت الأصوات تتعالى حتى من طهران نفسها، مطالبة باسترداد الأموال التي تم دفعها في الحرب السورية، وسط تلميحات بأن طهران لم تنجح في الاستيلاء على القرار الاقتصادي والتجاري في سوريا، كون روسيا هي الأخرى تدخلت وباتت صاحبة القرار في الملف السوري.

ففي عام 2015، تدخلت روسيا وبقوة في دعم النظام السوري، وتمكنت بسياسة الأرض المحروقة، جعل النظام السوري يستعيد السيطرة على كثير من المناطق التي خسرها أمام فصائل المعارضة السورية، لكن في المقابل لم يكن التدخل أيضا من دون مقابل، إذا وضعت روسيا يدها وما تزال على مواقع اقتصادية واستثمارية هامة منها الموانئ وحقول الغاز والفوسفات وغيرها.

ويرى مراقبون أن هذه الدول ورغم تدخلها بحجة مساندة النظام السوري حفاظا على وحدة سوريا، لكنها في حقيقة الأمر تسببت بتعاسة وفقر وتجويع السوريين، بعد أن سيطرت على الثروات السورية ومصادر الطاقة، ما يدل على التناقض في السياسة التي اتبعتها تلك الدول بحق السوريين.

ولم يكن الحال أفضل بالنسبة لأمريكا، التي فرضت من جهة عقوبات اقتصادية على النظام السوري، ما أدى لانهيار الليرة السورية وانهيار الاقتصاد وتجويع السوريين أيضا، ومن جهة أخرى وضعت يدها على حقول النفط في عموم المنطقة الشرقية، بل ودعمت تنظيم PKK/PYD الإرهابي ووظفته كحارس على تلك الحقول وأطلقت يده يمارس الانتهاكات بحق السوريين في تلك المناطق.

في حين يرى مراقبون أن حلّ ملف القضية السورية والصراع الدائر فيها هو بيد أمريكا، لافتين النظر إلى أنها تقف موقف المتفرج على القوى المتصارعة (روسيا وإيران) لإغراقهم أكثر وأكثر في المستنقع السوري، في حين أن من يدفع ثمن ذلك هم السوريين، سواء من هم في مناطق النظام السوري أو حتى في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، نظرا لاستمرار ما بات يطلق عليه مصطلح “الأزمة السورية”، نظرا لتعنت النظام واستمرار داعميه بدعم قمعه وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ولا يقتصر بالنسبة لبعض الدول العربية (أهمها السعودية والإمارات) أو الدول الغربية (على رأسها فرنسا)، والتي ادعت أنها من أصدقاء الشعب السوري، والتي تخلت عنه في منتصف الطريق بحجج واهية وغير منطقية، فبعضها أوقف الدعم السياسي، والآخر أعاد تطبيع العلاقات مع النظام، وبعضها أوقف الدعم عن فصائل المعارضة العسكرية، ما تسبب بتكسات وانكسارات للمعارضة، ومكاسب للنظام.

وعلى النقيض من هذا كله، أكدت دول أخرى وعلى رأسها “تركيا وقطر”، الوقوف إلى جانب السوريين سياسيا وإغاثيا وخدميا وحتى عسكريا.

فكان الدعم المقدم يهدف في المقام الأول إلى التخفيف من معاناة السوريين وآلامهم التي تسبب بها النظام السوري وداعميه.

ويرى مراقبون أن تركيا لم تهدف من وراء دعم الثورة السورية إلى أي مصالح أو مكاسب، ففي الوقت الذي كان فيه النظام السوري وداعميه روسيا وإيران يدمرون المدن والبلدات والقرى فوق ساكنيها، بسبب آلة الحرب والدمار العسكرية من قصف بشتى أنواع الأسلحة وحتى المحرمة منها دوليا، كانت تركيا تدعم النازحين والمهجرين والفارين من حرب النظام السوري، وكانت تبني المأوى اللازم لهم، وتدعم مصابي الحربي، وتساند الفقراء والمساكين.

كما أن تركيا وكذلك دولة قطر، مدتا المعارضة السياسية بالدعم المعنوي اللازم، وأكدتا وقوفهما إلى جانب المعارضة السورية من مبدأ التزامهما الأخلاقي والإنساني، خاصة بعد كل الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين على يد النظام السوري.

وأكد مراقبون أن تركيا لم تتعامل يوما ومنذ اندلاع الثورة السورية بأي ازدواجية في المعايير، بل كان موقفها واضحا بعكس باقي الدول التي كشفت عن نواياها والسبب وراء استمرار معاداة الثورة السورية خدمة لمصالحها، بل إنها حولت الساحة السورية إلى مركز بريد لإرسال واستقبال الرسائل، أي أن سوريا تحولت إلى ساحة لتصفية الصراعات والنزاعات السياسية بين الدول ذاتها والتي تدعي صداقتها ومودتها للشعب السوري وثورته.

واليوم وبعد مضي 10 أعوام من عمر الثورة السورية، أصبح السوريون أكثر وعيا وانفتاحا وفهما لما يدور خلف الكواليس السياسية والميدانية وأمامها، وباتوا يعلمون علم اليقين من يقف إلى جانبهم وينصرهم، ومن يقف ضدهم ويريد استمرار معاناتهم متجاهلا أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية وتصدر سوريا، وحسب المؤشرات الدولية، المراتب الأولى في الجريمة وفي الفقر وفي البطالة وغيرها من النتائج السلبية التي كان سببها التناقض في مواقف الدول وصنّاع القرار اللذين كانوا قادرين ومنذ الأيام الأولى للثورة على وقف شلال الدم، وحماية السوريين من صراع قد يمتد لأعوام أخرى، ومن إخراج السوريين من النفق المظلم الذي أجبروهم على الدخول فيه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى