مقابلاتمميز

الدور التركي في أفغانستان.. أهمية استراتيجية لكل الأطراف؟! (مقابلة)

الدكتور أحمد مَلّي رئيس مركز الدراسات القانونية والسياسية في الجامعة اللبنانية تحدث لـ"وكالة أنباء تركيا"

يبدو أننا أمام لحظةٍ تركية بامتياز من حيث الملفات التي يمكن لأنقرة التأثير فيها والمفاوضة عليها في ما يتعلق بالملف الأفغاني، حيث يشير مراقبون للأهمية الاستراتيجية لدور تركيا المحتمل في أفغانستان.

وهذا الأمر ينسحب على الدور التركي في الملف الأفغاني الذي تسارعت الأحداث والمستجدات فيه خلال الأيام الأخيرة، حتى فرضت حركة طالبان سيطرتها الكاملة على البلاد، ما دفع الرئيس الأفغاني أشرف غني للهروب واللجوء إلى الإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت معروفة باستقبال الفاسدين الهاربين من شعوبهم.

بين هذا وذاك، كانت تركيا قد عرضت القيام بمهمّة تأمين مطار حامد كرزاي الدولي في ظلّ القرار الأمريكي بالانسحاب الكامل من البلاد بحلول نهاية آب/أغسطس 2021، خاصة وأن أفغانستان تفتقر لأي حدودٍ بحرية، ما يجعل مطارها بمثابة رئةٍ تتنفس من خلالها.

وأمام الفشل الأمريكي الذريع في الملف الأفغاني، كان لا بد من اللجوء إلى “الصديق اللدود” تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، باعتبارها بلداً قوياً ومؤثّراً إقليمياً أولاً، ومن المنطلق الديني ثانياً، إضافةً لتحالفها مع قطر، الأمر الذي قد يُعوّل عليه في تمهيد طريق القبول بها بين الصفوف الأفغانية الداخلية، فالمعروف أن قطر لعب دورا إيجابيا في أفغانستان وكانت الراعي الرسمي الأبرز للقاءات المفاوضات بين الأفرقاء الأفغان على أراضيها.

وللتعمّق أكثر في هذه القضية والدور التركي في المسألة الأفغانية، أجرت “وكالة أنباء تركيا” لقاءً مع الدكتور أحمد مَلّي، رئيس مركز الدراسات القانونية والسياسية في الجامعة اللبنانية.

وفي حديثه للوكالة أشار مَلّي إلى أنه “يجب أن لا يغيب عن بالنا أنّ أفغانستان بلدٌ حديث ليس له منفذ على البحر، وبالتالي فإن المطار يشكل ممرّاً إجبارياً لأي مساعدة من الخارج، بالتالي من يتواجد في المطار يتحكم بهذه القناة التي تشكل رئة حيوية لأفغانستان”.

وقبل الخوض في أبعاد استلام تركيا زمام الأمور في مطار كابل ومصير ذلك في ظل المستجدات، أكد مَلّي “ضرورة توضيح أبعاد القضية وأساساتها”.. ووفقاً له، فإن هناك “نوعين من الدول المؤثرة في أفغانستان:

– الدول التي لها حدود مشتركة معها، مثل باكستان التي تملك نفوذاً وتأثيراً في الداخل الأفغاني نتيجة الحدود المشتركة الطويلة ونتيجة وجود البشتون، ومثل إيران التي تجمعها بها حدود أقل لكن علاقاتها الوثيقة بالطاجيك (الفرس) والهازارا وبقية قوى تحالف الشمال، تعطيها قوةً.

– الدول التي ليس لها حدود مشتركة مع أفغانستان لكنها مؤثرة في ساحتها، مثل تركيا التي بالرغم من عدم محاذاتها للحدود الأفغانية إلا أن لها مدخل على الأوزبيك ذوي الأوصول التركية، لكن تعداد هؤلاء لا يتجاوز 7% من سكان أفغانستان، وبالتالي فإن الدخول بالتفاهم مع الإدارة الأمريكية يعطيها (لتركيا) قوةً في حال التوافق على الشروط”.

واعتبر مَلّي أن “الطرح التركي كان قد جاء في لحظةٍ مؤاتية للحكومة التركية، فالأمريكي لديه مأزق لأنه بعد 20 عاما من التدخل في أفغانستان لم يحقق شيئاً، وكل التوقعات رجّحت أنه في حال الانسحاب الأميريكي فإن حركة طالبان ستعود أقوى، وبالتالي العرض التركي يريح الأمريكي من هذا المأزق”.

وأضاف “من الأهمية بمكان ذِكرُ ما تسرّب عن لقاء أردوغان ـ بايدن على هامش قمة قادة حلف (ناتو) الأخيرة في بروكسل، عن وجود نوع من المساومة بين الجانبين، فنحن نعلم عن التوتر الحاصل في العلاقات بين البلدين بسبب صفقة صواريخ S-400 الروسية، وفي هذا المجال حاول أردوغان أن يمرّر هذا التفاهم لتغيير موقف الإدارة الأميريكية من الصفقة”.

وقال مَلّي “يجب أن لا يغيب عن بالنا أنه بعد الإطاحة بحركة طالبان بعد الحرب الأمريكية على أفغانستان قبل عقدين من الزمن، تشكلت قوة الـ(إيساف)، وتركيا كبلد في حلف الأطلسي وبلد مسلم كان له تواجدٌ عبر كتيبةٍ تركية بحدود 500 جندي كان دورهم لوجستياً من قَبيل الاستفادة من مبدأ أن الإسلام يجمع الطرفين”.

وتخوّف مَلّي من “دخول تركيا دون موافقة (طالبان)، تزامناً مع موقف المعارضة التركية التي رفعت الصوت محذّرةً من مغامرة تُقدم عليها الحكومة التركية في حال الدخول إلى أفغانستان دون توافق أو دون ضوء أخضر من (طالبان)”.

ولكنه أضاف “إن تركيا لديها قنوات باتجاه حركة طالبان:

– القناة القطرية، نعلم بوجود حلف تركي ـ قطري، رأينا وقت الحصار ضد قطر، كيف وقفت تركيا إلى جانب قطر، وبالمقابل تعتبر الدوحة بمثابة قناة مفتوحة لأنقرة باتجاه كابول، كونها تلعب دورا بارزا في الملف الأفغاني، حيث تستضيف الحوار الأميريكي مع حركة طالبان.

– الأمر الثاني يتعلق بطلب تركيا التدخل إلى جانب قواتٍ مِن كلّ مِن باكستان والمجر، وهو جزءٌ مما سُرّب عن اجتماع أردوغان وبايدن”.

وهنا أوضح مَلّي قائلا “نعرف جيداً أن باكستان هي الدولة الأكثر تأثيراً في أفغانستان وتحديداً على (طالبان)، من هنا يأتي طلب أو اشتراط أن تكون تركيا مع قوات باكستانية، فيما القوات المجرية يبقى دورها ثانوياً بصفتها دولة من حلف شمال الأطلسي وإحدى دول أوروبا الشرقية سابقاً”.

وعن الأهمية الاستراتيجية لفرصة دخول تركيا على الخط الأفغاني، قال مَلّي “بالنسبة لحكومة الرئيس أردوغان، يأتي التدخل في أفغانستان في سياق تفعيل الدور التركي بمختلف الساحات، في سوريا والعراق وليبيا ومساعدة أذربيجان في موضوع إقليم قراباغ.. وكل هذا يعطي زخما ويفيد الرئيس التركي في السياسة الخارجية وعلى صعيد الوضع الداخلي”.

وأشار مَلّي إلى أنه “يجب أن لا نقرأ (طالبان) في 2021 كما نقرأ (طالبان) في 2001، لجهة تجربتهم وخوضهم الصراع والقنوات التي فتحوها حتى الآن، فهناك كلامٌ حول قنوات فتحوها مع إيران وحتى مع روسيا”، موضحا أنه “صحيح أن جمهور حركة طالبان شارك في قتال الروس (الاتحاد السوفياتي سابقاً)، إلا أن (طالبان) كحركة لم تحارب الروس، فقد خرج هؤلاء من أفغانستان قبل نشأة طالبان في 1994 واستيلائها على كابل في 1996”.

وختم مَلّي بحديثه عن الرؤيا التركية المستحدَثة في العلاقات الدولية “التي تدعو إلى فصل الملفات بعضها عن بعض، وعدم اتخاذ العداوات المطلقة أو التحالفات المطلقة، بل التعامل مع ما يتم التوافق عليه بأسلوب معين، والتعامل مع ما يثير الخلافات بأسلوب آخر”.

ورأى أن “هذا الأمر يخدم النظرية التكاملية بين شعوب المنطقة (عرب، فرس، كرد، ترك)، التي تقول إنه لا بد من إرساء التوافق والتفاهم بين هذه الشعوب لتحقيق الاستقرار والازدهار، وإلا فلن يرتاح هذا الإقليم من الحروب والصراعات”.

اقرأ أيضا.. أردوغان: قواتنا في أفغانستان لم تكن قتالية

اقرأ أيضا.. أفغانستان: تواجد تركيا في كابل هو لدعم السلام والاستقرار

زر الذهاب إلى الأعلى