
ظلت المؤسسة العسكرية التركية الأكثر تأثيرا على الحياة السياسية في البلاد منذ إعلان الجمهورية في عشرينيات القرن الماضي، حيث نفذت في سبيل هيمنتها على الدولة والمجتمع أربعة انقلابات لتغيير الحكم في أعوام 1960 و1971 و1980 و1997.
ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تشرين الثاني/نوفمبر 2002؛ تقلص دور الجيش بحزمة إصلاحات قانونية حتى أصبح في السنوات الأخيرة ميالا إلى التزام ثكناته، رغم محاولات انقلابية عديدة خططت لها دوائر قريبة منه وأعلنت الحكومة اكتشافها وإحباطها قبل نجاحها.
تفكيك قبضة الجيش الحديدية على الدولة
استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحد من الدور السياسي للعسكر من خلال تعديلات قانونية عدة، خاصة تلك التي أجراها على مجلس الأمن الوطني وشكلت “طفرة عكسية” أعطت الغلبة للمدنيين على العسكريين في السلطة، وأطلقت حقبة جديدة في تاريخ تركيا السياسي.
جاء ذلك تزامنا مع انفتاح تركيا نحو العالم بقيادة رئيس الحكومة التركية آنذاك ورئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان، وسعيها للوفاء بمعايير كوبنهاجن من أجل الموافقة على بدء المفاوضات معها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وأردوغان كان يعلم أنه بهذا الشكل بات مدعومًا دعمًا قويًّا؛ إذ إن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي “مطلب قومي أتاتوركي” في الأساس ثم هو مطلب النُخب العلمانية بمختلف أطيافها، وأخيرًا هو أيضًا مطلب شعبي من أجل حياة اقتصادية أكثر رفاهية.
وعلى الجانب الآخر فإن المؤسسة العسكرية كانت تدرك تمامًا أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يُعَد سحبًا لكافة سلطاتها السياسية ولقوتها الاقتصادية الخاصة، ويعني أيضًا إعادة تنظيم وضعيتها الدستورية وفق المعايير الأوروبية.
غير أنه لم يكن باستطاعتها البوح بذلك، والجهر بمعارضتها لمطلب قومي أتاتوركي، وبالتالي فهي لن تقف حائلاً أمام الإصلاحات التي سيقوم بها حزب العدالة والتنمية وفق متطلبات برنامج الإصلاح الأوروبي.
ومن ثم أخذ أردوغان خطوات جادة واضحة محددة نحو إعادة هيكلة مؤسسات تركيا وتشريعاتها الدستورية والقانونية للتواؤم مع معايير كوبنهاجن نحو ترسيخ قيم الديمقراطية وتعزيز دولة القانون.
وعليه قام رجال القانون الأتراك بصياغة عدد من القوانين الجديدة التي يتم بمقتضاها إجراء تعديلات دستورية أو قانونية، وقد أُطلق عليها “حزم قانونية للتواؤم مع الاتحاد الأوروبي”، بلغ مجموعها سبع حزم قانونية.
دستور ديموقراطي
كان الاتحاد الأوروبي يتابع عن كثب الأوضاع السياسية والاجتماعية والقانونية في تركيا، وما أن شرعت تركيا في اتخاذ خطوات جادة للوفاء بمعايير كوبنهاجن شرع الاتحاد الأوروبي أيضًا في إعداد “تقارير متابعة” لأداء تركيا.
وتركزت مضامين هذه الوثائق والتقارير حول أوجه القصور في العملية الديمقراطية التركية، ولاسيما “نفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا”.
وكانت تقارير الأداء التي أعدها الاتحاد الأوروبي منذ عام 1998 حتى عام 2001 قد ركزت على توجيه النقد للدور البالغ الذي يلعبه الجيش في الحياة السياسية من خلال مجلس الأمن الوطني.
أما المذكرة الأوروبية لعام 2002 فقد طالبت بوجوب إعادة تنظيم “مجلس الأمن الوطني” دستوريًّا وفق المعايير الأوروبية وتحويله إلى مؤسسة استشارية في خدمة الحكومة، كما وعدت بأن تبدأ مفاوضات بانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي فور انتهاء تركيا من إنجاز طلبات الاتحاد الأوروبي.
وعليه فقد جرت تعديلات دستورية في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2001 شملت (37) مادة دستورية كان من ضمنها المادة (118) الخاصة بمجلس الأمن الوطني؛ فوسعت التعديلات من عدد أعضاء مجلس الأمن الوطني؛ حيث تم إدراج عضوية وزير العدل ونائبي رئيس الوزراء، وهي إضافة رجحت كفة المقاعد المدنية داخل المجلس من الناحية العددية.
شكلت تلك التعديلات التي جرت على مجلس الأمن الوطني “طفرة عكسية” في العلاقة بين العسكريين والمدنيين؛ إذ إن مجلس الأمن الوطني منذ أن تشكل في دستور 1960 كانت السمة الغالبة على التعديلات التي جرت عليه في دستور 1960 وتعديلات 1971، ودستور 1982 هي تعزيز النفوذ العسكري داخل المجلس من حيث بنية المجلس الداخلية، وطبيعة قراراته.
ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قامت حكومة أردوغان في بدايات عام 2003 باستصدار حزم قانونية جديدة بهدف إعادة هيكلة المؤسسات، واستصدار تشريعات متوافقة مع معايير كوبنهاجن.
غير أن الحزمة القانونية السابعة التي صادق عليها البرلمان التركي في 30 تموز/يوليو 2003، كانت نقطة التحول الأقوى في العلاقة بين العسكريين والمدنيين داخل مجلس الأمن الوطني وأمانته العامة؛ حيث استهدفت الحد من دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية من خلال تقليص وضعيته الدستورية والقانونية.
ولقد تناولت التعديلات الخاصة بمجلس الأمن الوطني وأمانته العامة محورين يفضي كلاهما إلى تقليص وضعية المؤسسة العسكرية داخل الحياة السياسية التركية؛ وهما إلغاء هيمنة المؤسسة العسكرية على بنية مجلس الأمن الوطني، وتقليص سلطات المجلس التنفيذية.
العسكر خلف القطبان
كانت التعديلات الدستوريـة التي وافق عليها الشعب التركي في استفتاء 12 أيلول/سـبتمبر 2010 بمثابـة نهاية لنظام الوصاية العسكرية في تركيا؛ حيث شلّت قدرته على التدخل في الحياة السياسية، وجرّدته من الحصانة القضائية؛ فأصبح بالإمكان محاكمة العسكريين الذين لا يزالون في الخدمة أمام محاكم مدنية، كما فتحت الطريق أمام مقاضاة قادة الانقلاب العسكري الذي جرى عام 1980 على ما اقترفوه من “جرائم بحق الوطن والمواطنين”.
كذلك فإن قرارات المحكمة التي صدرت في أيلول/سبتمبر 2012 ضد 365 جنرالاً وضابطًا في قضية “المطرقة” بالسجن مددًا تتراوح بين 16-20 عامًا، تمثل نقطة تحول كبرى في طبيعة العلاقة بين العسكريين والحياة السياسية، ورادعًا لأية محاولة عسكرية لقلب نظام الحكم المدني المنتخب.
وشكلت هذه الأحكام تأثيرا قويا على مسار الدعاوى القضائية الأخرى مثل “أرغنكون” و”القفص”، وهي قضايا استهدفت التخطيط لانقلاب عسكري على السلطة المدنية، والإخلال بالنظام العام، والتحريض على إثارة الشغب والفتنة العرقية والطائفية داخل المجتمع التركي، وكذلك التخطيط لإلصاق هذه العمليات الإرهابية بـ”حزب العدالة والتنمية”.
دستور بلا عسكر
ربما لم يتفق المجتمع التركي الحديث على مدار عصر الجمهورية التركية على مطلب أكثر من اتفاقه على مطلب “ابتعاد الجيـش عن ممارسة أي دور سياسي”.
ومن ثم تولدت لدى معظم قطاعات المجتمع التركي خلال الأعوام السابقة قناعة مشتركة بأن تركيا لا يمكنها مواصلة مسيرتها التنموية بدستور 1982 المعمول به حاليًا، وأنها بحاجة ملحة إلى صوغ دستور جديد تتوافق عليه كافة أطياف المجتمع السياسية والفكرية.
ولعل المرحلة التاريخية التي تمر بها الجمهورية التركية حاليًا تمثل منعطفًا وعلامة فارقة في تاريخها؛ إذ إنه، وللمرة الأولى، منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923 تتفق الإرادتان السياسية والمجتمعية على وجوب سنّ دستور جديد للبلاد بإرادة مدنية حرة بعيدة عن وصاية حكم العسكر، وهو ما يدعو إليه أردوغان منذ بداية العام الجاري 2021.
فدساتير الجمهورية التركية: دستور 1924، و1961، و1982، كلها دساتير صيغت تحت “وصاية عسكرية” في أعقاب انقلابات عسكرية؛ ومن ثم كانت هذه الدساتير على مدار تاريخ الجمهورية تعزز من نفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية والاجتماعية.
وكان دستور 1982 المعمول به حاليًا بعد أن أجريت عليه الكثير من التعديلات هو أكثر هذه الدساتير عسكرة للمجتمع، وإخضاعًا له ولكافة مؤسسات الدولة تحت الرقابة العسكرية ووصايتها، لذلك كان تغييره ضرورة لا بد منها وفق أردوغان.
المحاولة الانقلابية الفاشلة 15 تموز 2016
في 15 تموز/يوليو 2016، شهدت تركيا محاولة انقلابية فاشلة، نفذها تنظيم “غولن” الإرهابي، بالتعاون مع عناصر يتبعون له كانوا قد تغلغلوا في صفوف الجيش التركي، ووصلوا إلى مناصب حساسة في بنيته.
وقوبلت المحاولة الانقلابية باحتجاجات شعبية عارمة في معظم الولايات، إذ توجه المواطنون بحشود غفيرة نحو مقرّي البرلمان ورئاسة الأركان بالعاصمة، ومطار “أتاتورك” الدولي في إسطنبول، ومديريات الأمن بعدد من الولايات.
وأجبر الموقف الشعبي آليات عسكرية تتبع للانقلابيين كانت تنتشر حول تلك المقرات على الانسحاب، ما ساهم بشكل كبير في إفشال المخطط الانقلابي الذي أوقع نحو 251 شهيدًا وإصابة ألفين و196 آخرين.
شكلت هذه المحاولة الفاشلة، محطة مفصلية في تاريخ تركيا الحديث، حيث أجرى أردوغان تغييرات جذرية في السنوات التي تلتها، تمثلت في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية التركية من جديد، وإلحاق تشكيلات أمنية جديدة تتبع للرئاسة التركية بشكل مباشر.
كما أن أردوغان نجح مدعوما بتيار شعبي واسع يؤمن أن الانقلابات لها عواقب وخيمة على تركيا، وليس غايتها سوى إزهاق أرواح الأبرياء، بالتخلص من كبار مسؤولي وضباط الجيش الذين ساهموا بالمحاولة الانقلابية وزجهم بالسجن بعد محاكمتهم من قبل القضاء التركي.
ختاما، شكلت هذه الأحداث في تاريخ علاقة الجيش بالحكومة التركية، وعيا شعبيا لدى الأتراك يؤكد أن زمن الانقلابات العسكرية في تركيا قد ولى إلى غير رجعة، وكذلك إيمانا بضرورة سن دستور مدني جديد، بعيدا عن صياغة العسكر، من أجل حماية الديموقراطية التركية ومكتسباتها من الخطر.







