
ضجّة كبيرة أثارها قرار المحكمة الإدارية العليا في تركيا قبل عام، حيث قضى القرار الذي صادق عليه لاحقا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإبطال تحويل مسجد آيا صوفيا في إسطنبول إلى متحف.
كما قضى القرار بإعادته مسجداً مث ما كان عليه الحال منذ فتح القسطنطينية بقيادة السلطان محمد الفاتح عام 1453م.
كانت آيا صوفيا أكبر كنيسة في العهد البيزنطي، أمر ببنائها الإمبراطور قسطنطين عام 360م، لكنها تهدّمت أكثر من مرة، وعاد وأمر بتوسعتِها وترميمها الإمبراطور جستنيانوس عام لتكون دلالةً على قوة الدولة وتقدّمها المعاري منقطع النظير في ذاك الوقت.
ولأنها في الأصل كانت كنيسة، هدّد كثيرون بمقاطعتها إثر إعادتها مسجداً عام 2020، داعين إلى ذلك بهدف ليِّ ذراع السلطات التركية وإجبارها على العودة عن قرارها.
وفي ظلّ انتشار فيروس “كورونا” الذي جمّد العالم والحياة الطبيعية لسنةٍ ونص السنة تقريباً، بدا من الصعب معرفة ما إذا كانت التهديدات بمقاطعة مسجد آيا صوفيا ستنفّذ.
أشهرٌ قليلة بعدها وتجلّى الواقع.. الإقبال على مسجد آيا صوفيا لم يتراجع رغم المخاوف المستمرة عالمياً من انتشار “كورونا” وما يتحوّر عنه من فيروسات بين الحين والآخر.
وفي هذا الإطار كشف نائب مفتي إسطنبول محمد مصطفى ياووز، الأسبوع الماضي، أن مسجد آيا صوفيا استقبل أكثر من 3 ملايين زائر في السنة الأولى من إعادة افتتاحه، أي منذ 24 تموز/يوليو 2020.
وأكدّ ياووز أن المسجد يحظى بإقبال كبير من المواطنين والأجانب، متوقعاً أن “يزداد هذا العدد بشكل أكبر بعد انتهاء الظروف السلبية لوباء كورونا”.
رقمٌ، إن دلّ على شيء، فهو أن:
– مكانة هذا الصرح هي فوق كل اعتبار وردّات فعل وجدانية وعاطفية.
– محافظة السلطات التركية ومِن قبلها السلطات العثمانية على خصوصية الصرح والثقافات التي مرّت عليه، جعلت فكرة عودته مسجداً غير مؤذية لأنها لم تعتدي على إرثه الحضاري ولم يترتب عليها منع دخول غير المسلمين إليه.
وفي هذا الصدد علق الصحافي اللبناني والباحث في الشؤون الدينية قاسم قصير بالقول “حالياً لم يعد هناك نقاشٌ حول ما جرى وتمّ تجاوز الأمر”.
ورأى قصير في حديث مع “وكالة أنباء تركيا” أن “إعادة آيا صوفيا مسجدا مرة أخرى هو قرار تركي داخلي طالما أنه يتمّ إفساح المجال لأتباع كلّ الأديان بالدخول إليه والحفاظ على الجانب التاريخيّ فيه”.
وأضاف قصير “لم ينعكس ذلك سلبًا على العلاقات مع أتباع الأديان الأخرى، والأهمّ اليوم أن تبقى تركيا عامّة وإسطنبول خاصةً مفتوحةٌ لكل الناس من الأديان والمذاهب كافة ومن جميع أنحاء العالم، كي تكون مدينةً عالميةً حضارية تحتضن كلّ أشكال التنوع”.
في السياق، يمكن الإضاءة على بعض الإيجابيات التي ترجع بالفائدة على كلّ زواره، فعودة آيا صوفيا مكاناً للعبادة ترتّب عليها إلغاءٌ تلقائيٌّ لرسوم دخوله التي كانت مفروضة على الزوار عندما كان متحفاً.
أمرٌ ثانٍ زاد قدسية واحترام المكان ألا وهو عدم السماح للزوار بدخوله بملابس فاضحة، بل تم فرض الاحتشام التام على الزوار كما يليق بمكان عبادة.
وحول هذه النقطة أشار إليها بحُرقة القَس اليوناني أڤنغيلوس بابانيكولاي عندما أعرب عن راحته أن “الكنيسة لن يدخلها بعد اليوم سيّاح يستهترون بقدسية المكان، وذلك بفضل عودته مسجداً له احترامه الواجب”.
من جهةٍ أخرى النقوش والأيقونات التي تَحويها جدران وسقف المسجد ما زالت على حالها، فقط تقرّر إخفاؤها أثناء الصلوات في الطابق الأرضي، فيما بقيت نقوش الطابق الثاني على حالها حفاظاً على خصوصية المكان، وهذا الأمر يدحض أيّ سبب للاعتراض من جانب منظمة اليونيسكو واتهام تركيا بتغيير هويّة المكان
هذه الاتهامات تجددت في قرار اتخذته لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة الـ”يونيسكو” في جلستها الموسعة الـ 44، بشأن الأماكن التاريخية في مدينة إسطنبول.
القرار أمهل تركيا حتى الأول من شباط/فبراير 2022 لتقديم تقرير حول إجراءات حماية مسجدي آيا صوفيا وكاريا، والتعديلات التي طرأت عليهما، حسب زعمه.
الأمر الذي دفع وزارة الخارجية التركية إلى الرد على ادّعاءات الـ”يونيسكو”، واصفة إياها أنها “اتهامٌ متحيّز ومسيّس”.
الرد جاء خطيّاً من جانب المتحدث باسم وزارة الخارجية تانجو بيلغيتش، والذي أكد فيه أن ما ورد في بيان الـ”يونيسكو” بشأن مسجدَي آيا صوفيا الكبير وكاريا في إسطنبول “يتناقض مع تقارير البعثة الاستشارية التابعة لليونسكو التي زارت تركيا”.
وقال بيلغيتش إن “مسجدي آيا صوفيا وكاريا ملك للجمهورية التركية، وتتمّ حمايتهما بمنتهى الحرص في إطار القيم التاريخية والثقافية والدينية”.
وأضاف أن “إعادة تحويل الصرحين المذكورين من متحف إلى مسجد العام الماضي جاء بقرار قضائي”، وشدد على أن “تحديد طبيعة استخدامهما أمر يتعلق بالحقوق السيادية لتركيا”، وأن “أعمال الترميم والإجراءات الأخرى المتواصلة في المسجدين، لا تشكل أي تأثير سلبيّ من حيث معايير اليونسكو”.







