ثقافة وفنحدث في مثل هذا اليوممميز

في ذكرى ولادته.. جلال الدين الرومي “سلطان العارفين” وزعيم المولوية

الذكرى السنوية الـ 814 لولادة جلال الدين الرومي، في 30 أيلول/سبتمبر 1207م

توافق اليوم الخميس، الذكرى السنوية الـ 814 لولادة جلال الدين الرومي، في 30 أيلول/سبتمبر 1207م.

جلال الدين الرومي شاعر وعالم صوفي فارسي الأصل تركي الموطن؛ يعتبر من أبرز أعلام التصوف الفلسفي في التاريخ الإسلامي وأكثرهم تأثيرا على مر العصور، ويوصف بأنه ذو رؤية تمثل رسالة عالمية تخاطب كافة حضارات العالم باعتبارها مصدر إلهام لكل الناس.

المولد والنشأة
وُلد محمد بن محمد بن حسين الخطيبي البلخي (المعروف بجلال الدين الرومي) يوم 6 ربيع الأول سنة 604هـ الموافق 30 أيلول/سبتمبر 1207م في مدينة بلخ التي تقع اليوم في أفغانستان لأسرة علمية تربطها مصاهرة بالأسرة الحاكمة في الدولة الخوارزمية؛ فقد كان والده أحد علماء المذهب الفقهي الحنفي، وقد لُقب لمكانته العلمية وجراءته في قول الحق والإنكار على الأمراء الظلمة بـ”سلطان العلماء”.

الدراسة والتكوين
درس جلال الدين الرومي العلوم الشرعية على والده أولا، ثم على تلميذٍ لوالده يُدعى برهان الدين المحقق الترمذي. وبعد سفره إلى الشام لطلب العلم سنة 630هـ تتلمذ على عدد من الشيوخ الذين أخـذ عنهم بعض العلوم الشرعية والعقلية ومبادئ علم التصوف.

ففي حلب التقى الشيخ كمال الدين بن العديم، وفي دمشق أخذ عن الشيخ سعد الدين الحموي والشيخ عثمان الرومي، وعن الفيلسوف الصوفي الشيخ محيي الدين بن عربي وتلميذه الشيخ صدر الدين القونوي.

التجربة الصوفية

سعى جلال الدين الرومي، إلى الانتقال بالتصوف إلى مستوى اللغة والفكر، حيث الحقيقة لا يصل إليها الإنسان في عالم اليقظة من خلال الإيمان باللايقين ونسبية العقل، لذلك من الأجدى له البحث عنها في العالم الآخر في قراءة عرفانية للعالم.

قدّم “مولانا” رؤيته في مرحلة شهدت غزو المغول للعالم الإسلامي، ما تسبّب في هجرة عائلته من مسقط رأسه؛ مدينة بلخ التي تقع داخل حدود أفغانستان اليوم، متجهاً إلى نيسابور ثم بغداد، ومنها إلى مكّة المكرم لأداء الحج، ليقصد بعدها بلاد الشام، ثم قونية التي كانت إحدى حواضر الدولة السلجوقية التركية.

تنقّل الرومي بين هذه البلدان بوصفه فقيهاً أشعرياً إذ خلف والده بهاء ولد (رحل عام 1231) في مجلس علمه، وكان واعظًا يفتي في شؤون الدين، وله من التلاميذ والمريدين الكثير، ولم يكن بعد قد أصبح شاعراً ولم يؤسس بعد طريقته الخاصة في التصوف وهي “المولوية”، إلى أن التقى شمس الدين التبريزي.

في كتابه “بحثاً عن الشمس: من قونية إلى دمشق”، يقول الباحث الإيراني عطاء الدين تدين: “كانت الساعات الأولى ليومِ سبت مشمس، في السادس والعشرين من جمادى الثاني عام 642 هـ، كان شخصان قلقان يمران بسوق قونية. موجتان عظيمتان، بحران زاخران، وعالمان عجيبان يمضي أحدهما نحو الآخر”.

يضيف عطاء الدين أنه وفي سوق قونية وقف شمس التبريزي الزاهد المتشرد ذو التركيب العجيب من العشق والصفاء، وقد ضرب بيده على بغل مولانا جلال الدين، في لحظة يقول عنها: “كأنما توقفت الأرض فيها عن الدوران”.

هكذا التقى الرجلان أوّل مرة، لتتنشأ بينهما علاقة معقدة وملغزة بين شيخ ومريد لا تزال الأسرار تحيطها، بل إن الفرضيات حولها تتعدّد، فالغموض يكتنف كلّ المعلومات المتواترة عن لقائهما، إذ تشير بعض الروايات إلى أن علاقتهما امتدّت لأربعين يوماً أو ستين يوماً، وآخرون قالوا لعام أو اثنين، وكذلك اختُلف حول اختفاء التبريزي.

ويُعتقد أن تلامذة الرومي هم الذين أبعدوه، أو حتى قتلوه، وبعضهم ألمح إلى أن ابن الرومي نفسه هو من قتله، وتلفت إحدى االفرضيات الراجحة أيضاً إلى أن التبريزي لم يشاهده أحد من معاصري الرومي لا حين أتى ولا حين رحل أو قُتل كما يقال.

بغض النظر عن وجوده  أو تخيّله، فإن لقاء الشيخين شكّل نقطة تحوّل كبرى دفعت بالرومي إلى اعتزال الفقه، لينشئ بعدها الطريقة الصوفية المولوية، ويقضي ليالي في السماع والدوران، وانصرف كلياً إلى الحياة الروحانية، وكتابة الشعر بالفارسية وهو في الأربعين من عمره رغم أنه لم يقرضه من قبل، وسيعبّر من خلال أشعاره عن الوجود الظاهر الذي يتراءى علامات وأشكالاً وظلالاً واستعارات ومظاهر لمعنى واحد هو الله.

تأخّر وصول آثار جلال الدين الرومي إلى الثقافة العربية المعاصرة، رغم ذكره في كتب التراجم في التراث الإسلامية، لكن منذ عام 1920 سيبدأ الاهتمام به على نطاق واسع، بعد أن أمضى المستشرق البريطاني رينولد نيكلسون قرابة خمسة وعشرين عاماً في التنقيب في أعماله التي أصدرها في أكثر من كتاب، حيث قام بعدها عبد الوهاب عزام بترجمة مختارات للرومي، وتتالت بعدها الترجمات والشروحات والمؤلّفات.

المؤلفات
ترك الرومي عدة مؤلفات ما بين منظوم ومنثور تناول فيها العديد من المسائل الصوفية والفلسفية والأدبية؛ فمن منظوماته: “ديوان شمس الدين التبريزي” الذي يحتوي ألف بيت سجل فيها ذكرياته مع أستاذه الأثير لديه التبريزي، و”الرباعيات” التي يبلغ عددها 1959 رباعية، وديوان “المثنوي” (يُعرف بـ”مثنوي مولوي”) الذي يتضمن زهاء 26 ألف بيت شعر فارسي، وتظهر فيه شخصيته الفكرية المتصوفة.

استغرق تأليف “المثنوي” سبع سنوات، ويوصف بأنه من ذخائر التراث الأدبي العالمي، وقد وُضعت عليه شروح كثيرة بالفارسية والتركية والعربية، كما تُرجم كليا أو جزئيا إلى عدد من اللغات الأوروبية.

ومن مؤلفاته المنثورة: كتاب “فيه ما فيه” المتضمن دروسا ألقاها في مجالسه العلمية وإجابات عن أسئلة وجهت إليه في مناسبات مختلفة، و”مكاتيب” أي رسائله إلى معارفه ومريديه، و”مجالس سبعة” وهو مجموعة مواعظ.

الوفاة
توفي جلال الدين الرومي في قونية يوم 5 جمادى الأخيرة سنة 672هـ الموافق 17 ديسمبر/كانون الأول 1273، متأثرا بحمى أصابته.

زر الذهاب إلى الأعلى