مدونات TRمميز

العمل الإنساني.. بين الاستغلال والإحسان

الحديث عن المؤسسات الإنسانية والعمل الإنساني ذو شجون، وله أبعاد وآفاق كثيرة في ظل عالم متعدد الأبعاد والرؤى.

إنني كرئيس لمؤسسة إنسانية عملت في ليبيا خلال فترة حرجة من فترات تاريخها الحديث، عايشت وقاربت واقع العمل الإنساني، رأيت الفراغ الكبير الذي يملؤه تباهي بعض المؤسسات الدولية والمحلية إذا قصرت يد المحسنين واتسع الفتق على الراقع، رأيت تلك المنظمات التي ترعاها دول تدعم الشغب وتذكي نار الحروب، رأيتها وهي ترسل الكم القليل من المساعدات مباهاة وإمعانا في المكر.

إن الحرب التي حدثت على العاصمة قبل عامين في ليبيا كانت مختبرا لقيم العدل والإنسانية التي تدعيها كثير من الواجهات والمنظمات الإغاثية، إذ كانت آلاف العائلات تحت نير الحرب والتهجير من مساكنها ولا مغيث من دعاة قيم التسامح والإغاثة، حتى أن الأمم المتحدة، المنظمة الدولية الكبرى التي تتصدى للمطالبة بحقوق الأقليات حينا، وبالتعايش السلمي حينا آخر، وقفت عاجزة بلا حراك، متفرجة على عدد من الدول الأعضاء بها تعبث بأمن وسلامة الليبيين ومستقبلهم.

إن الإيمان بشعارات الإنسانية والتسامح والتعايش السلمي، لم يغن عنا أن ترسل لنا كثير من الدول منظماتها نهارا لتجمع البيانات عن احتياجات المساكين، ثم ترسل ذات الدول طائرات ظلمها ليلا تذيق المساكين الويل.

لكن حتى لا نبخس الحقوق، ففي هذه المحنة منحة أن عرفنا الصديق من العدو، والمستثمر في صداقتنا من المستغل لحاجتنا، فكما أن دولا ومنظمات خذلتنا في تلك المحنة، رأينا دولا ومنظمات صديقة تعمل على إغاثة المساكين وتتحمل معنا ضربات الأعداء واستغلال الخبثاء.

كان العمل الإغاثي في غمرة حرب العاصمة شاقا إلا من مساعدات الأشقاء، فكان الدور القطري مذكورا بخير وأساسا لتسيير قوافل المساعدات الإنسانية، على عكس بعض الدول العربية التي كانت ترسل مساعدات مع انبهار النهار وتقصف مواقعها في بهيم الليل، أما الحضور التركي فشأن آخر.

كان الحضور التركي على صعده المختلفة أساسا لحفظ التوازن في ليبيا وحماية النسيج الاجتماعي في العاصمة وما حولها من عمليات التهجير والتنكيل، وقد عملت المنظمات الإغاثية التركية جنبا إلى جنب معنا لإعانة المحتاجين، فلا استبيانات تملأ، ولا صورا يتاجر بها، إنما هو الإحسان والعمل الأهلي.

وحتى لا يفهم من هذا الكلام أنه واقع مجتزأ، فإنه لا يخفى أن الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم أجمع وخاصة دول العالم الثالث نماذج متكررة لمثل هذا الاستغلال الشنيع لشعارات الإغاثة واحتياجات الإنسانية.

والأزمات التي شهدتها وما زالت تعاني منها سوريا واليمن، مثال صارخ على دور المنظمات الإنسانية التي تقتات على مآسي البشر ومعاناتهم، ففي الكم الكبير من التقارير والمتابعات للشأن الإنساني في هذه الدول فضائح وفظائع، فقد ذكرت عدد من هذه التقارير أن مخيمات النزوح واللجوء في سوريا أصبحت مختبرات للصناعات الطبية والمنتجات الاستهلاكية، أي أنها تحولت في ظل طغيان الاستغلال إلى مختبرات بشرية كبيرة لتجارب الشركات والواجهات المتسترة بستار الإنسانية التي تدعمها، كما أن تجارة الأعضاء في العالم ازدهرت مع كل موجة نزوح تحدث بهذا البلد المنكوب، وكان مؤدى ذلك تفشي عديد الأمراض الخطيرة بين المستضعفين الذين لا حول لهم ولا قوة أمام آلات الاستبداد من طرف والاستغلال من طرف آخر.

مثل هذا حدث في اليمن الذي يئن كثير من أبنائه تحت وطأة الجوع والخوف وكثرة الآفات والأمراض، كان دور كثير من المنظمات العربية والدولية في التجارة والمساومة بالأزمات الإنسانية لهذا البلد وشعبه باديا في ذلك، حتى أنهم عجزوا عن إدخال الأدوية والأغذية الأساسية التي يحتاجها كثير من المواطنين، هذا عدا انتشار مرض الكوليرا لأسباب عدة أكثرها غرابة وإثارة للشكوك، هو ورود أنباء عن توزيع مواد غذائية أساسية غير صالحة للاستهلاك البشري ومن ضمنها المياه غير النقية.

أرقام فلكية وميزانيات ضخمة تصرف للمنظمات الإنسانية حول العالم ولا نشاهد إلا مزيدا من الأزمات والكوارث الإنسانية، قصور في العمل وهدر للموارد، وغياب للهدف المنشود وهو إغاثة الإنسان.

وكل هذا لا يعني خلو الساحة الدولية من ذوي الأيدي البيضاء الذين ينفقون في سبيل الإنسانية، وإعزازا لقيمة الرحمة، كما أن كل هذا السرد يجب أن لا يعطي ردة فعل سلبية، فالمطلوب في عالم يطغى فيه الاستغلال هو ردة فعل أكثر إيجابية، تنشر الرحمة وتنصر المستضعفين، ردة فعل تتمثل في تعزيز العمل المؤسسي من العاملين في الميدان، والبذل والعطاء من المانحين وأصحاب السعة.

وختاما فإنه إن يكن شرف للإنسانية فسيكون لأولئك، الذين يوقفون الحروب، يبذلون الإحسان، يسابقون في الخيرات.

خالد لعظيم

رئيس مؤسسة “قلم الشباب” في ليبيا
زر الذهاب إلى الأعلى