تقاريرمميز

الحاجة الأمريكية لقطر في أفغانستان.. دلالات ونتائج (تقرير)

الدبلوماسية القطرية الدولية تترجم من خلال توقيع عدة اتفاقيات مع الولايات المتحدة تقضي باعتماد واشنطن على الدوحة لرعاية المصالح الأمريكية في أفغانستان

فصلٌ جديدٌ من النجاح تسّطره قطر، في مجال الدبلوماسية الدولية، فبعد أن أتقنت لعب دور محوري في الملف الأفغاني، ها هي اليوم تواصل قطف ثمار عقد من الجهود المضنية في إطار التوصّل إلى أفضل المخرجات، مع مراعاة مصالح الأطراف المعنية كافة.

قطر “القوة الحامية” للمصالح الأمريكية في أفغانستان

في جديد إثبات قوتها على الساحة الدولية، تكللت الجهود القطرية مرة جديدة بتوقيع جملة اتفاقيات مع الولايات المتحدة، تعكس تصوّر الدوحة وواشنطن حول أوجه التعاون الأفضل بينهما في إطار المستجدات الأفغانية، وتقضي أبرزها أن “تكون قطر القوة الحامية للمصالح الأمريكية في أفغانستان”.

الإعلان عن محتوى الاتفاقيات جاء في مؤتمرٍ صحفي لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، ونظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في ختام الحوار الاستراتيجيّ بين قطر وأمريكا في العاصمة الأمريكية واشنطن، في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

بلينكن كشف أن “المستجدات في أفغانستان عززت علاقات أمريكا مع قطر”، مشيدا بـ”الجهود القطرية بالمساعدة على عمليات الإجلاء من أفغانستان”.

وزير الخارجية القطري الذي أكد أن “عزلة كابل لن تكون الحل”، دعا لـ”عدم التخلّي عن أفغانستان”، وهو الوزير العارف بشكل جيد أن دور قطر لم يعد خافياً على أيٍّ من الجهات المهتمّة بالملف الأفغاني، فالاتفاقيات مع الولايات المتحدة تأتي على أرضيةٍ تترجم حاجة واشنطن الماسّة للمساعدة القطرية في تسهيل ما يمكن أن تفرضه الظروف من تواصل رسمي بين واشنطن وحركة طالبان.

مصطلحات أمريكية حاسمة تبرز مكانة قطر

في تصريحاته استخدم بلينكن مصطلحات حاسمة، تعكس قوة الموقف القطريّ في أفغانستان انطلاقا من كون الدوحة وسيطا يحظى برضا وقبول الأطراف المعنية على اتساع دائرة الخلاف بينها.

من هذه المصطلحات قول بلينكن إن “الشراكة الأمريكية مع قطر حتمية فيما يتعلق بقضايا المنطقة”، ما يعني أن التعاون مع قطر لم يعد خيارا، بل ضرورة لتجاوز المرحلة حسب ما يؤكد مراقبون.

وذهب بلينكن لتوجيه الشكر لأمير قطر​ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على “العطاء”، في تعبيرٍ لم يعتد عليه المراقبون من قِبل  واشنطن تجاه أيٍّ من الدول العربية.

اتفاقيات التعاون الجديدة تأتي فيما يستعد البلدان للاحتفال بالذكرى الـ 30 للعلاقات الدبلوماسية بينهما، والتي أكد بلينكن أنها “لم تكن يوما أكثر عمقا مما هي عليه الآن”، في حين لفت وزير خارجية قطر إلى أن “عام 2022 سيكون عاما استثنائيا لإحياء محطات في العلاقات الأمريكية القطرية”.

وأكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أيضا أن “العلاقات القطرية الأمريكية أصبحت أكثر قربا بعدما تعاونت قطر مع واشنطن وشركاء دوليين لإجلاء الآلاف من كابل”.

هذا الأمر انعكس جليّا عندما تحولت الدوحة إلى مقصدٍ تتوجّه إليه البعثات الدبلوماسية والمفاوضون الدوليون، للتنسيق معها فيما يتعلّق بأفغانستان، منذ استعادت حركة طالبان زمام الحكم فيها اعتبارا من آب/أغسطس 2021، تزامناً مع انسحاب القوات الأمريكية من كابل.

وهنا يمكن العودة إلى ما قالته نائبة وزير الخارجية الأمريكي ويندي شيرمان مطلع تشرين الثاني/نوفمر الجاري، واصفةً دولة قطر أنها “شريكٌ محوريّ للولايات المتحدة الأمريكية”.

كما أشادت المسؤولة الأمريكية بـ”دور الدوحة في عودة العمل بمطار كابل بعد سيطرة (طالبان) على الحكم في أفغانستان”.

دلالات الحاجة الدولية لقطر في أفغانستان

لم تأتِ الاتفاقيات القطرية الأميريكية الجديدة من فراغ، بل كما يشدد مراقبون تمثّل النتيجة المنطقية للقوة القطرية الفاعلة في الملف الأفغانيّ، وحضورها المستمد من كونها على مسافة واحدة من الجميع، فهي الآن ترعى مصالح واشنطن في كابل، وتراعي إرادة وسيادة حركة طالبان في البلاد في الوقت نفسه.

ويقول مراقبون إن هذا الوضع يلقي الضوء على مكمن ضعفٍ في المجتمع الدوليّ وعدم إمكانية تولّي دول كانت تقدم نفسها على أنها “هي كل شيء”، زمام الأمور دائما، بل إن الظروف تفرض نفسها كما تجبرهم اليوم على اللجوء إلى الوساطة القطرية نتيجة عجزهم منفردين عن إدارة الملف الأفغاني من كل جوانبه وتبعات مستجداته.

من هذه الجوانب ما أعلنه بلينكن عن أن “قطر ستواصل مؤقتا استضافة نحو 8 آلاف أفغاني، كانوا قد تقدموا بطلبات للحصول على تأشيرات هجرة خاصة لهم ولأفراد أسرهم المؤهلين لذلك”.

خطوة الوساطة والتقريب بين الجانبين يقول مراقبون إنها قد تتطوّر في المستقبل لتصبح اللبِنة الأولى مستقبلاً، لإمكانية التواصل المباشر بين واشنطن وكابل، وبالتالي المساهمة بإحلال الاستقرار والسلام في أفغانستان.

إطار الحوار الاستراتيجي

هذه الجولة من الحوار الاستراتيجي السنوي بين قطر والولايات المتحدة هي الأولى بعد إجلاء واشنطن قواتها من أفغانستان، بمساعدة قطرية.

وقد انضمّ إلى بلينكن مسؤولون من مجلس الأمن القومي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع ووكالات أمريكية أخرى، بحسب وزارة الخارجية الأمريكية.

لكنها الجولة الرابعة من نوعها بشكلٍ عام منذ عام 2018، ويدور النقاش خلالها بين الجانبين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما فيها الاستقرار الإقليمي، والتعاون الدفاعي، والصحة العامة، ومكافحة الإرهاب، في ظلّ توسّع لدور تنظيم داعش الإرهابي- خرسان في المنطقة.

ولا تغيب عن اهتمامات الحوار الاستراتيجي مسألة مكافحة الاتّجار بالبشر، وحقوق الإنسان، وتغيّر المناخ، وكفاءة الطاقة واستقلاليتها، والمساعدات الإنسانية، والتعاون الاقتصادي، والتبادلات الثقافية والتعليمية.

زر الذهاب إلى الأعلى