الدولة العثمانيةحدث في مثل هذا اليوم

الحرب العثمانية-الروسية.. يوم قررت السلطنة استرداد أملاكها من قيصر روسيا

في مثل هذا اليوم، 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1710، أعلن العثمانيون الحرب على الروس والتي انتهت باستعادة أراضي وفق معاهدة بروت كانوا قد خسروها بموجب معاهدة فارلوجا.

بين العامين 1710 و1711، احتدمت الحرب بين الجيش العثماني والجيش الروسي، عندما أعلنت السلطنة عزمها على استرداد أراضٍ كانت قد خسرتها بموجب معاهدة فارلوجا.

يقول المؤرخون إن الإمبراطوريات العظيمة في التاريخ تمرّ بأربعة مراحل رئيسة من عمرها هي:

– مرحلة صعود مبهرة تنجز فيها أعمالا عظيمة في زمن قليل.

– مرحلة توقّف تدافعُ فيها عن إنجازاتها السابقة.

– مرحلة الضعف والاضمحلال.

– مرحلة التلاشي من الواقع والدخول في سجلات التاريخ.

وبناءً على هذه التقسيمات، يُعتبر عهد السلطان أحمد الثالث، من عصور التوقّف في تاريخ الدولة العثمانية.

السلطان أحمد الثالث

اعتلى السلطان أحمد الثالث عرش الإمبراطورية العثمانية عام 1703، وهو في الثلاثين من العمر، وعُرف عنه حبّه للسِلم والأدب والشعر والموسيقى وفنون الخط.

شهد عصره بداية التأثر بأوروبا في مجال بناء القصور والإسراف، وهو ما جعل الأغنياء يسعون إلى اقتباس العادات الأوروبية، في الأثاث والحدائق وبخاصة في منطقة البوسفور.

في مجال الآداب شجّع الشعراء وأكرمهم، كما نشطت حركة الترجمة عن اللغتين العربية والفارسية إضافةً إلى العديد من اللغات الغربية، وتأسّست أول مطبعة عثمانية في الآستانة بعد إقرار مفتي الدولة بإنشائها بشرط عدم طباعة القرآن الكريم فيها؛ خوفا من الخطأ في كتابته.

أطماع بطرس الأكبر

في ثمانينيات القرن السابع عشر، كانت السياسة الخارجية التي اتّبعها الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر، مبنيةً على مبدأ إضعاف جيرانه الأقوياء، وأبرزهم السويد وبولونيا وطبعاً السلطنة العثمانية.

في تلك الحقبة، تعرّض العثمانيون لخسائر في الأراضي بعد فشلهم في الحصار الثاني لفيينا وهزيمتهم أمام الأوروبيين عام 1683.

استغلّ بطرس الأكبر التراجع الذي وقعت فيه السلطنة فانتزع ميناء “آزوف” والمنطقة التي يقع ضمنها شمال شرق البحر الأسود، فانتهت هجماته إلى تحوّل البحر الأسود إلى بحيرة روسية طيلة قرن من الزمن.

هذا التحوّل شكّل تهديدًا للدولة العثمانية، التي كان قد اضطرّها الواقع الميداني عام 1699 لعقد “صلح فارلوجا”، الذي تنازلت بموجبه عن أوكرانيا لبولندا، وعن المجر وترنسلفانيا للنمسا، وعن المورة (اليونان) للبندقية.

وبذلك شكّل اتفاق فارلوجا ما اعتبر أول تفكيك لأوصال الإمبراطورية العثمانية، لأنه تضمّن اعترافًا قانونيًا بالتنازل عن بعض السلطنة في أوروبا.

باشر بطرس الأكبر الشروع في تحقيق أطماعه بشنّ حربٍ على السويد، فانتصر عليها في “موقعة بولتاوا” عام 1709، وفرّ ملك السويد “كارل الثاني عشر” إلى الأراضي العثمانية وعمل على استمالة العثمانيين لمواجهة الروس.

لكن ذلك لم يتحقق إلا بعد عزل الوزير “نعمان باشا كوبريلي” وتعيين “بلطجي محمد باشا” مكانه، فالأخير انطلق من اعتبار إقدام الروس على اجتياز الأراضي العثمانية أثناء مطاردة شارل الثاني عشر سبباً كافيا لإعلان الحرب، فيما كان السبب الأكثر واقعية هو أن الفرصة باتت مواتية لاسترداد الأراضي التي استولت عليها روسيا بموجب معاهدة فارلوجا.

العثمانيون يسترجعون أراضيهم من الروس

أعلن السلطان أحمد الحرب على الروس بقيادة بلطجي محمد باشا، فخرج الأخير من إسطنبول في نيسان/أبريل 1711 على رأس جيشٍ مكوّن من 140 ألف جنديّ.

حاصر الجيش العثماني القيصر وجيشه حصارا شديدًا في “فلكزن” على نهر بروت، لكن مناعة الخنادق الروسية حالت دون تمكن القوات العثمانية من اجتيازها.

وفي ظلّ اشتداد الحصار وعدم وصوله إلى خواتيم، دارت مراسلاتٌ بين الطرفين بهدف التفاوض، انتهت بتوقيع معاهدة پروت في ساروفيتش Treaty of the Pruth  في 21 تموز/يوليو 1711، التي ضمنت للقيصر الانسحاب بجيشه في مقابل تعهّده بإعادة الأراضي التي استولت عليها روسيا في معاهدة فارلوجا، إضافةً إلى تعهد القيصر بعدم التدخل بشؤون القوزاق.

اتضح سريعاً أن وعود القيصر كانت خدعة بهدف الهروب بجيشه من الحصار، فنصح ملك السويد السلطان بعزل بلطجي محمد باشا، ليتولّى المنصب بعده “يوسف باشا”، الذي وقّع مع الروس “معاهدة أدرنه” في 18 حزيران/يونيو 1713.

قضت المعاهدة الجديدة بانسحاب الروس من بولندا، واستعادة ميناء آزوف لكنف السلطنة، وعاد البحر الأسود تحت السيطرة العثمانية مدة 60 عامًا بعدها، فشل خلالها الروس بالهبوط إلى المياه الدافئة التي ما زالت إلى يومنا هذا تشكل حلماً عتيقاً للأجيال الروسية.

بعد الروس.. الحرب مع البندقية

بعد استرداد أملاكهم التي كان قد انتزعها الروس بموجب معاهدة فارلوجا، اتجه العثمانيون إلى استغلال الفرصة المؤاتية واستكمال ما بدأوه، فقرروا استرداد ما انتزعته البندقية والنمسا منهم أيضاً وفق المعاهدة نفسها.

في تلك الفترة تولى”علي باشا” منصب الصدر الأعظم في الدولة العثمانية، وهو المعروف بغيرته على مصالح الدولة، وحرصته على استرجاع أملاكها، وخاصةً في بلاد المورة.

استغلّ العثمانيون ضعف البندقية فأعلنوا الحرب عليها أولاً، في 8 كانون الأول/ديسمبر 1714، وكان قد مضى على معاهدة فارلوجا 15 عاماً.

قاد “علي باشا” جيشاً جرّاراً من إسطنبول، فيما رافق تقدّمه الأسطول العثمانيّ واستولوا على بعض الجزر التي تسيطر عليها البندقية.

وبحلول العام 1715 كانت البندقية قد خرجت من صفوف الدول الكبرى لدى فقدانها المورة (اليونان)، حيث استطاع علي باشا دخولها والسيطرة على جميع قراها ومدنها باستثناء جزيرة كورفو، فيما هرب أسطول البندقية من الأسطول العثماني.

بعدما وضعت الحرب أوزارها بين النمسا وفرنسا بموجب “معاهدة أوترك”، استنجد البنادقة بملك النمسا “شارل الثالث”، فسارع لنجدتهم نظراً لإدراكه أن بلاده ستكون التالية في مواجهة العثمانيين.

ظنّ “شارل الثالث” أن السلطنة ستتقهقر أمام تهديداته، فأرسل “بلاغًا” إلى السلطان العثماني يطلب منه إعادة ما أخذه من البنادقة أو ما أعطته لهم معاهدة فارلوجا، وإلا فسيكون امتناعه بمثابة إعلان الحرب، فما كان من الدولة العثمانية إلا أن واجهت هذا التهديد الصريح والوقح بإعلان الحرب عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى