أحيا الأتراك، اليوم الإثنين، 27 كانون الأول/ديسمبر، الذكرى السنوية الـ 85 لوفاة الشاعر محمد عاكف أرصوي، مؤلف النشيد الوطني التركي، الذي توفي في مثل هذا اليوم عام 1936، حافظا للقرآن الكريم.
وللمناسبة، أقيمت مراسم إحياء الذكرى أمام ضريحه في إسطنبول، بمشاركة والي إسطنبول علي يرلي كايا، وعدد من المسؤولين والأكاديميين والقوات الأمنية.
كان أرصوي قد كتب “نشيد الاستقلال” تخليدا لمعركة الأمّة التركية من أجل البقاء، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والتي توّجت بالتحرير عام 1921 إثر حرب الاستقلال التركية ضد الاحتلال الأجنبي.
2021.. عام محمد أرصوي
“ربّ لا تكتب على هذا الشعب كتابة نشيد وطني مرة ثانية”، قالها أرصوي للتعبير عن بالغ أمنيته أن يعرف بلده الاستقرار على مر الأعوام، فلم تكن أمنيته سوى ترجمةً لحبّه الخالص لهذا البلد.
في آذار/مارس 1921، أقرّ “المجلس الوطنيّ الكبير” قصيدة أرصوي لتصبح منذ ذلك الحين “نشيد الاستقلال”، لتُنشَد القصيدة في كل مكان بقصد رفع معنويات الأتراك في المعارك ضد المحتلين.
وفي آذار/مارس من العام الجاري 2021، احتفلت تركيا بالذكرى المئوية للنشيد الوطني، بتوجيهات من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أصدر تعميماً باعتماد عام 2021 “عام محمد عاكف ونشيد الاستقلال الوطني”.
أراد أردوغان من ذلك لفت الانتباه إلى مساهمة أرصوي في التاريخ التركي، كما أعلن توفير كل الدعم المطلوب لتنظيم فعاليات وأنشطة على مدى العام إحياءً للذكرى.
مسابقة لاختيار النشيد الوطني
كانت تركيا تمرّ بظروفٍ صعبة، إبّان حرب الاستقلال والحرب العالمية الأولى، وبروز الأطماع الدولية لاحتلال تركيا.
بعد عام على تأسيس البرلمان التركي وإعلان السيادة التركية، طرحت فكرة كتابة نشيد وطني في 23 نيسان/أبريل 1920.
حظيت الفكرة بالدعم، فما كان من وزارة التعليم التركية يومها إلا أن نظمت مسابقة لاختيار أفضل قصيدة لتكون النشيد الوطني لتركيا الحديثة، ورُصدت لهذا الغرض جائزة قدرها 500 ليرة تركية للشاعر الذي يكتب أجمل قصيدة.
وجّهت الوزارة المشاركين في المسابقة لكتابة نشيد وطني يعبّر عن روح حرب الاستقلال التي بدأت في 19 أيار/مايو 1919، وتكللت بانتصار كبير في 9 أيلول/سبتمبر 1922، ثمّ توّجت بإعلان الجمهورية التركية في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1923.
تلقت الوزارة 700 قصيدة للمشاركة بالمسابقة، لم توفّق أيٌّ منها بترجمة المعاني المرادة منها، فما كان من وزير التعليم حمد الله صبحي تانري أوفر، إلا أن طلب من أرصوي الذي كان نائبا في البرلمان، كتابة قصيدة لتكون نشيداً وطنياً، فولد النشيد الوطني التركي في منزل أرصوي في العاصمة أنقرة.
المنشأ والإرث الأدبي
ولد محمد أرصوي في إسطنبول عام 1873، لأب كوسوفي جاء إلى المدينة لغرض الدراسة، وسريعاً راح نجمه يلمع أدبياً وأكاديمياً.
عام 1908 انضمّ إلى جامعة إسطنبول أستاذاً للأدب العثماني، ثم شارك في إصدار مجلة “صراط مستقيم”، حيث نشر معظم قصائد مجموعته الشعرية الأولى “صفحات”، الصادرة عام 1911.
اهتم بمؤلفات الشيخ محمد عبده، وترجم له “الإسلام بين العلم والمدنية” (1901)، في ردٍّ على تصريح وزير الخارجية الفرنسي في ذلك الوقت، غابرييل هانوتو، الذي اعتبر أن “الإسلام هو السبب بتأخر المسلمين”، كما ترجم إلى اللغة التركية كتاب “اعتناق الإسلام”.
استقال أرصوي من عمله الحكومي مع بداية حرب الاستقلال بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، ليلتحق بالمعارك خطيباً وشاعراً متجوّلا يحفّز مواطنيه على الدفاع عن وطنهم أمام تهديد الاحتلال البريطاني والفرنسي واليوناني.
ونظراً لحماسته ووطنيته، انتخب ممثلاً عن مدينة بوردور جنوب غربي تركيا في “المجلس الوطني الكبير”.
لعبت قصائد أرصوي دوراً بارزاً بإثارة حمية الأتراك للزود عن وطنهم إضافةً إلى الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، فما لبث أن تحوّل أحد أشهر الشخصيات في الأدب التركي أوائل القرن العشرين.
ترك أرصوي إرثاً أدبياً مكوّناً من 7 مجموعاتٍ شعرية، حيث تناولت قصائده القضايا السياسية والفلسفية والدينية والأخلاقية والاجتماعية، وأبرزها قصيدة “المراحل” (1911)، و”محاضرة في السليمانية” (1912)، و”أصوات الحق” (1913)، و”محاضرة في الفاتح” (1914)، و”مذكرات” (1917)، و”عاصم” (1924)، و”الظلال (1933).
تنقّل أرصوي خلال حياته بين تركيا العثمانية والجمهورية، والبلقان، وسوريا، ومصر، ولبنان والجزيرة العربية.
حفظ أرصوي القرآن وهو ابن التاسعة على يد إمام مسجد الفاتح لفي إسطنبول، إلى جانب تعلمه اللغة العربية والفارسية.
تركيا الوفية لشاعر الاستقلال
عندما اتجهت تركيا لتطبيق إجراءات جديدة، مثل تحويل الأحرف التركية إلى اللاتينية بدل الأحرف العربية، اختار أرصوي الهجرة إلى مصر، حيث عمل حتى نهاية حياته في ترجمة القرآن والتدريس وكتابة مجموعته الشعرية الأخيرة.
عمل أرصوي في مصر مدرسا للأدب التركي، بين أعوام 1923 – 1936، في جامعة فؤاد (جامعة القاهرة الآن).
وعندما اشتدّ عليه المرض في صيف عام 1936، قرّر العودة إلى إسطنبول حيث توفّي في 27 ديسمبر/كانون الأول 1936، وجرى تشييعه شعبيا، دون أي حضور رسمي رغم أنه كان من الأعضاء المؤسّسين لـ”المجلس الوطني الكبير” ومؤلف “نشيد الاستقلال”.
ولكن، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، أعيد الاعتبار إلى أرصوي، فأعيد طبع دواوينه، وافتتحت جامعة تحمل اسمه في مدينة بوردور التي كان يمثلها في المجلس الوطني.
وبمناسبة منحه دكتوراه فخرية من قبل “جامعة محمد عاكف” عام 2016، أشاد أردوغان بدور أرصوي في حرب التحرير وبنشيد الاستقلال الذي قدّمه للأمة التركية، وأكد أنه “يستحق أن يكون شاعر الوطنية”.
القيمة الأدبية والقومية لنشيد الاستقلال
وُفّق أرصوي بتخليد فخر الأتراك واعتزازهم بوطنهم، ليس فقط من خلال روعة الكلمات وأناقتها ونقل المشاعر القومية وتحفيز الوطنية في وجدانهم، بل أيضاً من خلال رصفها بأسلوب أوزان العروض والوزن التركي والقافية الذكية والتصوير البليغ بينما كانت في حقبة الاندثار، فجاءت تحفةً ثقافية فريدة استحقت أن تبقى رمزاً لهذا البلد.
أما مضمون القصيدة، فوفّق بين الدين والوطن، حيث نجد فيه أبياتاً عن الراية والعَلم والوطن والأرض والهلال والشعب والبيت والأجداد، إلى جانب الحق والهدى والإيمان والحلال والأذان والشهادة والمعبد والجنة.
ونظراً لأثره العميق في الأدب التركي الحدث، فقد حظي أرصوي باحترام الجميع، حتى ممن لا يوافقونه في آرائه وتوجهاته الدينية، فاستحق لقب “شاعر الوطن” بإجماع الأتراك على اختلاف توجّهاتهم، نظراً لحضوره الأدبيّ كشاعرٍ من العيار الثقيل.
وهذا الأمر انعكس فشلاً في تغيير النشيد الوطنيّ التركي، رغم أن المحاولات لذلك تكررت 3 مرات كان آخرها في تسعينيات القرن الماضي.
النشيد الوطني التركي الذي كتبه أرصوي
لا تحزنْ، لن تخمدَ الرايةُ الحمراءُ في شفقِ السماءْ
قبلَ أن تخمدَ في آخرِ دارٍ على أرضِ وطني شعلةُ الضياءْ
إنها كوكبٌ سيظلُّ ساطعاً فهي لأمتيَ الغراءْ
إنها لي ولشعبي دونَ انقضاءْ
هلالَنا المدلل، أرجوكَ لا تقطبْ حاجبَ الجمالْ
ابتسمْ لعرقي البطلِ ! ما هذهِ الهيبةُ وذاكَ الجلالْ؟
وإلا لن تصبحَ دماؤُنا الزكيةُ لكَ حلالْ
من حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ
كنتُ حراً منذُ الأزلِ وأحيا حراً
أيُّ أرعنٍ يقيدُني بالسلاسلِ ، ما أعجبه أمراً !
إنني كالسيلِ الهائجِ أكسرُ السدودَ وأندفع فوراً
أحطمُ الجبالَ ، أملأُ الأرجاءَ ، أنتفض فيضاً
لو أحاطَ الجدارُ المدرعُ آفاقَ الغربِ
فإن حدودَ بلادي في صدري كالإيمانِ الصلبِ
لا تخفْ فأنت الأعزُّ وليست لخنقِ الإيمانِ بالغالبِ
تلك الحضارةُ التي ما هي إلا وحشٌ وحيدُ النابِ
يا صاحبي، إياكَ أن تجعلَ الوطنَ عرضةً للأدنياءْ
كن سداً منيعاً أمامَ الغزوِ السافرِ كالأقوياءْ
فستشرقُ تلكَ الأيامُ التي وعدَها اللهُ للعظماءْ
ومن يدرِ لعلَّ غداً أو قبلَه ينتشرُ الضياءْ
لا تحسبنَّ ما تحتَ رجليكَ تراباً وأيقنْ
واحتسبْ لآلافِ الراقدينَ من دونِ كفنْ
أنتَ ابنُ الشهيدِ لا تؤذِ الأجدادَ واركنْ
لا تفرطْ بجنتكَ ولو أعطوكَ الكونَ بلا ثمنْ
من منا لهذا الوطنِ الجنةِ لا يقدمُ نفسا ؟
تفيضُ الأرضُ بالشهداءِ لو لمستَها لمسا !
بروحي وحبي وملكي للهِ طبتُ نفسا،
إلا الوطنَ لا أستطيعُ دونَه العيشَ أنسا
تتضرعُ نفسي لكَ يا إلهي بالدعاءْ
لصون المعابدِ من الأيدي الملطخةِ للأعداءْ
ليبقى الأذانُ بالشهادةِ صادحاً في العلاءْ
فهو عمادُ ديني يتخلدُ في وطني بالجلاءْ
ويسجدُ لكَ شاهدُ قبري وإن يكُ حينئذٍ بالوجدْ
بدموعٍ داميةٍ يا إلهي من كلِّ جرحٍ للفؤادْ
فيقفزُ نعشي من الأرضِ كالروحِ المجردْ
وتسمو هامتي لذرا العرشِ بامتدادْ
رَفرفْ كالشفقِ الأحمرِ يا أمجدَ هلالْ
لتكنْ دماؤُنا كلُّها لكَ حلالْ
لن يصيبَك ولا عرقيَ الاضمحلالْ
والحريةُ من حقِّ رايتي الحرة لا جدالْ
ومن حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ
