تقاريرمقابلاتمميز

ماذا بعد سحب الدعم الأمريكي عن خط “إيست ميد” لنقل الغاز إلى أوروبا؟ (تقرير)

مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديموقراطية المهندس توم حرب تحدث لـ"وكالة أنباء تركيا"

طفا على سطح الأخبار المتعلقة بغاز شرقي المتوسط خبر إعلان الولايات المتحدة الأمريكية إيقاف دعمها لمشروع “إيست ميد”، الذي من المفترض أن ينقل الغاز من الشرق الأوسط إلى أوروبا، دون المرور بتركيا.

هذا المشروع أريد له أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، من جهة دعم استغناء دول الاتحاد الأوروبي عن الغاز الروسي، ومن جهة ثانية محاولة تجاهل حق تركيا بالمشاركة بمشروع كهذا عبر استثنائها من خطة طريق المشروع.

ومن جهة ثالثة تشريع نقل النفط من اليونان وقبرص اليونانية و”إسرائيل” حتى قبل التوصل إلى فضّ النزاع حول الحقوق الإقليمية بثروات الغاز شرقي المتوسط، وعلى رأسها تركيا، الدولة التي أظهرت أنها الأقوى بوجه مخططات إقصائها من الملف دون وجه حق.

فما هي الأسباب الكامنة وراء القرار الأمريكي بسحب الدعم عن خط “إيست ميد”، وماذا سيجد الباحث عند التعمّق أكثر بالسياسات الأمريكية التي بدت متخبّطة في الآونة الأخيرة؟

هل القرار الأمريكي يعد حقاً انتصاراً للمصالح التركية التي في نهاية المطاف تأكدت أن المشروع الذي عارضته منذ إعلانه لن يرى النور؟

وما ثأثير هذه التطورات على السياسات في الشرق الأوسط، وعلى إعادة خلط الأوراق بين دوله، وخاصة عندما نتحدث ترسيم الحدود البحرية والمياه الإقليمية وتوزيع حقوق ثروات شرق المتوسط بشكلٍ يرضي جميع الأطراف؟!

في مقابلة خاصة مع “وكالة أنباء تركيا”، قال المهندس توم حرب، مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديموقراطية “من الواضح أن برنامج مد الأنابيب لم يتوقف، ولكن لدى الإدارة الأمريكية عدة حسابات، ومع هذه الإدارة بالذات، إدارة الرئيس جو بايدن، هناك اعتبارات غير واقعية”.

وأضاف “أوّلها، أن كل شيء كان الرئيس السابق (دونالد ترامب) موافقاً عليه، ربما على الإدارة الجديدة أن تعاود النظر فيه لأن لديها حساباتها الخاصة بكل ملف”.

وتابع أن “حسابات الإدارة الأمريكية الحالية، هي أن لا تسير باستراتيجية ترامب السابقة، سواء في الشرق الأوسط أو شمالي إفريقيا أو أي مكان، ولكن، ضمن هذه الاعتبارات لهذه الإدارة هناك واقع جديد يُرسم، فما هو؟”.

وأوضح حرب أن “النقطة الأولى، هي أن الرئيس بايدن حاول أن يفتح صفحة جديدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأوروبيين، برفع العقوبات عن أنبوب النفط من روسيا إلى ألمانيا، وبالوقت نفسه، أن يخفف أو يوقف خط إيست ميد، وكان يعتبر أن الخط الروسي هو دعم لأوروبا وهي صفحة جيدة مع روسيا للتعامل بالمِثل”.

وأضاف “ولكن، حشد الجيوش الروسية على الحدود مع أوكرانيا، فرض مسوّدتين في مجلس الشيوخ الأمريكي، واحدة من قبل السيناتور الجمهوري تيد كروز، وثانية من قبل السيناتور الديمقراطي بوب ميندينيز”.

وتابع أن “المسودتين تقريباً متشابهتان، وهما معاً تطرحان فكرة وضع عقوبات على خط الغاز من روسيا إلى ألمانيا، ما ينعكس تأثيره على خط الأنابيب في الشرق الأوسط من إسرائيل إلى اليونان والشرق الأوسط ككل، ما يعني أنه إذا وُضع خط  الأنابيب من روسيا إلى ألمانيا تحت العقوبات، فهذا يفسّر أن لأوروبا حاجة كبيرة إلى النفط من الشرق الأوسط”.

وأردف قائلاً “أتصوّر أن خط أنبوب الشرق الأوسط، حتى لو كانت له اعتبارات تركية، كذلك لمراضاة الأتراك لحدٍّ ما، ولكن الاستراتيجية الواقعية الضرورية لأوروبا هي أنهم اليوم ربما سيعيدون النظر وسيبقون على استراتيجية الرئيس السابق ترامب في هذه الخطوط”.

ولفت إلى تدخل واشنطن في ملف إمداد لبنان بالغاز عبر مصر، قائلا “نرى أن الولايات المتحدة تدخلت حديثاً في ملف إمداد الغاز من مصر إلى لبنان، مروراً بالأردن، وسوريا رغم العقوبات عليها، وربما كان هناك تخفيف عقوبات على سوريا إلى حدٍّ ما لتسمح بإمداد الغاز عبرها إلى لبنان”.

أما بالنسبة إلى النقطة الثانية، فقال حرب “هي أن المصريين ليس لديهم من الغاز ما يكفي، فيستوردون الغاز من إسرائيل، وبطبيعة الحال تكون إسرائيل هي من تمدّ الغاز إلى لبنان بطريقة غير مباشرة عبر شراء الغاز من مصر وإمداده عبر الأردن وسوريا”.

وتابع “بذلك تكون هناك صفحة جديدة مع إسرائيل، إن شاء اللبنانيون أم رفضوا، ولكن هذا الواقع الاستراتيجي الجديد، والتحالفات الجديدة في الشرق الأوسط ستفرض شروطاً، لأن الشعوب تطالب، أولاً بأسعار متدنية للنفط، وثانياً بسرعة وكيفية الوصول ومعايير هذا الغاز”.

وتابع “أنا أرى أنه ستكون هناك استراتيجيات جديدة لمخزونات كبيرة من الغاز في الشرق الأوسط، والأمر الواقع سيفرض الحلول”.

وأكد أنه “بدون شك، الإدارة الأمريكية بالوقت الحالي في تضعضع بخصوص ما يحصل في الشرق الأوسط، بالمحادثات مع الإيرانيين، وبالمناقشات والمحادثات مع الأتراك”.

وشدد أن “التدخل الروسي في أوكرانيا وحشد الجيش الروسي على الحدود مع أوكرانيا وضع إدارة بايدن في موضعٍ حذر، لأن الشعب الأمريكي يرفض أي تهديد روسي، ولذلك كانت ردة الفعل من قبل السيناتور مينينديز أن يفرض واقعاً جديداً ضمن الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ مع الحزب الجمهوريّ”.

وأوضح حرب أن “هذا لا يصب في مصلحة الرئيس الأمريكي، وربما ستكون نكسة متتالية في سياسة بايدن الخارجية، أولاً كان الانسحاب المذلّ من أفغانستان، وثانياً لم يكن هناك حتى اليوم أي جدية بالتعامل مع الشرق الأوسط، وثالثاً المفاوضات في فيينا حول ملف النووي الإيراني لم تتقدم كثيراً”.

وخلص إلى أن “كل هذا ينعكس سلباً على إدارة بايدن في الداخل الأمريكي، ولذلك تنخفض شعبية بايدن وهي اليوم بنسبة 33%، فيما شعبية نائبة الرئيس كامالا هاريس انخفضت إلى 28%”.

وبيّن حرب أن “إدارة بايدن خسرت كثيراً منذ الانتخابات التي أجريت قبل سنة، في العلاقات الداخلية والخارجية بالنسبة لما يراه الشعب الأمريكي”.

تحليلات حرب تتلاقى بشكل أو بآخر مع تصريحات صحافية أدلى بها الرئيس رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، لدى عودته من زيارة رسمية إلى ألبانيا تناولت أنشطة تركيا المتعلقة بالتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي.

حيث قال أردوغان “اشترينا 4 سفن تنقيب واثنتين للأبحاث الزلزالية للعمل في البحرين الأسود والمتوسط”.

ورداً على سؤال حول وقف واشنطن دعمها لمشروع خط أنابيب “إيست ميد” لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا، أكد أردوغان أن “هذا المشروع لم يكن قابلاً للتنفيذ، لقد أجرَوا جميع الحسابات المالية له، ورأوا أنه لا يوجد شيء إيجابيّ في هذا المشروع”.

وأكد أن “مثل هذه المشاريع لا يمكن أن تنجح بمعزل عن تركيا، وعملية نقل الغاز الطبيعي من شرق المتوسط إلى أوروبا، لا تتمّ إلا عبر تركيا”.

وأضاف أن “وزير الطاقة التركي الأسبق براءت البيراق كان قد تحدث مع نظيره “الإسرائيلي” في هذا الشأن، وحينها كانت لدينا الفرصة لتنفيذ هذا الأمر مع “إسرائيل”، لكن الظروف حينها أعاقت هذه الخطوة”.

وتابع “هناك إمكانية للحديث مع إسرائيل مجدداً في مسألة نقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا، الجانب الإسرائيلي على مستوى الرئيس ورئيس الوزراء يبعثون رسائل في هذا الشأن إلى تركيا”.

وأكد أن “موقف تركيا حيال الأوضاع في شرق المتوسط ثابتٌ لم يتغير، وأنشطة تركيا في هذه المنطقة تسير وفقاً للاتفاقيات التي أبرمتها أنقرة مع ليبيا”.

وكان مشروع “إيست ميد” يقضي بتمديد خط أنابيب تحت البحر مصمّم لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي من شرق المتوسط، وبكلماتٍ أخرى، يتعلق بإنشاء مشروع لنقل الغاز “الإسرائيلي” عبر خطوط الأنابيب، تصل إلى إيطاليا، وتمرّ من خلال اليونان وقبرص الرومية، متجاوزةً تركيا.

وجرى التوقيع على اتفاقٍ مبدئي حوله مطلع عام 2020، من قبل اليونان و”إسرائيل” وقبرص الرومية، حيث كان يتوقع أن يتم التوصل لاتفاق استثماريّ نهائي حوله هذا العام بتكلفة متوقعة تصل إلى قرابة 7 مليارات دولار، على أن يبدأ بضخ الغاز إلى أوروبا بحلول عام 2025.

وكان من المنتظر أن يحقق المشروع مكاسب للأطراف الثلاثة المصدّرة، خاصةً أنها أعلنت عن اكتشافات ضخمة خلال الأعوام الأخيرة، ومساعدة أوروبا على تنويع مصادر الطاقة وخاصة تقليل الاعتماد على الغاز الروسي.

ومنذ نحو أسبوع، تناقلت وسائل إعلام يونانية الخبر على أنه نكسة لليونان ومصدر قلق لمستقبل مصالحها النفطية، نظراً للآمال الكبيرة التي كانت أثينا تعوّلها عليه.

وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية، أن واشنطن أبلغت كلاً من قبرص الرومية و”إسرائيل” بانطباعها السلبيّ إزاء هذا المشروع.

ووفقاً لوسائل الإعلام اليونانية، وصفت واشنطن المشروع في رسالة غير رسمية بأنه “مصدر رئيسيّ للتوتر ويزعزع استقرار المنطقة” في إشارة إلى وضعه تركيا ودول المنطقة في خلافات.

وأشارت وسائل الإعلام اليونانية إلى أن الولايات المتحدة تعارض مشروع “إيست ميد” لأنه يمكن أن يسبب توتراً في المنطقة، نظراً لمعارضة تركيا الشديدة له، إضافةً لإنعدام الحيوية الاقتصادية والتجارية فيه، وارتفاع تكاليفه بالمقارنة مع الحال لو تم التعاون مع تركيا، تضاف إلى ذلك مخاوف تتعلّق بحماية البيئة وعدم ملاءمة المشروع لمنظور العودة إلى الموارد المتجددة.

وكان من المقرر أن يمر خط “إيست ميد” بثلاثة آلاف متر تحت البحر المتوسط، عبر مناطق بحرية تركية تدّعي اليونان أنها ضمن مياهها الإقليمية.

ويهدف إلى نقل 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا إلى أوروبا في المرحلة الأولى، وكان من المخطط أن يكتمل في عام 2025، بكلفة قُدّرت بأكثر من 6 مليارات يورو.

في حين ادّعت الإذاعة العامة اليونانية ERT أن الرسالة الأمريكية غير الرسمية أوردت ثلاثة أسباب لشرح سبب سحب دعم الولايات المتحدة للمشروع، وهي: المخاوف البيئية، والافتقار إلى الجدوى الاقتصادية والتجارية، وخلق توترات في المنطقة.

وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ووزير الخارجية حينها مايك بومبيو، إلى جانب منتدى غاز شرق المتوسط الذي تغيب عنه تركيا، من أشد وأقوى المؤيدين للمشروع، بحجة تنويع مصادر أوروبا لتلبية احتياجاتها من الطاقة لتقليل اعتمادها على روسيا.

وفي ظل إدارة بايدن، تغيّرت تلك السياسة فجأة، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن واشنطن تحوّل تركيزها إلى موصلات الكهرباء التي يمكن أن تدعم كلاً من مصادر الغاز والطاقة المتجددة.

وبعد التقارير الواردة حول الورقة غير الرسمية، قالت وزارة الخارجية إنها ما زالت “ملتزمة بربط طاقة شرق البحر المتوسط بأوروبا فعلياً”.

وأكدت في بيان “نحن ندعم مشاريع مثل مشروع الربط الكهربائي الأوروبي الإفريقي المزمع مدّه من مصر إلى جزيرة كريت والبر اليوناني، وخط الربط الكهربائي الأوروبي الآسيوي المقترح، لربط شبكات الكهرباء الإسرائيلية والقبرصية والأوروبية”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى