
لقاءٌ بالغ الأهمية يحمله اليوم الأخير من شهر كانون الثاني/يناير الجاري (اليوم الإثنين)، حيث يشهد لقاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالرئيس الأمريكي جو بايدن في العاصمة الأمريكية واشنطن.
أبعاد عديدة تعطي اللقاء أهمية بالغة
أهمية اللقاء تنبع من عدة أبعاد ومستويات، البعد الدبلوماسي، البعد الزمني، البعد الإقليمي، البعد المتعلق بمدى فاعلية قطر وتأثيرها على وفي عدد من الملفات الإقليمية والدولية، فضلاً عن البعد التعاوني والاقتصادي بين قطر والولايات المتحدة.
بالنظر إلى التوقيت الذي تأتي فيه هذه الزيارة، والظروف التي تمرّ بها المنطقة والعالم، لا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال إغفال أهميتها، وتداخلها مع العديد من القضايا الإقليمية والدولية الملحّة.
فقطر، برزت خلال الأشهر الأخيرة، كلاعب دبلوماسي أساسي على الصعيد الدولي، وبشكل خاص في الملف الأفغاني، الذي جعل منها محجّاً دبلوماسياً تقصده جميع العواصم لإيمانها أن مفتاح الحل في أفغانستان يكمن في الدوحة، وأنه للوصول إلى برّ الأمان الأفغاني، لا بد من العبور بقطر!
دور قطر الحيوي بالملف الأفغاني
في حديث خاص لـ”وكالة أنباء تركيا”، قال رئيس مركز الدراسات القانونية والسياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور أحمد مَلّي، “الآن وبعد سيطرة (طالبان) على كابل، الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف بنوع من ممارسة ضغوط على طالبان، من خلال تجميد الأصول الأفغانية”.
وتابع “من الواضح الآن أن (طالبان) لديها صعوبات اقتصادية، وأن الوضع الاقتصاديّ والظروف المعيشية متراجعان تزامناً مع تدهور العملة، وكل هذه الأمور، تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها”.
وأكد ملّي أن “الدور القطري أساسي في هذا الملف، فقطر معروفة بدينامية دبلوماسيتها وانفتاحها، وشكلت قطر، قبل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في آب/أغسطس 2021، المكان الأمثل لاستضافة المفاوضات بين الأمريكيين وحركة طالبان”.
وشدد مَلّي أنه “بالنسبة للموضوع الأفغاني ما بعد الانسحاب، تشكل قطر قناةً مثالية، قناةً خلفية للتواصل مع (طالبان)”.
وأوضح قائلا “الآن ما زالت (طالبان)، رغم سيطرتها الفعلية على معظم التراب الأفغاني، تواجه مشكلة اعترافٍ دولي بها وبحكومتها، وبالتالي، قطر تقدر أن تكون قناة اتصال مهمّة”.
وبالنسبة للقاء الأمير تميم وبايدن، قال مَلّي “من المتوقع أن يكون الملف الأفغاني من النقاط الموجودة على جدول الأعمال، لأنه بمكانٍ ما، موقع أفغانستان، هو مسألة، بغض النظر عن عواطف الأمريكيين تجاه (طالبان)، لكنّ (طالبان) تواجه خصماً لها هو قاعدة خُرسان، التي ليس من مصلحة كلا الطرفين أن يصبح لها تأثير يهدّد الاستقرار في أفغانستان، بل من الممكن أن يمتد إلى آسيا الوسطى”.
وأضاف “في هذا المجال، قطر تضم هذه الصورة، التي يمكن أن أسمّيها (ممارسة ضغوط)، لن أسمّها (ضغوط قسوة)، ربما ضغوط القسوة اتُّبعت أيام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ضد إيران”.
وتابع “أما الضغوط الآن فهي ضغوطٌ لتطويع (طالبان) والحصول على (طالبان) من (طالبان)، من خلال هذه الضغوط التي ذكرتها، ضغوط اقتصادية، وضغوط الشروط المطلوبة لمنحها الاعتراف الدولي، وكل هذه المسائل التي يعتبرون أنها تندرج بالصفّ الدولي”.
وشدد قائلاً “لا ننسى أن القضية الأساس التي ركز عليها الأمريكيون خلال المفاوضات، هي التزام (طالبان) أن لا تكون ملاذاً للمتشددين كما كانت لأسامة بن لادن أيام إمارة (طالبان) الأولى بعد عام 1996 وقبل سقوطها، أي أن لا تتحوّل ملاذاً آمناً لتهديداتٍ ضد أمريكا وحلفاء أمريكا، ومن هنا يكون الدور القطريّ حيوياً في الملف الأفغاني”.
الملف النووي الإيراني.. لقطر حساباتها الخاصة
وحول إمكانية أن تلعب قطر دوراً فاعلاً في الملف النووي الإيراني، أشار مَلّي إلى أنه “صحيح أن قطر دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، لكن ينبغي أن لا يغيب عن بالنا التطورات التي حصلت والتصدّعات في مجلس التعاون.. لا يمكننا أن نقول أن هذا المجلس ما زال متجانساً”.
وتابع موضحاً “بدايةً، الأكيد أن الموقف القطري لا يجاري الموقف السعودي، الذي هو موقف الرفض الكامل، نحن نعرف أن السعودية وبالمقابل والكيان الصهيوني (إسرائيل)، كانوا ضد الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما في العام 2015”.
وقال “قطر لا تجاري، قد لا تؤيّد أن يصير لدى إيران قدرات نووية، لكنها لا تأخذ موقف العداء، أي لا تجاري الموقف السعودي، فقطر لها حساباتها الخاصة في هذا الملف”.
ولفت إلى أنه “وقت الخلاف القطري مع السعودية، وعندما أعلنت السعودية والإمارات فرض الحصار على قطر، لا بل وهدّدتا في مرحلة من المراحل باجتياح قطر، كان لدى قطر حليفان، تركيا وإيران، وبالتالي، من هنا نفهم زيارة وزير الخارجية القطري قبل أيام لإيران”.
وأضاف “هناك مسألة أخرى، كلّ المؤشرات تشير إلى تقدّم على صعيد الملف النووي الإيراني، الموقف الذي أعلنه الإيرانيون حول استعدادهم لمحادثات مباشرة مع الأمريكيين، كان ملفتاً، وهذا يتقاطع مع مسألة أن السياسة الإيرانية هي ضد أي لقاء مباشر”.
وأردف “شرط الإيرانيين هو رفع العقوبات والالتزام بعدم التراجع عن أي اتفاقية يتم التوصل إليها، كما فعل ترامب عندما انقلب على الاتفاق النووي السابق، بغض النظر أن الرئيس بايدن قدّم هذا الالتزام الآن، ففي حال انتصر الجمهوريون، هناك تعقيدات تشريعية قد لا تضمن هذا الأمر”.
وأضاف “قطر تلاحظ هذا المناخ الإيجابيّ، وبالتالي يمكن القول إن سياستها هي مهادنة إيران وليس مواجهتها كما تفعل السعودية، وهو ما يشبه الوضع الأفغاني نتيجة حالة عدم الثقة والجفاء بين الأمريكيين والإيرانيين”.
التحالف التركي القطري.. إيجابيات إقليمية ودولية
وأشار مَلّي إلى التلاقي الإيجابي بالدور التركي مع القطري في الملف الأفغاني قائلاً “عندما أقول الدور القطري، لا أبتعد عن التفاهم مع تركيا، فمن المعلوم أنه بالوضع الإقليمي، التحالف القطري التركي يفيد مصلحة الطرفين، فتركيا تملك القوة التي تقدر أن تمارس من خلالها أي مهمّة على الأراضي الأفغانية”.
وأوضح أنه “على مستوى الإقليم منذ اندلاع ما يسمى الربيع العربي، برز تحالفٌ قطري تركي وبدا أنه تحالفٌ متين، في ما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية، القناة القطرية مع إيران تكون مفيدة نتيجة جو عدم الثقة وحالة الجفاء الطويلة بين الطرفين”.
واستدرك أن “هذا الوضع لا ينطبق على التركي، باعتبار أن التركي لديه مع الإيراني علاقات مباشرة، رغم أنهما يشتبكان في سوريا، لكن البلدين تمكّنا من تنظيم خلافاتهما، وأن يكون التعاون بينهما بقضايا كثيرة، مثلاً لو نلاحظ التعاون الاقتصادي بين البلدين، التبادل التجاري يعكس أرقاماً هائلة”.
وتابع مشيرا إلى تعاون تركي إيراني في جانب آخر الذي يتمثل برفض أنشطة تنظيم PKK الإرهابي على حدودهما، حيث قال “هنا يتشارك البلدان بأهداف واحدة، الأمر الذي يجعل قطر أقرب إلى لعب الدور الدبلوماسي كطرف محايد إلى درجةٍ ما أكثر مما قد توفّره تركيا”.
زيارة تاريخية
من جانبه، رأى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور رائد المصري في تصريحات لـ”وكالة أنباء تركيا”، أن “زيارة الأمير تميم إلى واشنطن تعتبر زيارة تاريخية من ناحية توقيتها”.
وأرجع المصري السبب في ذلك إلى عدة نقاط، قائلاً “أولاً هناك استحقاقات داهمة على المنطقة وهناك تحوّلات إقليمية داهمة، خصوصاً في ما يتعلق منها بالمفاوضات الإيرانية مع الغرب، ونتائج هذه المفاوضات”.
واستدرك “لكن هناك ملفات مهمة سيثيرها أمير قطر مع الرئيس بايدن في واشنطن، منها صفقة تجارية لشراء طائرات إيرباص لتجديد الأسطول الجوي القطري المتقدّم جداً والمتطور”.
وتابع المصري “وأيضاً في ما يتعلق بضمان السلامة المرورية لإمدادات الطاقة والنفط والأمن المائي للبحار والمحيطات، فقطر تلعب دوراً أساسياً في هذا الموضوع”.
ولفت المصري إلى دور قطر الفاعل في الملف الأفغاني، قائلا “ولا يغيب عنا الدور النشط لقطر في أفغانستان، وما تقوم به من تقديم المساعدات للشعب الأفغاني على الصعد كافة”.
وأشار إلى أن “قطر بالأساس كانت قد قامت بوساطات مهمة جداً مع قيادات (طالبان)، وأجرت الحوارات والمؤتمرات العديدة لهذا الغرض في الدوحة، ونشطت المفاوضات بين أمير قطر وحركة طالبان في الدوحة”.
وأضاف “من ثم كان لها دور إيجابي كبير بمساعدة الأمريكيين على مستوى الانسحاب، ومن ثم استكمال الدور الجيد على مستوى مساعدة الشعب الأفغاني بتأهيل مطار كابل وغيره من المساعدات الإنسانية على أكثر من مستوى”.
ورأى المصري أن “قطر تطلب من هذه الزيارة بالتحديد مساعدة أمريكية نشطة للشعب الأفغاني حتى تستقرّ أمور البلاد الاقتصادية والمالية والسياسية”.
وخلص إلى القول إن “هذه هي أبرز نقاط الزيارة التي أراد الشيخ تميم إبرازها من خلال زيارته لواشنطن، وهي تأتي على مفترق طرق مهم جداً من حيث التوقيت ومن حيث الدلالة والأهمية على أكثر من مستوى ومجال”.
وكان الديوان الأميري القطري قد أعلن في بيان، السبت، أن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني غادر الدوحة متوجّهاً إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، في زيارة عمل للولايات المتحدة الأمريكية.
وقال الديوان الأميري في بيان، إن اللقاء الذي سيتم الإثنين الموافق 31 كانون الثاني/يناير الجاري، “سيتناول المباحثات حول سبل دعم وتعزيز علاقات الشراكة والتعاون الوطيدة بين البلدين”.
وأوضح أن “المباحثات ستتناول أيضاً القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدّمتها مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة”.
من جانبه، ذكر البيت الأبيض أن “الزيارة ستتيح فرصة للرئيس بايدن والأمير تميم للتشاور حول مجموعة من القضايا الإقليمية والعالمية ذات الاهتمام المشترك”.
وأضافت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، في بيان، أن “بايدن سيناقش مع أمير قطر الترويج والأمن والازدهار في منطقة الخليج والشرق الأوسط الكبير، وضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية، ودعم الشعب الأفغاني، وتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين”.
وأشارت ساكي إلى أن “بايدن سيتقدم بالشكر إلى أمير تميم على جهود قطر غير العادية والمستمرة لضمان العبور الآمن من أفغانستان للمواطنين الأميركيين والمقيمين الدائمين الشرعيين والشركاء الأفغان”.
وتابعت بالقول إن “بايدن يتطلّع إلى هذه الزيارة المهمة، ويؤكد على الشراكة القوية بين الولايات المتحدة وقطر”.






