تقاريرهام

قطر.. دور إقليمي دولي محوري قادر على تبريد الأزمات الملتهبة (تقرير)

تتصدر دولة قطر، من جديد، واجهة الأحداث السياسية عربياً وإقليمياً ودولياً، على إثر دورها المرتقب باحتضان ملف على درجة عالية من الأهمية وهو ملف “المفاوضات النووية بين أمريكا وإيران”، حيث أصبحت قطر تتمتع بدور إقليمي دولي محوري قادر على تبريد الأزمات الملتهبة.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك مؤشر هام على دور قطر الجديد وقوته في الملفات المتعلقة بالمنطقة، ليس فقط الملفات العربية بل والدولية أيضا.

وكانت معظم المناقشات حول إحياء مفاوضات ملف النووي الإيراني، عقدت في العاصمة النمساوية، فيينا، إلا أنها توقفت منذ آذار/مارس الماضي.

وتضم المفاوضات، التي بدأت قبل أشهر، إيران وقوى عالمية هي فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين بشكل مباشر، والولايات المتحدة بشكل غير مباشر، حيث تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي المعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة الذي تم إبرامه عام 2015.

الإعلامي القطري جابر الحرمي لخص في تغريدة نشرها على حسابه في “تويتر” المشهد بما يخص دولة قطر قائلاً إن “قطر تتصدر المشهد السياسي من جديد، فبعد نجاحها الملفت في المشهد الأفغاني، تستعد لاستضافة واحدة من أعقد المفاوضات، المتعلقة بالملف النووي الايراني”.

وأضاف الحرمي أن “تكون الدوحة مكاناً لاستضافة المفاوضات بين ايران وأميركا، فهو دليل آخر على ما تتمتع به القيادة القطرية من ثقة ومصداقية عالية”.

وحسب مصادر متطابقة تابعتها “وكالة أنباء تركيا”، نقلت عن المستشار الإعلامي للوفد الإيراني المشارك في المفاوضات النووية محمد مرندي، قوله إن “طهران اختارت قطر لتكون مكان للجولة المقبلة من المفاوضات النووية غير المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية”، مضيفا أن “اختيار قطر جاء لأن إيران تعتبرها بلد صديق”.

وحول ذلك قال الصحفي والكاتب السياسي والباحث في القانون الدولي في جامعة “نانتير” في باريس ماجد الخطيب لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “قطر أصبحت دولة محورية على المستوى الإقليمي والدولي وذلك يعود لسلسلة من النجاحات حققتها وزارة الخارجية القطرية، من ذلك على سبيل المثال نجاحها في إدارة ملف المحادثات بين حركة طالبان والولايات المتحدة والتي أدت من حيث النتيجة إلى الانسحاب الأمن للقوات الأمريكية من أفغانستان وتعهد طالبان بمحاربة (داعش الإرهابي) وألا تكون اراضي أفغانستان منطلقا لأي عمليات إرهابية تهدد العالم”.

وأضاف الخطيب “من ناحية ثانية، إدارة الحكومة القطرية للملف اليمني واستضافتهم للمعارضة اليمنية بين جماعة أنصار الله الحوثي وجماعة الشرعية، الأمر الذي جعل من قطر بمثابة صمام آمن لكل أطراف النزاع، فالجميع يشعر بالراحة عندما يكون ساعي البريد والوسطي لحل الأزمة هي قطر”.

وتابع “هذا النجاح دفع بالولايات المتحدة إلى منح قطر صفة الشريك لأكبر تحالف عسكري عرفته البشرية ما يعرف بـ (الناتو)”.

وزاد الخطيب أن “هذه الانتصارات الدبلوماسية عززت من مكانة قطر كطرف محايد يمكن الوثوق به، فمن ناحية قطر ترتبط مع إيران بعلاقات وثيقة وحيوية واستراتيجية، الأمر الذي جعل من قطر بيئة مناسبة ومناخاً آمناً لاستضافة أي نوع من المباحثات أو الآزمات الدولي، ناهيك طبعا عن نجاح قطر مؤخرا في أن تكون ملاذاً امنا للغرب لتعويض النقص الحاصل بالغاز ولو بكميات قليلة في الوقت الحالي، بسبب ارتباط شركة الغاز القطرية مع زبائن آخرين”.

وأشار إلى أن “كل ذلك جعلت أنظار العالم تيمم وجهها شطر الدوحة، لإيمان الجميع بقدرة الدبلوماسية القطرية على تبريد أي أزمة دولية مهما بدت ساخنة”.

والإثنين، توجّه المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون إيران، روبرت مالي، إلى العاصمة القطرية الدوحة، وذلك للتنسيق لملف استئناف المحادثات غير المباشرة مع طهران حول سبل إحياء الاتفاق النووي، حسب مصادر متطابقة نقلت عن مسؤول في وزارة الخارجية الامريكية.

وتهدف المفاوضات المُعلقة حالياً، بحسب مراقبين إلى “إعادة واشنطن للاتفاق، ورفع عقوبات فرضتها على طهران بعد انسحابها، مقابل عودة الأخيرة إلى الامتثال لالتزاماتها النووية التي تراجعت عنها بعد الخطوة الأميركية”.

وقبل أيام، أكد مسؤول إيراني في تصريحات صحفية، أن “لدى قطر الحظ الأكبر وكل الإمكانات لتحتضن استئناف المفاوضات بشأن الاتفاق النووي بين إيران وأمريكا”.

ويرى مراقبون أيضاً أن “اختيار دولة قطر من أجل استضافة المشاورات غير المباشرة بين إيران وأمريكا، بعد الاتفاق على استئنافها، يؤكد على بروز المنطقة على الصعيد العالمي، ومدى أهميتها لأمن العالم اقتصايا ومالياً”.

وأشاروا إلى أن “قطر تمتلك سمعة وخبرة ورصيد ضخم في حل النزاعات، وتمكين مختلف أطراف القضايا المتنازع عليها من التحاور والتفاوض وتبادل الرؤى والحلول الطروحة للقضايا الدولية”.

من جهته، قال الباحث السياسي رشيد حوراني لـ”وكالة أنباء تركيا”، إنه “يمكن القول إن قطر استطاعت تقديم نفسها لاستضافة مفاوضات الملف النووي بين إيران وأمريكا مستفيدة من عدة أمور: أولها نجاحها في المفاوضات بين طالبان في أفغانستان وأمريكا، وقدرتها على التأثير على الحركة بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وكذلك اعتبار أمريكا أن قطر حليف رئيس لها من خارج الـ(ناتو)، وما يمثله هذا القرار من  رمز قوي حول قرب العلاقات بين أمريكا وقطر، وتوظيف قطر لقوتها الناعمة في التأثير على الملفات التي تتدخل بها من نواحي إعلامية وثقافية واقتصادية، التي تؤثر بدورها على مواقف الأطراف التي ترعى المفاوضات بينهم، وسعيها المستمر في الارتقاء بموقعها الإقليمي والدولي، وتجلى ذلك باستضافتها لتصفيات كأس العالم، وبروز دورها لتعويض النقص في صادرات الغاز بعد الغزو الروسي لأوكرانيا”.

واعتبر حوراني أن “كل هذه العوامل تعمل قطر على توظيفها لحجز مكانتها السياسية، في عالم بات الثابت فيه هو التغير المستمر للفرقاء فيه”.

الجدير ذكره، أن قطر استضافت مفاوضات بين واشنطن و حركة طالبان الأفغانية توجت بتوقيعهما، في 29 شباط/فبراير 2020، اتفاقا لإحلال السلام نص على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

كما استضافت الدوحة مفاوضات بين “طالبان” والحكومة الأفغانية، قبل أن تتسارع الأحداث وتسيطر الحركة على أفغانستان.

وفي 15 آب/أغسطس 2021، أعلنت “طالبان” سيطرتها على العاصمة كابل، بموازاة انسحاب عسكري أمريكي اكتمل نهاية الشهر نفسه، ما دفع الرئيس الأفغاني أشرف غني للهروب من البلاد.

ومطلع العام الجاري، أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن قراراً بتصنيف قطر “حليفاً رئيسياً” من خارج حلف شمال الأطلسي الـ”ناتو”، لتصبح هذه الخطوة حديث الكثير من وسائل الإعلام العربية والغربية، تحليلا وتبعات، حيث رأى البعض أن هذه الخطوة ستساهم بتعزيز مواقف حلفاء قطر وعلى رأسهم تركيا.

زر الذهاب إلى الأعلى