مدونات TR

زيارة أردوغان إلى أوكرانيا.. الحرب والسلام وأشياء أخرى

ستة أشهر فصلت بين زيارتي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأوكرانيا، الأولى كانت لكييف قبيل الاجتياح الروسي لأوكرانيا وقت أن كانت إرهاصات الحرب تتصاعد وتيرتها، مناوشات وعمليات أوكرانيا لإعادة الانفصاليين في دونباس لحظيرة الوطن، مدفوعة بمخاوف تكرار سيناريو 2014 واقتطاع شبه جزيرة القرم من الخريطة الأوكرانية.

زيارة أردوغان هذه المرة تأتي محملة بأوضاع متقلبة ومواقف مختلفة، على الصعيدين الإقليمي والدولي، ومؤثرة على مستوى العلاقات الثنائية لدولة لها وزنها دولياً بعد أن أصبحت فاعلة بتحركات دبلوماسية وسياسية وفي بعض الأحيان عسكرية، يحسب لها ألف حساب، مشتركات الزيارتين أنهما حملتا هم إنهاء الأزمة وبناء الشراكات، لكن زيارة أردوغان الأخيرة كما وضع لها أهداف تم الإعلان عنها، وضع أيضا أهداف يمكن قراءتها من خلال المشهد.   

أهداف زيارة أردوغان المعلنة 

رغم خطورة الزيارة وطول المسافة وصعوبة التنقل، حيث سافر إلى بولندا بالطائرة، ليستقل سيارة عبر الحدود البولندية الأوكرانية إلى مدينة لفيف حيث التقى الرئيس الأوكراني زيلينسكي، رغم الرحلة المرهقة اصطحب الرئيس التركي في زيارته، وفدا رفيع المستوى، حيث كان برفقته وزير الخارجية، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية، ووزير الدفاع، ووزير الزراعة والغابات، وأخيراً وزير التجارة، كما رافق أردوغان رجل الظل ورئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة، والمتحدث باسم الرئاسة، ورئيس الصناعات الدفاعية، والمدير العام لشركة بايكار للصناعات الدفاعية.

هذا الوفد رفيع المستوى يحمل رسالة قوية أهمها أن أردوغان لم يذهب إلى لفيف ليلتقط الصور كما فعل زعماء الغرب أو تقديم الدعم المعنوي، كما صرح بعضهم، لاسيما وأن الدعم المادي والعسكري الغربي لم يحقق المأمول بحسب زيلنسكي نفسه، بل واضح أن ملفات مهمة مجدولة مسبقاً وضعت على طاولة اللقاء وهو ما ترجم في تلك الاتفاقيات التي وقعت أثناء المقابلة، ولعل وجود وزير الدفاع وكل من رئيس المخابرات والمدير العام للصناعات الدفاعية رسالة أخرى يجب الوقوف عندها، إذا ما وضعت جنباً إلى جنب مع تصريح الرئيس التركي بعد لقاء نظيره، بتأكيد تركيا على وحدة الأراضي الأوكرانية، وهو ما أكده في رحلته السابقة قبل ستة أشهر في سؤال عن موقف بلاده فيما يخص شبه جزيرة القرم.

تفاهمات دبلوماسية وتنسيق للمواقف السياسية، دعمت باتفاقات دفاعية ومعلوماتية توجت باتفاق إسناد إعادة إعمار ما أفسدته الحرب لشركات المقاولات التركية، ما يعني عقوداً بالمليارات تنتظر إسكات صوت آلات الحرب في بلد الأبطال كما سماها السوفيت أنفسهم، لكن ذلك يتوقف على الدور الذي أرادته تركيا لنفسها في ظل قبول نوعي من طرفي النزاع، فأنقرة التي استطاعت ان تجلس الطرفين على طاولة واحدة في إسطنبول وأنقذت العالم حتى اللحظة من شبح مجاعة كان ينتظره، بفتح ممرات في البحر الأسود للسفن الأوكرانية المحملة بالغلال والزيوت، يعول عليها على الأقل الطرف الأوكراني في حل الأزمة التي حصر فيها بفعل وعود أمريكا التي صدقها وضعته في ورطة.           

أهداف يمكن استقراؤها

رغم الأهداف المعلنة من زيارة الرئيس التركي لفيف، يمكن قراءة الكثير التي انطوت عليها تلك الزيارة، وإن كان حديث نوايا إلا أنه مقبول في عالم السياسية.

زيارة أردوغان رسالة متعددة الوجهات ومتعددة المستويات، إقليمية والدولية وداخلية وعلى مستوى العلاقات الثنائية لها من ذلك نصيب، فعلى مستوى الإقليمي يرسخ أردوغان يوماً بعد يوم مفهوم الدولة القائد في محيط بلاده الإقليمي، ولأن لتركيا أبعاد إقليمية متعددة.. في الشرق الأوسط وأوروبا والبحر المتوسط والبلقان وآسيا الوسطى والقوقاز، فإن حركتها مرصودة، على جميع الأصعدة لاسيما من الدول الفاعلة في تلك المحيطات.

ولعل الزيارة أكثر من هو معني بها هم الأوروبيون والروس كل على مستوى حاجته فهؤلاء ينظرون بعين المتطلع للخروج من الأزمة قبل شتاء صعب ينتظرهم، في ظل فشل حليفهم الأمريكي في حل أزمة الطاقة والغذاء، وبعد حل أنقرة لأزمة الغذاء وينتظرون منه حل أزمة الطاقة، ورسيا تنظر للزيارة بعينين أحدها تريد الحل والثاني لا ترغب أن تحقق أنقرة مزيداً من النفوذ، لاسيما بعد أن استطاعت أن تضع محددات لمسار الحرب بتفعيل اتفاقية مونترو في وجه كل من روسيا وحلفناتو، في إشارة إلى أن تركيا غير معنية بالتصعيد، بالرغم من بيع طائرات مسيرة تركية إلى أوكرانيا، لكن الخطوة أيضا تعيد مشروع قناة إسطنبول إلى الواجهة، في رسالة مزدوجة لكل من روسيا وحلفناتو، كعصا في حين وجزرة في أخرى وعلى من يخطب ود ليلى أن يسهر الليالي. 

زيارة أردوغان لأوكرانيا، وتأكيده على وحدة الأراضي الأوكرانية، والتي وصفها زيلنسكي بأنها زيارة دعم لا محدود من تركيا، هي أيضا اصطفاف حذر مع الموقف الغربي الذي تمتلك تركيا عضوية حلفه العسكري، في واحدة من الترضيات التي سيقبلها بايدن الساعي لتحقيق أي انجاز مع قرب التجديد النصفي للكونجرس في بروفة مهمة للانتخابات المقبلة، ما يعني أن الهدية التي قدمتها أنقرة، تنتظر ردها في الشمال السوري، لكن في المقابل هي رسالة لروسيا التي عارضت تلك العملية، وهو ما يفسره الدفع بتعزيزات باتجاه محاور العملية العسكرية المرتقبة من ناحية جرابلس، قبل أيام من زيارة أوكرانيا.

مع ذلك فإن هذا الضغط الذي يمارسه أردوغان يصاحبه محاولة إخراج الدب الروسي المحاصر في أزقة المدن الأوكرانية، فاقتراح جمع بوتين مع زيلنسكي في إسطنبول هو محاولة لحفظ ماء وجه الجميع، وهو ما يتمناه الجميع إلا تجار السلاح في واشنطن وأتباعهم في لندن، فقط يبقى رسم سيناريو مقبول يتوافق عليه طرفا الصراع حتى تنتهي تلك الحرب العبثية التي بدأت بقرار كارثي أظن أن العنجهية فقط هي التي دفعت للسير فيه.    

زيارة قصيرة ومكاسب لا محدودة 

لم تستغرق زيارة الرئيس أردوغان لأوكرانيا أكثر من ساعات معدودة، حصل خلالها لبلاده مكاسب لا محدودة، على المستوى السياسي بتأكيد دور إقليمي ودولي، وترسيخ لدى العقلية الجمعية الدولية أن دولة كبيرة تأتي من الخلف لتحجز مكان لدى كبار شاخوا، وبات من اللازم استبدالهم لعدم قدرتهم على تسيير أمور المجتمع الدولي، وهو المشروع الذي تعمل عليه الخارجية التركية بنجاح حتى الآن، وعلى المستوى العسكري، بتأكيد شراكات محسومة في نطاق تركيا الإقليمي واتخاذ قاعدة متقدمة لأي احتمال خلافات مع شريكها الروسي، وهو ما أكده حضور مدير المخابرات التركية الزيارة، ما يعني أن أوكرانيا معلوماتيا أصبحت شريكا، وهو ما يعني أيضا أن تركيا تضع نفسها كبيدق متقدم لحلف ناتو بدلا من المواجهة المباشرة بين الحلف وغريمه الروسي، وعلى المستوى الاقتصادي فإن حضور وزير الزراعة والغابات ووزير التجارة بالإضافة إلى المدير العام للصناعات الدفاعية، يعني أن آفاق اقتصادية كبيرة تثبت في زيارة تسبق حل بات قريباً من خلال الوسيط التركي، ولعل ذلك هو ما دفع الرئيسين إلى توقيع اتفاقية إعادة الإعمار وإسنادها للشركات التركية، بما يعني مليارات الدولارات تنتظر شركات المقاولات التركية.

مكاسب كثيرة حصلها أردوغان في ساعاته المعدودة التي زار فيها أوكرانيا، على المستوى الإقليمي والدولي والعلاقات الثنائية وأرسل رسائل للجميع، لكن الداخل التركي كان حاضراً في هذه المكاسب فدولة كبيرة في قلوب وعيون الناخب التركي تعني الكثير عند وضعه ورقة التصويت في صندوق الانتخابات الصيف القادم، لكن يعني أكثر مزيد من الاستثمارات الخارجية وفرص العمل وتقليل أضرار التضخم الذي يضرب العالم وأثر بلا شك على تركيا بشكل كبير، لكن يبقى قصور واحد يحتاج إلى جبر، هو دور أكبر لدائرة الإعلام في رئاسة الجمهورية من ناحية والإعلام الموالي من ناحية أخرى، كما يقع على عاتق منتسبي ومحبي الرئيس وحزبه عبء الترويج لهذه الإنجازات لدى الجميع، صولاً لخطاب الشرفة في أنقرة في يونيو 2023.      

 

  

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي مدير مركز دعم اتخاذ القرار بحزب الوسط المصري سابقا
زر الذهاب إلى الأعلى