تقاريرهام

صفعات جديدة تتلقاها فرنسا في إفريقيا.. انكشاف وجهها الاستعماري وتراجع نفوذها (تقرير)

باتت فرنسا تتلقى الصفعة تلو الأخرى في إفريقيا، كان آخرها الصفعة التي وجهتها لها جمهورية بوركينا فاسو، قبل يومين، حيث طالبت الأخيرة فرنسا بمغادرة أراضيها وسحب قواتها العسكرية منها، في إجراء مماثل لما قامت به جمهورية مالي مؤخراً.

ومنذ منتصف العام الماضي 2022، تتوالى احتجاجات هنا وهناك غربي إفريقيا ووسطها رفضا لسياسات فرنسا وممارساتها في مستعمراتها الإفريقية السابقة.

حكومة بوركينا فاسو طاليت، يوم السبت الماضي، بشكل رسمي، القوات الفرنسية المتواجدة على أراضيها بمغادرة البلاد في غضون شهر.

وكانت سلطات بوركينا فاسو قد نددت، الأسبوع الماضي، بالاتفاق الموقع عام 2018 والذي ينظم وجود القوات المسلحة الفرنسية على أراضيها.

مراقبون رأى أن بعض التوتر بين الطرفين نابع من تصورات أن الوجود العسكري الفرنسي في بوركينا فاسو لم يؤد إلى تحسين الأمن، علما أن حشودا غاضبة سبق أن استهدفت مقرات السفارة الفرنسية والمركز الثقافي الفرنسي، إضافة إلى قاعدة عسكرية فرنسية في هناك.

وحول ذلك، قال المحلل السياسي محمود علوش لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “هذه التطورات تشير إلى مشكلة تواجه النفوذ الفرنسي في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، وهناك حالة من تراجع للدور الفرنسي في هذه المنطقة بشكل كبير، ونشهد هذا الأمر في بوركينا فاسو وفي مالي مؤخرا، وأيضا هناك ما يمكن أن نسميه انحساراً للنفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي”.

وأضاف علوش “بالمقابل نشهد تصاعدا لأدوار قوى دولية أخرى مثل روسيا وتركيا، حيث تقوم الدولتان بالظهور تنافسا مع فرنسا ووجودها في القارة الإفريقية”.

وأعرب عن اعتقاده بأن “هذه التحولات تشير إلى حقبة جديدة يدخلها الصراع الدولي على القارة الأفريقية، عنوانها الأبرز انحسار لدور فرنسا التاريخي في هذه المنطقة، بمقابل صعود لأدوار قوى دولية أخرى”.

ورأى أن هذا الأمر من شأنه أن “يؤثر على خيارات الدول الأفريقية بما يتعلق بالسياسات الخارجية مع العالم، إذ نشهد أن هناك ميلاً متزايداً بين الدول الأفريقية إلى بناء شراكات خارجية جديدة خارج السياق التقليدي الذي كان متبعاً خلال العقود الماضية”.

وزاد علوش بالقول إن” هذا بطبيعة الحال يشير إلى أنه لم يعد بإمكان فرنسا أن تلعب الدور الذي لعبته في أفريقيا على مدى عقود سواء خلال في فترة الاستعمار أو بعد فترة الاستعمار، وأيضاً يشير إلى تراجع في الدور الفرنسي في السياسة الخارجية”.

وفي جمهورية مالي، ورغم الترحيب الذي لقيته القوات الفرنسية عند وصولها إلى مالي قبل تسعة أعوام، إلا أن العلاقات توترت منذ ذلك الحين.

فقد زاد عدد الهجمات الإرهابية في البلاد بشكل مطرد، وكذلك عدد الماليين المنضمين إلى الجماعات المتمردة.

وفي السنوات التسعة الماضية، انتشر تهديد المتطرفين أيضا إلى دول أخرى مثل بوركينا فاسو والنيجر، حيث شن المتمردون غارات في المنطقة من قواعدهم في الصحراء الكبرى، وبات يشعر العديد من السكان المحليين أنه كان ينبغي على فرنسا، كقوة عسكرية متقدمة، أن تكون قادرة على حل مشكلة الإرهاب، وأن عليها المغادرة إذا لم تستطع فعل ذلك، في حين وصف البعض وجود قوات من القوة الاستعمارية السابقة أنه “احتلال”.

وفي وقت سابق من العام الماضي، قررت حكومة مالي، طرد السفير الفرنسي جويل ماير، ومنحه 72 ساعة لمغادرة الدولة الواقعة غربي إفريقيا، على خلفية تصريحات مسؤولين فرنسيين وُصفت بـ”العدائية“.

 وصعّد رئيس وزراء مالي الانتقالي تشوغويل كوكالا مايغا، لهجته ضد فرنسا المتهمة بالسعي إلى تقسيم الشعب المالي واستغلال المنظمات الإقليمية الفرعية والحفاظ على سلوكها الاستعماري.

الجدير ذكره، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعد بـ”سياسة إفريقية جديدة” خلال الحملة الانتخابية عام 2017. ووفقًا لذلك، ستكون باريس الآن شريكًا استراتيجيًا للقارة السمراء، وستعمل على تطوير علاقات مبنية على أساس المكاسب العادلة والمتبادلة معها”، إلا أن تلك الوعود ظلت بالنسبة للبلد الأوروبي حبرا على ورق، حسب مراقبين.

من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “ما فعلته بوركينا فاسو لن يكون الأخير”، متوقعاً أن “تحذو عدة دول أفريقية حذو واغادوغو (عاصمة بوركينا فاسو) وتقوم بطرد القوات الفرنسية من أراضيها”.

وأضاف أن “فرنسا تمتص دماء الشعوب الفرنسية وتستنزف ثرواتها، وأن الاحتلال الفرنسي للدول الأفريقية لا زال قائماً ولكن بصورة جديدة هي الاستعمار غير المباشر، وذلك عبر حكام مستبدين تابعين لباريس، فقد منحت فرنسا الدول الأفريقية التي احتلتها الاستقلال مقابل شروط واتضح حتى الآن أن بعض الشروط خطيرة جدًا”.

وتابع إبراهيم أن من “أهم تلك الشروط وضع نسبة 85% من مدخولات هذه الدول تحت مراقبة البنك المركزي الفرنسي، حيث وصف الرئيس الفرنسي السابق ديغول أنها نوع من المقابل للبنية التحتية التي يزعم احتلال الفرنسي تشييدها، في حين تشير التقارير إلى أن فرنسا تجلب بموجب هذا الاتفاق قرابة 500 مليار دولار كل عام بينما يعيش الأفارقة تحت وطأة الفقر والجوع والأمراض والتخلف”.

ومضى قائلا إن “باريس تجعل قادة  جيوش الدول الأفريقية – التي تتواجد فيها والتي كانت محتلة في الماضي من فرنسا – تجعلهم تابعين لباريس  بطرق ووسائل مختلفة، منها تدريب ورشوة قادة تلك الجيوش لكي يسهلوا لفرنسا سلب خيرات تلك الدول الأفريقية، وذلك يفسر تواجد احتياطي كبير من الذهب لدى باريس رغم أنه لا يوجد أي مناجم للمعدن الأصفر في الأراضي الفرنسية”.

وذكر أن “فرنسا لا زالت تعامل الدول الأفريقية التي كانت مستعمرات في الماضي على أنها لا زالت مستعمرات لباريس، كما أن لدى باريس وزارة حتى اليوم تسمّى وزارة المستعمرات القديمة، فتتعامل مع أفريقيا إلى اليوم على أنها مجالها الحيوي، ومستعدة في أيّ لحظة للتدخل بالسلاح لإسقاط أنظمة وتنصيب أخرى؛ دفاعًا عن نهبها للقارة الأفريقية”.

واختتم إبراهيم حديثه بـ”مطالبة الشعوب الإفريقية بإنهاء الاحتلال غير المباشر الذي يفوق في ضرره الاستعمار المباشر، لأن الشعوب تجهل أضرار الاستعمار غير المباشر، وهو ما يجب أن تفطن له غالبية الشعوب الإفريقية”.

يشار إلى أن إدارة ماكرون عانت في السنوات الأخيرة من إخفاقات كبيرة في إفريقيا، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب، وكذلك السياسة والاقتصاد. ونتيجة لذلك، بدأت المستعمرات الفرنسية السابقة التي سُحقت تحت السياسات الاستعمارية لباريس لسنوات عديدة، في إظهار عدم رضاها عن تلك السياسات من خلال الاحتجاجات الشعبية ومحاولات الانقلاب.

ومنذ عام 1960، أجرت فرنسا أكثر من 60 تدخلا عسكريا في إفريقيا، وبلغ وجودها العسكري في القارة قرابة 8700 جندي في 2019، بما في ذلك القوات والوحدات الدفاعية والقوات الخاصة.

ويرى مراقبون أن الساحة الإفريقية سوف تكون في الفترة المقبلة مسرحا للمزيد من الجهات الفاعلة وصراعات النفوذ.

“وبالرغم من جلاء الاستعمار الفرنسي عن الكثير من الدول في القارة السمراء إلاّ أن هناك 14 دولة إفريقية ملزمة عن طريق اتفاق استعماري على وضع ما يقارب 85 بالمائة من احتياطاتها الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي تحت سيطرة الوزير الفرنسي للرقابة المالية، وحتى الآن توجد حوالي 13 دولة أخرى ملزمة بدفع ديون تلك الفترة الاستعمارية، ومن يرفض من رؤساء تلك الدول ذلك يتم اغتيالهم أو يصبحون ضحايا لانقلابات عسكرية مدبرة من طرف المخابرات الفرنسية”، وفق مراقبين.

زر الذهاب إلى الأعلى