تقاريرسياسةهام

تركيا وخيارات مواجهة مقترح ترامب حول تهجير سكان غزة (تقرير)

في ظل التصعيد المتعلق بالقضية الفلسطينية، برز مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مقترحه بتهجير سكان غزة كواحد من أكثر القضايا إثارة للجدل على الساحة الدولية.

المقترح الذي يهدف إلى نقل نحو مليوني فلسطيني من قطاع غزة إلى أماكن أخرى، أثار ردود فعل غاضبة على المستويين الإقليمي والدولي، لا سيما في تركيا التي تعتبر واحدة من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية.

وحسب مراقبين، فإن هذا المقترح ليس جديدًا تمامًا، بل يأتي في سياق سياسات ترامب السابقة التي استهدفت تغيير معالم القضية الفلسطينية بشكل جذري.

ولفهم مقترح ترامب الحالي، يجب العودة إلى ما يُعرف بـ”صفقة القرن”، وهي خطة أعلنها ترامب في كانون الثاني/يناير 2020، والتي اعتبرت بمثابة محاولة لإعادة تعريف الحل النهائي للصراع الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث كانت الخطة تميل بشدة لصالح الاحتلال الإسرائيلي، حيث أعطت الضوء الأخضر لضم الأراضي الفلسطينية، واعتبرت القدس عاصمة موحدة للاحتلال الإسرائيلي، وفرضت قيودًا كبيرة على السيادة الفلسطينية.

ومع ذلك، لم يتوقف ترامب عند هذا الحد، بل وفي خطوة تصعيدية جديدة بدأ الحديث عن فكرة تهجير الفلسطينيين من غزة، حيث طرح ترامب فكرة أن يتم نقل سكان القطاع إلى دول عربية مثل مصر والأردن، أو حتى إلى دول أخرى خارج المنطقة. وكان الهدف المعلن هو تحويل غزة إلى “مدينة حديثة”، لكنه في الواقع كان يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء أي مطالب بحق العودة أو إقامة دولة مستقلة.

وفي هذا السياق، أكد الإعلامي الفلسطيني فايز أبو عيد في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، أن “تركيا، التي لطالما كانت صوتًا قويًا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، لم تتوانَ عن إعلان رفضها الواضح والصريح لهذا المقترح”.

وأشار إلى أن “الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شدد خلال مؤتمر صحفي أن (لا أحد يقدر على إخراج فلسطيني غزة من وطنهم الأبدي والخالد منذ آلاف السنين)، كما أكد أردوغان أن الحل الوحيد للأزمة هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، بما في ذلك إقامة دولة فلسطينية مستقلة”.

وأضاف أبو عيد “كما جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لتؤكد موقف تركيا الرافض لأي خطوات تستهدف تشريد الفلسطينيين، حيث وصف فيدان المقترح أنه (غير مقبول)، مشيرًا إلى أنه (مضيعة للوقت)، ومؤكدًا أن تهجير الفلسطينيين يمثل تهديدًا للسلام الإقليمي والعالمي”.

ولفت أبو عيد إلى أن “فيدان أكد على أهمية حل القضية الفلسطينية عبر إطار (حل الدولتين)، وهو الخيار الذي تحظى به دعم دولي واسع”.

من جانبه، قدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد العربي قراءة عميقة للمشهد الدولي والإقليمي، موضحًا في حديثه لـ”وكالة أنباء تركبا” كيف يعكس مقترح ترامب هيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقال العربي إن “العالم كله يعيش مشكلة تنمر أمريكا وهيمنتها على العالم، والتي تم كبح جماحها أيام الاتحاد السوفييتي، لكن بعد انهياره، أصبحت أمريكا القائد الأوحد بقوتها الناعمة والعسكرية، ومع ذلك، كان كل ذلك يتم إدارته بعقل سياسي يزاوج بين الدبلوماسي المعلن والمستور والعسكري إذا لزم الأمر”.

لكن مع وصول ترامب إلى السلطة، اختلفت المعادلة، وهنا يضيف العربي أن “ترامب يتصرف وكأنه ليس فقط حاكم العالم بل مالكه أيضًا”.

واستعرض العربي تاريخ الصراع، مشيرًا إلى أن “المشروع الصهيوني وبناء دولة إسرائيل في فلسطين كان دائمًا مدعومًا من قبل الولايات المتحدة، سواء في الحروب ضد الدول العربية أو في تشريد الفلسطينيين”.

وأشار العربي إلى أن “المقاومة الفلسطينية، خاصة من قبل حركة (حماس) في غزة، استمرت في التصدي للسياسات الإسرائيلية بكل الوسائل المتاحة”.

وتابع “آخر أفعال المقاومة كانت العمليات الجسورة والشجاعة لـ(حماس) في غزة قبل أكثر من سنة، والتي كسرت كبرياء وعنجهية الصهاينة وأمريكا خلفهم”.

وعلى الرغم من حرب الإبادة التي تعرض لها القطاع، إلا أن الفلسطينيين لم يستسلموا، ولم يحقق الصهاينة أي انتصار حاسم، حسب العربي.

ووفقًا للعربي، فإن مقترح ترامب يعكس “جنونًا سياسيًا” لا يمكن قبوله، مؤكدا أن “العالم بأسره رفض الفكرة، حيث كان هناك توافق دولي على ضرورة حل الدولتين في فلسطين، كما رفضت الدول العربية، وخاصة الأردن ومصر، فكرة تهجير الفلسطينيين، رغم محاولات ترامب إحراج هذه الدول من خلال تهديدها بقطع المساعدات إذا لم توافق على استقبال اللاجئين الفلسطينيين”.

وزاد قائلا “أما تركيا، فكانت جزءًا من تحالف إقليمي ودولي يضم الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى دول أوروبية مثل الصين وروسيا، جميعها ترفض هذا الحل المجنون”.

واعتبر العربي أن “هذا المقترح لن يمر.. والسياسة الحقيقية لا تدار بهذه الطريقة غير الواقعية وغير الأخلاقية”.

ومع تزايد الحديث عن احتمالية عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت الأوساط السياسية تتساءل عما إذا كان الرئيس الأمريكي سيعيد طرح مقترحه بشكل مختلف.

وفي هذا الصدد أعرب العربي عن اعتقاده أن “ترامب قد يحاول التراجع عن بعض النقاط لاحقًا”، مشددا أن “هذا النوع من السياسات غير المسؤول لن يكون له مكان في المستقبل ليس هكذا تكون السياسة”.

وأكد مراقبون أن تركيا، بوصفها دولة ذات ثقل إقليمي ودولي، لم تكتفِ فقط بإعلان رفضها للمقترح، بل اتخذت خطوات عملية لمواجهته، ومن خلال استخدام أدواتها الدبلوماسية، عملت أنقرة على توحيد المواقف الدولية ضد أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، كما استخدمت منابر الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي لتعزيز موقفها، وحشدت الدعم الدولي لصالح الحقوق الفلسطينية.

وفي ظل هذه التطورات، تبقى تركيا واحدة من أبرز الأطراف المؤثرة في مواجهة أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

وبفضل موقفها الثابت والداعم للقضية الفلسطينية، تعزز تركيا دورها كقوة إقليمية ودولية تسعى لتحقيق العدالة والسلام في المنطقة.

وكالة أنباء تركيا

وكالة إخباريــة تركيــة ناطقــة باللغــة العربيــة.
زر الذهاب إلى الأعلى