كيف يمكن لسوريا الاستفادة من التجربة التركية في الأمن والدفاع والتعليم والاقتصاد؟ (تقرير)

تشهد العلاقات بين تركيا وسوريا الجديدة تطورات ملحوظة، حيث تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى الاستفادة من الخبرات التركية في عدة مجالات حيوية لإعادة بناء البلاد بعد سنوات من الحرب.

وبفضل الحدود المشتركة التي تمتد على مسافة تزيد عن 900 كيلومتر، والتاريخ الطويل من العلاقات بين البلدين، تبرز تركيا كشريك استراتيجي رئيسي في دعم إعادة الإعمار والاستقرار في سوريا.

العلاقات التركية السورية.. أسس تاريخية ومصالح مشتركة

تتمتع تركيا وسوريا بعلاقات تاريخية تمتد لقرون، وتطورت هذه العلاقات بشكل كبير منذ بداية الثورة السورية عام 2011.

فقد قدمت تركيا دعماً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً للشعب السوري، حيث استضافت أكثر من 4 مليون لاجئ سوري، ودعمت المعارضة السورية السياسية والعسكرية.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد المخلوع في كانون الأول/ديسمبر 2024، برزت تركيا كلاعب رئيسي في دعم الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع، مع التركيز على إعادة بناء الدولة السورية وتعزيز استقرارها.

الكاتب والمحلل السياسي مأمون سيد عيسى، قال في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، إنه “أولاً يجب أن نؤكد أن العلاقات بين الشعبين التركي والسوري تمتد لمئات السنين، وتركيا وقفت ولا تزال إلى جانب الشعب السوري منذ عام 2011 وحتى الآن، ونؤكد على وجود مصالح مشتركة بين الدولتين في الوقت الحاضر والمستقبل”.

وأضاف أن “تركيا تمتلك إمكانيات كبيرة يمكنها توظيفها لدعم إعادة الإعمار والاستقرار في سوريا بعد الحرب، خاصة مع وجود حدود مشتركة تمتد لمئات الكيلومترات بين البلدين، حيث يمكن أن تلعب دوراً مهماً في عدة مجالات”.

وتابع سيد عيسى أنه “يمكن أن تساعد تركيا في إعادة بناء الأجهزة الأمنية والجيش السوريين، وتقديم تدريب وخبرات لتعزيز الاستقرار والأمن وتسهيل التعاون في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود المشتركة، ودعم جهود المصالحة الوطنية والحفاظ على السلام داخل سوريا، ويمكن أن تلعب الاستثمارات التركية في سوريا دوراً مهماً في تشغيل المصانع والشركات وتسهيل التجارة عبر الحدود، وتقديم الدعم الفني والتقني للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والأهم المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المدن والقرى المدمرة أو المتضررة وإعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية، فلدى تركيا شركات ذات خبرات عالمية في مشاريع الإسكان، الطرق، والمرافق العامة”.

الأمن والدفاع.. بناء جيش سوري حديث بدعم تركي

تُعد تركيا رائدة في مجال الأمن والدفاع، حيث طورت صناعات دفاعية متقدمة، خاصة في مجال الطائرات المسيرة مثل “بيرقدار” التي أثبتت فعاليتها في نزاعات عديدة.

وفي سياق التعاون مع سوريا، أعلنت وزارة الدفاع التركية في كانون الثاني/يناير 2025 عن زيارة وفد عسكري إلى دمشق لمناقشة قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، مع التأكيد على إعداد خارطة طريق مشتركة لتحسين قدرات الجيش السوري.

كما أرسلت تركيا قافلة عسكرية إلى مطار منغ شمالي حلب في آذار/مارس 2025، مع خطط لإنشاء قواعد عسكرية مشتركة.

تشير تقارير إلى أن تركيا قد تزود الجيش السوري بمنتجات دفاعية تركية متطورة، وتوفر مستشارين عسكريين لإعادة هيكلة الجيش السوري بعد انهيار الجيش السابق الموالي للأسد المخلوع.

ويُنظر إلى هذا التعاون كوسيلة لتعزيز الأمن القومي السوري ومكافحة التهديدات، خاصة من التنظيمات الانفصالية مثل PKK الإرهابي وPKK/PYD الإرهابي.

الباحث الاقتصادي محمد غزال، قال في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “تركيا رائدة في مجال الأمن والدفاع، خاصة في الطائرات المسيرة، الاتصالات، والتشفير، ويمكن أن تسهم الخبرات التركية في تدريب الكوادر السورية، مما يوفر وقتاً كبيراً ويحقق نقلة نوعية في التخطيط العسكري وترتيب الجيش السوري، فتركيا تمتلك شركات رائدة في هذا القطاع، ومنتجاتها مثل مسيرات ‘بيرقدار’ حققت شهرة عالمية، حيث أحدثت نقلة نوعية في نزاعات مثل الحرب الروسية على أوكرانيا”.

التعليم.. سد الفجوة التعليمية

في مجال التعليم، وقّعت سوريا وتركيا في أيار/مايو الجاري اتفاقية تعاون تشمل الاعتراف المتبادل بالمؤهلات الجامعية، وإطلاق مشروع الجامعة التركية السورية في دمشق، وتقديم دعم فني لتطوير البنية التحتية المعلوماتية في الجامعات السورية.

وتستضيف تركيا حالياً نحو 40 ألف خريج سوري و16 ألف طالب سوري، ما يجعلها قاعدة قوية لنقل الخبرات التعليمية إلى سوريا.

وتتميز تركيا بنظام تعليمي متقدم، خاصة في مجال التعليم العالي، حيث أدخلت إصلاحات كبيرة عليه منذ عام 2002، ما ساعد في تطوير المناهج وتحسين جودة التعليم. يمكن لسوريا الاستفادة من هذه التجربة لسد الفجوة التعليمية الناتجة عن سنوات الحرب، من خلال فتح فروع للجامعات التركية في سوريا، وتفعيل برامج تبادل للكوادر التدريسية.

وقال غزال، إن “تركيا رائدة في التعليم، حيث تستضيف عدداً كبيراً من الطلاب السوريين في جامعاتها، ومن الضروري فتح فروع للجامعات التركية في سوريا لمواكبة التعليم الحديث، خاصة أن هناك فجوة زمنية تعليمية بين سوريا وباقي الدول، إذ أن التجربة التركية في التعليم، خاصة في النظام المهني والتطبيقي، يمكن أن تساعد في تقليص هذه الفجوة”.

الاقتصاد.. شراكات لإعادة الإعمار

اقتصادياً، تُعد تركيا إحدى الدول العشرين الأكبر في العالم، حيث تمتلك اقتصاداً متنوعاً يعتمد على الزراعة، الصناعة، والتصدير.

وقد وقّعت سوريا وتركيا اتفاقيات تجارة حرة منذ عام 2004، مما ساهم في زيادة حجم التجارة بينهما إلى 2.3 مليار دولار بحلول عام 2010.

ومع بدء مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، يمكن للاستثمارات التركية أن تلعب دوراً مهماً في تشغيل المصانع، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية.

كما يمكن لسوريا الاستفادة من التجربة التركية في إدارة السياسات النقدية والمالية، خاصة من خلال تدريب الكوادر السورية على أدوات السياسة النقدية في البنك المركزي التركي، الذي يتمتع باستقلالية نسبية مقارنة بالنظام السوري السابق.

وأوضح غزال أن “تركيا إحدى الدول العشرين الكبرى اقتصادياً، وهي تنتج، تزرع، وتصدر، وإنشاء شراكات اقتصادية بين سوريا وتركيا أمر بالغ الأهمية، خاصة من خلال بناء مؤسسات اقتصادية مستفيدة من التجربة التركية في البنك المركزي ووزارة الخزانة، إضافة إلى أن تدريب الكوادر السورية على أدوات السياسة النقدية والمالية يمكن أن يحدث نقلة نوعية في الاقتصاد السوري”.

العمران.. إعادة بناء المدن السورية

وفي مجال العمران، أثبتت تركيا كفاءتها في إعادة الإعمار بعد كارثة الزلزال عام 2023، حيث طورت نماذج حضرية مقاومة للزلازل، وأنشأت مجمعات سكنية حديثة، وقللت الضغط على المدن الكبرى من خلال التخطيط الحضري المنظم.

ويمكن لسوريا الاستفادة من هذه التجربة لإعادة بناء مدنها المدمرة، مثل حلب وحمص، من خلال التعاون مع شركات تركية متخصصة في الإسكان، الطرق، والمرافق العامة.

وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تغريدة على حسابه في منصة “إكس” في شباط/فبراير 2025، استعداد تركيا لتقديم الدعم اللازم لإعادة إعمار المدن المدمرة والبنية التحتية الحيوية في سوريا.

وشدد غزال أن “تركيا أحدثت نقلة نوعية في التخطيط الحضري بعد زلزال 2023، من خلال إنشاء مجمعات سكنية مقاومة للزلازل، وتطوير البنية التحتية، والانتقال من العشوائية إلى التنظيم. يمكن لسوريا الاستفادة من هذه التجربة لإنشاء مجمعات سكنية بتعاون سوري تركي، مما يساعد في تسريع إعادة الإعمار وتقليل الضغط على المدن الكبرى”.

يمثل التعاون بين تركيا وسوريا الجديدة فرصة تاريخية لإعادة بناء سوريا على أسس متينة، مستفيدة من الخبرات التركية في الأمن، التعليم، الاقتصاد، والعمران.

ومع وجود حدود مشتركة ومصالح استراتيجية، يمكن لهذا التعاون أن يعزز الاستقرار الإقليمي، ويسهم في عودة سوريا كدولة قوية ومستقرة، ومع ذلك، يتطلب تحقيق هذه الأهداف تنسيقاً دبلوماسياً دقيقاً لتجنب التحديات الإقليمية والدولية، حسب مراقبين.

Exit mobile version