
تُعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تركيا ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان في أيار/مايو 2025 حدثًا بارزًا في مسار العلاقات السورية التركية، خاصة بعد رفع العقوبات الغربية عن سوريا بعيد سقوط نظام الأسد المخلوع في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وجاءت الزيارة في توقيت حساس، وسط تصاعد التحديات الإقليمية وتحولات السياسة الدولية.
المحاور الرئيسية على طاولة النقاش
واستنادًا إلى التصريحات والتسريبات الرسمية وغير الرسمية، تناولت الزيارة 4 محاور رئيسية: التعاون الأمني، عودة اللاجئين، إعادة الإعمار، والتطبيع السياسي.
- التعاون الأمني والعسكري
ناقش الطرفان تعزيز التنسيق الأمني، خاصة في مواجهة الجماعات المسلحة شمالي سوريا.
حضر اللقاء وفد سوري رفيع المستوى ضم وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ووزير الخارجية أسعد الشيباني، إلى جانب مسؤولين أتراك مثل وزير الخارجية هاكان فيدان ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالن.
وركزت المباحثات على ملف تنظيم PKK/PYD الإرهابي، ودراسة إنشاء قواعد عسكرية تركية في سوريا، بما في ذلك قاعدة محتملة في تدمر لتعزيز الدفاع الجوي ضد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، كما تم بحث التصدي للتهديدات الإرهابية المتبقية، مثل تنظيم “داعش” الإرهابي.
- عودة اللاجئين السوريين
يُعد ملف اللاجئين أولوية ملحة لتركيا، التي تستضيف نحو 4 مليون لاجئ سوري.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة الصادرة في أيار/مايو 2025، عاد أكثر من مليون لاجئ منذ بداية العام، مع توقعات، حيث ناقش الشرع وأردوغان تحديات تأمين الخدمات الأساسية في مناطق العودة، مثل حلب وإدلب، وضرورة استقرارها الأمني لضمان عودة طوعية آمنة.
- إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي
رفع العقوبات الغربية في أيار/مايو 2025 فتح الباب أمام فرص اقتصادية واسعة، حيث تسعى الشركات التركية لقيادة مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، خاصة في البنية التحتية والطاقة.
وشهدت الزيارة لقاءات مع نائب الرئيس التركي جودت يلماز ووزير المالية محمد شيمشك، إلى جانب زيارة الشرع إلى مصنع أسلحة تركي، ما يعكس اهتمامًا بتعاون دفاعي واقتصادي، حيث أحمد الشرع أكد رغبة دمشق في استفادة سوريا من الخبرة التركية في التنمية.
- إعادة التطبيع السياسي
هدفت الزيارة إلى إعادة رسم خارطة النفوذ شمالي سوريا عبر ترتيبات سياسية جديدة.
وأكد أردوغان على دعم تركيا لوحدة الأراضي السورية، مشددًا على إدارة سوريا من مركز واحد، كما رحب بقرار رفع العقوبات.
وقال الباحث المساعد في مركز حرمون للدراسات المعاصرة براهيم خولاني في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تركيا تكتسب أهمية استثنائية لاعتبارات عدة، فهي تأتي في لحظة مفصلية إقليميًا ودوليًا بعد قرار رفع العقوبات الغربية عن دمشق، وتُعد أول زيارة بهذا المستوى منذ عقد من التوتر بين أنقرة ودمشق”.
وتابع أن “الملفات التي كانت على الطاولة، بحسب ما رشح من التسريبات الرسمية وغير الرسمية، تشمل أربعة محاور رئيسية: أولًا، تعزيز التعاون الأمني ولا سيما في ملف الجماعات المسلحة شمالي سوريا، وهو ملف حساس للطرفين؛ ثانيًا، ملف إعادة اللاجئين السوريين الذي يُعد أولوية متزايدة في الداخل التركي؛ ثالثًا، سبل مشاركة الشركات التركية في مشاريع إعادة الإعمار، خاصة في قطاعي البنية التحتية والطاقة؛ ورابعًا، إعادة تطبيع العلاقات السياسية بما يعيد رسم خارطة النفوذ في شمالي سوريا بترتيبات جديدة”.
وأضاف أن “ما يميز هذه الزيارة عن سابقاتها ليس فقط مستواها السياسي الرفيع، بل التوقيت والسياق الدولي؛ فأنقرة اليوم تبحث عن توازن جديد في سياساتها الخارجية وسط تصاعد التنافس الدولي في الإقليم، ودمشق من جهتها تعود تدريجيًا إلى المشهد الدولي عبر مسارات سياسية مدعومة عربيًا ودوليًا”.
وتابع أن “وراء هذه الزيارة رغبة متبادلة في بناء مقاربة تتجاوز الحسابات الأيديولوجية القديمة، وتفتح الباب لتفاهمات عملية على الأرض، سواء في ما يخص ملف الأكراد، أو عودة اللاجئين، أو تقاسم الفرص الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب”.
لماذا تختلف هذه الزيارة عن سابقاتها؟
تتميز زيارة أيار/مايو 2025 عن الزيارتين السابقتين للشرع في شباط/فبراير ونيسان/أبريل 2025 بالجوانب التالية:
- التوقيت الحساس: تزامنت الزيارة مع قرار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رفع العقوبات عن سوريا في 26 أيار/مايو 2025، وهو ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كخطوة لدعم استقرار سوريا، وهذا القرار فتح آفاقًا لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
- المستوى الرفيع للوفود: رافق الشرع وفد أمني واقتصادي بارز، بينما ضم الجانب التركي مسؤولين كبارًا، مما يعكس طابعًا شاملًا للمباحثات، كما يؤكد العمر حضور قادة عسكريين واقتصاديين في الاجتماعات.
- السياق الإقليمي: جاءت الزيارة وسط تصعيد من الاحتلال الإسرائيلي في سوريا، حيث استهدفت غارات جوية مواقع في دمشق وحمص وحماة في الأسابيع الأخيرة، في حين وصف أردوغان هذه الانتهاكات بـ”غير المقبولة”، معززًا التنسيق العسكري مع دمشق.
- اللقاء الأمريكي: على هامش الزيارة، التقى الشرع بالمبعوث الأمريكي توماس باراك لبحث دعم واشنطن لإعادة بناء سوريا، وهو أول لقاء مباشر من نوعه، مما يعكس انفتاح دمشق على الحوار مع الغرب.
وقال المحلل السياسي عبد الكريم العمر في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “لهذه الزيارة أهمية كبيرة خاصة أنها جاءت بعد رفع العقوبات عن سوريا نهائيًا من قبل الأمم المتحدة وأوروبا، إضافة إلى ترتيبات داخلية تعمل عليها الإدارة السورية والقيادة السورية مع شمال شرقي سوريا، والمفاوضات التي تجري بهذا الخصوص”.
وأضاف أن “الوفد الذي رافق الرئيس أحمد الشرع كان وفدا أمنيا كبيراً يمثل مكتب الأمن القومي أو مجلس الأمن القومي، كما أن الاجتماعات التي عقدت مع الرئيس أردوغان كانت بحضور قادة عسكريين ثم مع قادة الملف الاقتصادي في تركيا، أي مع نائب الرئيس التركي ومع رئيس المصرف المركزي التركي، إضافة إلى زيارة أجراها الشرع إلى مصنع للدبابات ولقاءه مع مسؤول الدفاعات أو مسؤول الأسلحة في تركيا”.
وزاد بالقول “لذلك الزيارة كانت عسكرية سياسية اقتصادية بحثت ملفات مهمة جدا وحساسة، وخاصة الملفات الأمنية والسياسية والعسكرية وأهمها ملف شرقي سوريا”.
ما وراء الزيارة؟
تكشف الزيارة عن رغبة متبادلة في بناء تحالف إقليمي يعزز استقرار سوريا وتركيا، إذ أن أنقرة ترى في استقرار سوريا جزءًا من أمنها القومي، خاصة مع التحديات الأمنية مثل ملف PKK/PYD الإرهابي والانتهاكات الإسرائيلية، في حين أن دمشق، من جانبها، تسعى لتعزيز شرعيتها الدولية عبر تحالفات إقليمية، مستفيدة من دعم تركيا المستمر.
كما تسعى تركيا لملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني بعد سقوط الأسد المخلوع، مع تعزيز دورها كلاعب إقليمي رئيسي، حسب مراقبين.
ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خاصة مع استمرار التوترات مع الاحتلال الإسرائيلي والتنافس الدولي في الإقليم.
كما أن نجاح عودة اللاجئين يعتمد على استقرار المناطق السورية، وهو ما يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين أنقرة ودمشق.
ويؤكد مراقبون على أهمية الزيارة في سياق إقليمي ودولي متغير، ومع استمرار التحديات الإقليمية، ستكون هذه الشراكة حاسمة لتحقيق الاستقرار في سوريا والمنطقة.







