خلال الأسبوع الماضي زعمت تقارير نشرتها هيئة البث التابعة للاحتلال الإسرائيلي أن “العلاقات بين تركيا وسوريا، التي بدت متماسكة بعد سقوط نظام الأسد المخلوع وتولي أحمد الشرع قيادة المرحلة في دمشق، بدأت تشهد توترات خفية قد تتفاقم إلى صدام مستقبلي”.
في المقابل، يرى محللون سياسيون أن هذه التقارير قد تكون جزءًا من استراتيجية إسرائيلية للحرب النفسية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في العلاقة الاستراتيجية بين أنقرة ودمشق.
ووفقًا لمزاعم هيئة البث الإسرائيلية، فإن “التوترات بين تركيا وسوريا بدأت تظهر بعد فترة شهر العسل، حيث كانت العلاقات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع تتسم بالتفاهم والتعاون”.
وتدّعي التقارير الإسرائيلية أن “هذه التوترات تُدار حاليًا بهدوء، لكنها تحذر من أن الاختلافات في المصالح بين أردوغان والشرع قد تؤدي إلى صدام مستقبلي إذا لم يتم معالجتها بعناية”.
وفي هذا السياق، قال رشيد حوراني، الباحث في الشأن السياسي والعسكري، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “المزاعم الإسرائيلية حول وجود خلافات مستقبلية بين تركيا وسوريا لا يمكن اعتبارها إلا جزءًا من استراتيجية الحرب النفسية التي تمارسها إسرائيل بانتظام”.
وأضاف أن “هذه المزاعم تهدف إلى إثارة البلبلة داخل المجتمع العربي، وخاصة السوري، في محاولة لزرع الشكوك بين الحليفين”.
ولفت حوراني إلى أن “الدور التركي في دعم استقرار سوريا بات واضحًا، خاصة مع نجاح أنقرة في الحد من الاعتداءات الإسرائيلية على جنوبي سوريا منذ سقوط النظام السابق، وبالتالي فإن هذا النجاح وضع إسرائيل في موقف حرج، مما دفعها إلى اللجوء إلى الحرب النفسية لخلخلة العلاقة القوية بين سوريا وتركيا”.
ورأى أن “العلاقة الاستراتيجية بين تركيا وسوريا، القائمة على مصالح مشتركة ومواقف متقاربة، تبقى صلبة وقادرة على تجاوز هذه المحاولات.”
وتشهد العلاقات التركية السورية تطورًا ملحوظًا منذ سقوط نظام الأسد المخلوع في كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث لعبت تركيا دورًا محوريًا في دعم المعارضة السورية وإقامة مناطق آمنة للمدنيين.
وقد عززت الزيارات الثلاثة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى تركيا هذا التعاون، حيث أكد الشرع على بناء “شراكة استراتيجية مع تركيا لمواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة، بما في ذلك الضغط على إسرائيل للانسحاب من المنطقة العازلة جنوبي سوريا”.
من جهته، تعهد أردوغان بدعم القيادة السورية الجديدة، مشددًا على أهمية وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
كما أشار إلى أن تركيا ستواصل تقديم الدعم الفني والسياسي خلال مرحلة إعادة بناء سوريا، مع التركيز على التعاون في مجالات الطاقة، الدفاع، والنقل.
وهذا التعاون تجلى أيضًا في لقاءات بين مسؤولي الدفاع في البلدين، حيث استقبل وزير الدفاع السوري مؤخرا وفدًا تركيًا برئاسة اللواء إلكاي آلتينداغ لمناقشة تعزيز التنسيق الأمني.
وقال زكريا ملاحفجي، المحلل السياسي في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “العلاقة بين تركيا وسوريا هي علاقة استراتيجية قائمة على التنسيق والتفاهم، ولا يمكن اعتبارها متوترة بالمعنى الحقيقي”.
وتابع أن “هناك شراكات واضحة بين مؤسسات البلدين، مثل التعاون بين شركة الطاقة والبلديات التركية مع نظيراتها في حلب، إضافة إلى دعم وزارة الدفاع التركية لبعض الفصائل المسلحة”.
وزاد ملاحفجي بالقول “كما أن تزويد سوريا بعدد من الآليات العسكرية، الذي تمت مناقشته في اللقاء الأخير بين الطرفين، يعكس مستوى التناغم والتنسيق. هذا المستوى من التعاون يظهر وضوح الرؤية المشتركة بين أنقرة ودمشق في هذه المرحلة، مما ينفي فكرة وجود توترات جوهرية”.
في المقابل، تشير التقارير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يعتبر النفوذ التركي المتزايد في سوريا تهديدًا استراتيجيًا، خاصة مع وجود قوات تركية قرب هضبة الجولان المحتلة.
وقد أعرب الاحتلال الإسرائيلي عن قلقه من دعم تركيا للجيش السوري الجديد التابع للحكومة السورية الجديدة، التي تعتبرها تهديدًا أمنيًا محتملاً.
كما أن الاحتلال الإسرائيلي، الذي كثف هجماته على مواقع عسكرية سورية بعد سقوط الأسد المخلوع، يواجه ضغوطًا من تركيا لوقف هذه العمليات، مما يعزز التوترات بينه وبين أنقرة، حسب مراقبين.
ويرى المحللون أن المزاعم الإسرائيلية تهدف إلى تحقيق عدة أهداف:
- محاولة لزرع الفتنة بين الحليفين: من خلال الترويج لفكرة وجود توترات، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى إضعاف التحالف التركي السوري، الذي يشكل تحديًا لمصالحها في المنطقة، خاصة في ظل دعم تركيا للقضية الفلسطينية وموقفها المناهض للتوسع الإسرائيلي في الجولان.
- صرف الانتباه عن التحديات الداخلية: يواجه الاحتلال الإسرائيلي انتقادات داخلية ودولية بسبب عملياته العسكرية في سوريا، وبالتالي قد يستخدم هذه التقارير لتحويل الأنظار عن هذه القضايا.
- التأثير على الرأي العام السوري: من خلال إثارة الشكوك حول نوايا تركيا، قد يحاول الاحتلال الإسرائيلي التأثير على الرأي العام في سوريا، خاصة في ظل الدعم الشعبي الذي تحظى به تركيا بفضل مواقفها خلال الثورة السورية.
وعلى الرغم من الادعاءات الإسرائيلية، تشير المؤشرات إلى أن العلاقات التركية السورية لا تزال قوية، فقد أكد الشرع في تصريحاته أن تركيا “صديقة للشعب السوري”، مشيدًا بدورها في دعم الثورة ومنع تقسيم سوريا.
كما أن لقاءات متكررة بين مسؤولين أتراك وسوريين، مثل زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالن إلى دمشق، أكدت على أهمية وحدة الأراضي السورية وتعزيز الاستقرار السياسي.
علاوة على ذلك، يرى مراقبون أن التعاون الاقتصادي والعسكري بين تركيا وسوريا، مثل خطط شركات النقل والتصنيع التركية للتوسع في سوريا، يعكس عمق العلاقة الاستراتيجية.
وتؤكد المؤشرات الحالية على قوة العلاقة بين أنقرة ودمشق، التي تستند إلى مصالح مشتركة وتنسيق وثيق، ما ينفي تلك الادعاءات والمزاعم التي يبثها الاحتلال الإسرائيلي عبر ماكيناته الإعلامية وأذرعه السياسية.