ركزت خطبة الجمعة، اليوم، في عموم مساجد تركيا على تحريم التعدي على المال العام، وحذّرت من عواقب الاستيلاء عليه في الدنيا والآخرة.
وأشار الخطيب إلى أن المال العام هو أمانة شرعية تمس كل فرد من أفراد الأمة، ويُحاسب عليها الإنسان أمام الله قبل الناس.
وأضاف أن الإسلام حرم “الغلول” بكل أنواعه، سواء كان في الأرض أو المال أو الدعم أو الخدمات العامة.
وأكدت الخطبة أن أي استغلال غير مشروع للموارد العامة أو التلاعب بها يُعد من الذنوب العظام، مهددةً بعذاب الله الموجع إن لم يتُب منه.
وجاء في خطبة الجمعة:
كان ذلك يوم فتح خيبر وقد حقق المسلمون في ذلك اليوم نصرا عظيما، وبعد النصر، بدأ الصحابة رضي ٱلله عنهم يذكرون الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الله، وذلك بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما ذكر ٱسم أحدهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلا إني رأيته في النار في بردة غلها”.
يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الشريف، إن التعدي على المال العام ذنب عظيم، قد يحول دون نيل مرتبة الشهادة، ولو مات الإنسان في سبيل الله.
إن المال العام هو من حقوق الله؛ إنه حق لله وأمانة أودعها الله في أعناقنا. والحفاظ على هذه الأمانة هو من مقتضيات الإيمان والإسلام، وإن خيانة المال العام ليست مجرد ظلم، بل هي نوع من أنواع الجور والعدوان.
أما المال العام، فهو مصلحة مشتركة تخص الأمة بأكملها، ولا يحق لأحد أن يتصرف فيه بشكل شخصي أو عبثي، فهو ليس حقا للأحياء فقط، بل هو أيضا حق للأجيال التي لم تولد بعد، ولليتامى الذين لم يشتد عودهم بعد، وللفقراء والمحتاجين والمساكين.
وقد سمى القرآن الكريم التعدي على أموال الدولة، والبلديات، والمؤسسات، والأوقاف، والجمعيات ب “الغلول”.
ومد اليد إلى هذه الأموال يعد ذنبا عظيما، يؤدي بصاحبه إلى الذل في الدنيا، وإلى عذاب أليم في الآخرة. وقد قال ربنا عز وجل في محكم كتابه “ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة”.
لنستحضر اليوم من جديد موقف ديننا الإسلامي العظيم من التعدي على المال العام، ذلك الأمر الذي يتكرر طرحه أحيانا في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وأحيانا في المنصات الرقمية، وأحيانا أخرى في أحاديث الناس ومجالسهم.
وجاء فيها أيضاً:
إن الاستيلاء على الأموال المنقولة أو غير المنقولة العائدة للخزينة العامة أو للأوقاف، أو للجمعيات، أو للمؤسسات والهيئات العامة، أو احتلالها، أو تغيير صفتها لتحقيق مكاسب غير مشروعة، إنما هو كمن يملأ بطنه بجمر من نار.
وقد جاء تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن واضحا جليا، إذ قال “لا يأخذن أحد شبرا من الأرض بغير حقه، إلا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين”.
إن استخدام إمكانيات الدولة لغير ما خصصت له، أو التسبب في تعطيل أو تأخير أعمال الناس، أو التقصير في أداء المهام الموكلة، كل ذلك ذنب وإثم عظيم.
كما أن التفرقة بين الناس في تقديم الخدمات العامة، وتقديم المحاباة للأقارب والمعارف، والانشغال بالمصالح الشخصية أثناء ساعات العمل الرسمي، هو خيانة للأمانة، واعتداء على الحقوق، ومعصية لله.
ومن يطلب أجرا إضافيا غير ما يستحقه مقابل عمله، فإنه يمد يده إلى الحرام. وقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد “من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول”.
إن كل علاقة مصلحة تتستر بلباس الهدية ما هي إلا جزء من نار جهنم. إن التلاعب بالرأي العام عبر الوسائط الرقمية ووسائل الإعلام المكتوبة والمرئية من خلال الأخبار الكاذبة والمضللة، وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، هو أمر محرم شرعا.
وكذلك توظيف أكثر من شخص للقيام بعمل يستطيع شخص واحد إنجازه، يعد تبذيرا لموارد الدولة.
وأما المحسوبية والواسطة وتفضيل البعض على حساب الآخرين، فهي سرقة لأحلام شبابنا، واستغلال بعض الثغرات القانونية لتكوين ما يشبه “مافيا العقارات” من أجل الاستيلاء بغير حق على أملاك الدولة أو الأفراد، والحصول عليها بالوثائق المزورة والتصريحات الكاذبة، فهو من الحرام والظلم البين.
وأكدت أن:
استعمال الكهرباء والماء بطرق غير مشروعة يعد اعتداء على أموال عموم الناس، وهو حرام، واستغلال الدعم الذي تقدمه الدولة في مجالات الزراعة، وتربية الحيوانات، والتجارة في غير ما وضع له، يعد خرقا للمال العام، وهو إثم.
والتصريح بوجود أراض زراعية غير موجودة، أو إظهار الأراضي غير المؤهلة وكأنها صالحة للحصول على دعم أكبر، ظلم كبير، وجور واضح.
وأن يؤخر التاجر شراء محصول الفلاح حتى يفسد أو تقل قيمته، ليشتريه بثمن بخس، أو أن يحتكر الطعام وترفع الأسعار عمدا، فذلك استيلاء غير مشروع على مال الأمة، وهو حرام وإثم.
وأخذ المساعدات الاجتماعية من دون حاجة حقيقية إليها، أو الطلاق الصوري بغرض الاستفادة من راتب أحد أفراد العائلة المتوفين، هو ارتداء لقميص من نار.
والتهرب الضريبي من خلال الفواتير الوهمية، أو التصريح الكاذب عن الممتلكات، حرام وإثم. واستخدام السيارة المشتراة من إعفاء المعاقين لأغراض غير مرخصة، وإساءة استخدام الإعفاء الضريبي وتحويله إلى باب للانتفاع، هو غصب للحق العام، وهو حرام.
وأما الرشوة، فإن إعطاءها وأخذها من أجل المنفعة الشخصية هو استحقاق للعنة الإلهية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لعنة الله على الراشي والمرتشي”.
وتابعت:
لقد دخلنا بالأمس عام 1447 للهجرة، نسأل الله أن يكون عامنا الهجري الجديد مباركا.
ونسأله سبحانه أن يجعله عاما يحمل في طياته وحدة واتحادا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفرجا ونصرا للمظلومين، ومحاسبة لأنفسنا على ما اقترفنا من أخطاء، وتوبة صادقة من الذنوب، وتجديدا لحساسيتنا تجاه المال العام وحقوق الناس.
واختتمت الخطبة بتحذير نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال “من اقتطع مالا من غير حقه، فإنما يقتطع قطعة من النار يوم القيامة”.
