ميديات جنوبي تركيا.. مدينة متجذرة في التاريخ تجمع الأتراك والعرب والأكراد على قلب راية واحدة (مقابلة)

تتربع مدينة ميديات في ولاية ماردين جنوبي تركيا على عرش المدن التركية والعالمية ذات الثقافات المتنوعة المتعايشة مع بعضها منذ سنين طويلة جدا، حيث تجمع الأتراك والعرب والأكراد على قلب راية واحدة، راية تركيا.

رئيس بلدية ميديات المهندس ويسي شاهين، شرح في لقاء مع “وكالة أنباء تركيا” الموسوعية التاريخ للمدينة، ومشاريع الترميم الجارية، والسعي لإدراج مواقعها ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

وقال شاهين إن “ميديات تُعتبر من أقدم المدن البشرية”، مشيرًا إلى أن عائلته “تقطن المنطقة منذ عام 1873”.

وأضاف أن “ميديات بلد قديم جدًا عمره آلاف السنين، ونحن كعائلة نسكن هنا منذ عام 1873، وكنا نعيش هنا قبل ذلك بكثير، وأول رئيس لميديات كان مسيحيًا”.

وتقع ميديات في قلب ولاية ماردين جنوبي تركيا، حيث تتداخل الحضارات وتتقاطع الثقافات والأعراق والأديان.

وتعتبر مدينة ميديات واحدة من أبرز المواقع التاريخية في تركيا والعالم، لما تحمله من إرث حضاري للبشرية غني يمتد عبر العصور.

وأشار شاهين في اللقاء إلى أن “اسم المدينة مرَّ بعدة مراحل في التاريخ، وكان يُعرف قديمًا باسم زانجين.. ومصطلح مبياتي يعني بلد تحت الأرض، وهو ما يشير إلى الطبيعة الفريدة للمدينة التي تحتضن مبانٍ ومواقع تحت سطح الأرض، على غرار منطقة كبادوكيا الشهيرة في تركيا أيضا”.

وكشف شاهين عن “بدء بلدية ميديات قبل 4 سنوات مشروعًا كبيرًا لكشف وترميم المواقع التاريخية، خاصة تلك الموجودة تحت الأرض”، مؤكدًا أن “العمل لا يتوقف عند الحفاظ على الآثار فحسب، بل يمتد إلى إعادة بناء الإنسان وإحياء الثقافة المحلية”.

وتابع قائلاً “بدأنا بإعادة تأهيل المدينة وتطويرها. لدينا الآن تسجيل لـ تسع بنايات تاريخية في مديات ضمن مشروع الترميم، وبفضل هذا العمل سنتمكن قريبًا من افتتاح أماكن سياحية جديدة، خاصةً تلك التي تحت الأرض”.

وأضاف أن “هوية المدينة متعددة الطوائف والمكونات.. والتعايش بين المسلمين والأكراد والعرب والأتراك واليزيديين والمسيحيين هو سمة أساسية فيها”، مشيرًا إلى أن “هذه السمة لطالما أثارت دهشة الأوروبيين الذين يتعجبون كيف يمكن لكل هذه المجموعات أن تتعايش في سلام”.

ومن أبرز المشاريع التي تعمل عليها البلدية، هو اكتشاف واستغلال المدينة تحت الأرض المعروفة محليًا باسم “مبيابي”.

وأكد شاهين أن “المشروع يهدف إلى فتح أحد المواقع تحت الأرض أمام الزوار خلال الستة أشهر القادمة بالتعاون مع ولاية العاصمة التركية أنقرة”.

وتابع قائلا “بإذن الله، خلال الستة أشهر القادمة، سننتهي من العمل بالتعاون مع ولاية أنقرة، وسنفتح أحد هذه المواقع السياحية تحت الأرض أمام الزوار، وهو عبارة عن بلدة بأكملها تحت الأرض، فيها أماكن لتربية الخيول، وغرف النوم، ومطابخ، وأماكن خاصة للتخزين”.

وأوضح أن “المشروع ليس فقط تنمويًا أو سياحيًا، بل هو أيضًا ثقافي واقتصادي، حيث يستهدف استعادة الهوية المحلية وإبراز اللغة العربية التي لا تزال لغة التواصل الأساسية في السوق والحياة اليومية”.

وشدد رئيس البلدية على “أهمية تسجيل بعض المباني التاريخية في ميديات كموقع تراثي عالمي، وهو ما سيمنح المدينة زخمًا سياحيًا كبيرًا، خاصةً أنها تجذب بالفعل زوارًا من دول الجوار مثل العراق وسوريا، بالإضافة إلى العرب والخليجيين من الكويت وقطر والإمارات”.

وأضاف “نأمل أن يتم تسجيل بنائنا كموقع تراثي عالمي، وعندها سيصبح وجهة للسياح من كل مكان.. السياح غالبًا يأتون لرؤية المعابد، والكنائس، والآثار المسيحية الموجودة هنا، وهذا ما يجذبهم”، مؤكدا أن “ميديات ليست مجرد موقع سياحي، بل هي رسالة تعايش”.

وقال “نحن أتراك، عرب، أكراد، مسلمين، نسطوريين، يزيديين، ومسيحيين، البيت مفتوح، والباب مفتوح، فمرحبًا بكل الزوار والضيوف.”

ولم تخلُ المقابلة من الحديث عن الجانب الثقافي والتجاري، حيث أشار شاهين إلى أن “صناعة الفضة التقليدية، وخاصة نوع تلكاري، ما زالت حية في مديات، وهي مرتبطة بالتقاليد المسيحية، وتستخدم في المناسبات الدينية وفي تجهيز العرائس”.

وزاد بالقول إن “تجارة الفضة في مديات مرتبطة بالتقاليد المسيحية، وخاصة نوع الفضة المعروف باسم (تلكاري)، وهي فضة تصنع يدويًا بطريقة تقليدية، وتصبح زينة العروس والمناسبات الدينية، وعملنا على تسجيل هذه الحرفة كتراث محلي، وقد أصبحت مشهورة جدًا خلال السنوات الثلاث الماضية”.

وأكد أن “كثيرًا من الحرفيين المحليين تعلموا الصنعة من أسلافهم الذين درسوا في لبنان وبيروت”، مشيرًا إلى أن “العلاقات التاريخية مع سوريا والعراق كانت دائمًا مصدرًا للثراء الثقافي والفني في ميديات”.

وتمتد جذور ميديات عبر التاريخ، حيث كانت تحت حكم العديد من الإمبراطوريات، بما فيها الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية والعثمانية.

وكل حقبة تركت بصمتها على العمارة والثقافة، مما يجعل المدينة منصة فريدة لدراسة تطور الحضارة عبر الزمن.

وتشتهر ميديات بقلعتها التي تعود إلى القرون الوسطى، وبمعمارها الحجري الفريد، وشوارعها الضيقة التي تحمل عبق التاريخ، كما تشتهر بالإطلالات البانورامية الخلابة التي توفرها طبيعتها الجبلية.

وتمثل ميديات اليوم أكثر من مجرد مدينة تاريخية؛ فهي شاهد حي على تنوع الحضارات، ونموذج فريد للتعايش المجتمعي، وصرح ثقافي يعكس عمق التاريخ الإنساني في جنوبي تركيا، حسب عدد من المؤرخين.

وبين آثارها العتيقة ومشاريعها المستقبلية، تواصل مديات كتابة فصول جديدة من العطاء، لتبقى رمزًا للسلام والانتماء المشترك، ووجهة للباحثين عن الجذور والجمال في آنٍ واحد.

 

Exit mobile version