
في خطوة تعكس تحولاً بارزاً في ديناميكيات العلاقات الإقليمية، أعلنت وزارة الدفاع التركية، الأربعاء 23 تموز/يوليو 2025، عن طلب رسمي من الحكومة السورية الجديدة للحصول على دعم عسكري وفني من تركيا.
يهدف هذا الطلب إلى تعزيز القدرات الدفاعية للجيش السوري في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم “داعش” الإرهابي، فضلاً عن دعم استقرار سوريا وسلامة أراضيها.
يأتي هذا التعاون في سياق متسارع لتطور العلاقات العسكرية بين البلدين، مع زيادة الزيارات المتبادلة والمباحثات الدفاعية، مما يعكس رؤية استراتيجية مشتركة تهدف إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
طلب الدعم السوري واستجابة تركيا
أكدت وزارة الدفاع التركية، عبر متحدثها زكي أكتورك، التزام أنقرة بتقديم التدريب، الاستشارات، والدعم الفني للجيش السوري استجابة لطلب رسمي من دمشق.
ويُعد هذا الطلب مؤشراً على الثقة المتزايدة بين الإدارة السورية الجديدة وتركيا، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، حيث تسعى سوريا إلى إعادة هيكلة مؤسساتها العسكرية لمواجهة التحديات الأمنية الداخلية والخارجية.
وتشمل هذه التحديات تهديدات تنظيم (داعش)، الإرهابي، الذي لا يزال يشكل خطرًا رغم تراجع نشاطه، إلى جانب التوترات الناجمة عن الغارات الإسرائيلية المتكررة على العاصمة السورية دمشق، والتي أثارت احتجاجات في السويداء جنوبي سوريا.
تأتي هذه الخطوة في إطار استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى تعزيز نفوذها في سوريا، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كشريك استراتيجي يدعم وحدة الأراضي السورية وسلامتها السياسية.
وتؤكد أنقرة التزامها بحماية الحدود السورية ومكافحة الإرهاب، مع التركيز على بناء جيش سوري قوي قادر على فرض الأمن والاستقرار في جميع أنحاء البلاد.
وقال الخبير العسكري، الدكتور عبد الله الأسعد في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “هذا الأمر غير مستغرب من مؤشرات التعاون التركي مع الحكومة السورية، إذ لا يوجد أي مكان آخر أو حليف آخر لدعم الدولة السورية سوى الأردن، والآن تجد ما يجري في المنطقة ووجود دولة ناشئة، لا شك في أنها تحتاج إلى دولة تقوم بتمويلها وتعطائها السلاح وشحنات من الأسلحة من أجل الحماية والدولة والحفاظ عليها من كل التنظيمات الإرهابية، وبالتأكيد من أكبر التحديات هو تحدي (داعش) الإرهابي وكل الخارجين على القانون في سوريا”.
وأكد على أن “التعاون السوري التركي، طبعاً، هو الأهم والأكبر في المنطقة، لأن لتركيا مصالح جيوسياسية كبيرة جداً في سوريا، وهو الحفاظ على وحدتها، لأن كل ما يجري من تقسيم في سوريا يهدد الأمن القومي التركي، ولذلك فهي ستدعم من أجل الحفاظ على سوريا موحدة وآمنة ومستقرة، وتستطيع القضاء على كل الحركات الإرهابية والتنظيمات مثل (داعش) الإرهابية وأخواتها في سوريا”.
تطور العلاقات العسكرية
وشهدت العلاقات العسكرية بين تركيا وسوريا زخماً متزايداً خلال الأشهر الأخيرة، مع تكثيف الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين العسكريين.
وكان من أبرز هذه اللقاءات اجتماع قائد القوات الجوية السورية، العميد عاصم هواري، مع رئيس أركان الجيش التركي، ميتين غوراك، على هامش معرض الصناعات الدفاعية “IDEF 2025” في تركيا.
كما سبق أن التقى وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، مع غوراك في دمشق في حزيران/يونيو 2025، لبحث تعزيز التعاون الدفاعي.
وتركزت هذه المباحثات على قضايا مثل تزويد الجيش السوري بمنظومات دفاعية متطورة، تطوير القواعد العسكرية، وتنفيذ برامج تدريبية متقدمة للضباط والجنود السوريين.
هذه اللقاءات ليست مجرد إجراءات دبلوماسية، بل تعكس رؤية مشتركة لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
وقال الباحث في الشأن العسكري، رشيد حوراني في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “تركيا تنطلق من تقديمها الدعم العسكري لسوريا من ثلاث نقاط أساسية: الأولى دورها المحوري في دعم سوريا دوليا وخاصة لدى الجانب الامريكي، والثانية دعمها لقوى المعارضة ومعرفتها القدرات البشرية لها، والثالثة علاقاتها المتأرجحة مع إسرائيل التي تتخوف من النفوذ التركي وتناميه في سوريا”.
وأضاف أنه “بعد سقوط النظام السابق سارعت تركيا إلى تعيين ملحق عسكري لها في سوريا، وتقع على كاهل الملحق العسكري المساعدة في تقديم المشورة وتقدير الموقف للقوات السورية وحجم الدعم الواجب تقديمه لسورية، خاصة أن تركيا تعتبر أن ما يحدث في سوريا تهديدا لأمنها القومي”.
ولفت إلى أنه “في النزاع الأخير بين الحكومة السورية والفصائل المحلية في مدينة السويداء تصاعد دور الجانب الإسرائيلي عسكريا ووصل إلى حد استهداف مبنى الأركان، وهذا التصعيد نظرت إليه تركيا بتخوف شديد ووجدت نفسها مضطرة لتكون حاضرة بمختلف الجوانب لأن تدخل إسرائيل قد يشجع مدينة السويداء على تشكيل إدارة ذاتية، وبالتالي تتكاثر هذه الدعوات على الأرض السورية، وتجد في PKK/PYD الإرهابي شرقي الفرات داعما لها في هذا التوجه، ولذلك تسعى تركيا ويبدو أنها في طريقها لتزويد سوريا بأسلحة دفاعية بعد الموافقة على ذلك دوليا، لتشكل حالة ردع ضد الغارات الإسرائيلية”.
أهداف تركيا الاستراتيجية
تتمحور أهداف تركيا في هذا التعاون حول ثلاثة محاور رئيسية:
- دعم وحدة سوريا السياسية والإقليمية: تؤكد تركيا التزامها بحماية وحدة الأراضي السورية، وهو موقف يعكس رغبتها في منع أي تقسيم محتمل لسوريا قد يؤدي إلى ظهور كيانات معادية على حدودها الجنوبية.
- مكافحة الإرهاب: يمثل تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى تهديداً مشتركاً لكل من تركيا وسوريا.
ومن خلال تزويد الجيش السوري بالتدريب والتجهيزات، تسعى تركيا إلى بناء قوة محلية قادرة على مواجهة هذه التهديدات دون الحاجة إلى تدخلات عسكرية خارجية مكثفة.
- تعزيز النفوذ الإقليمي: من خلال دعم إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية، تسعى تركيا إلى ترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي في المنطقة، خاصة في ظل التنافس مع قوى إقليمية أخرى مثل إيران والاحتلال الإسرائيلي.
التحديات والتوترات
رغم الزخم الإيجابي في العلاقات التركية السورية، هناك تحديات قد تعيق هذا التعاون:
- التوترات الداخلية في سوريا: أشارت مصادر تركية إلى أن الهجمات الإسرائيلية المتكررة على دمشق زادت من التوترات بين المجتمع الدرزي والحكومة السورية في السويداء، وهذه التوترات قد تعقد جهود الإدارة السورية الجديدة في بسط سيطرتها على جميع الأراضي.
- التعقيدات الإقليمية: الغارات الإسرائيلية تشكل تحدياً مشتركاً، حيث تدين كل من تركيا وسوريا هذه الهجمات.
ومع ذلك، قد يواجه البلدان صعوبات في صياغة استجابة موحدة بسبب التعقيدات الدبلوماسية والمصالح المتضاربة مع قوى إقليمية أخرى.
- التحديات اللوجستية: إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية تتطلب استثمارات كبيرة في التدريب والتجهيزات، مما قد يشكل عبئاً على تركيا، خاصة في ظل التزاماتها العسكرية الأخرى في المنطقة.
الآفاق المستقبلية
يمثل التعاون التركي السوري فرصة لإعادة تشكيل المشهد الأمني في سوريا، مع إمكانية تحقيق استقرار طويل الأمد.
ومع ذلك، فإن قدرة تركيا على تقديم دعم فعال دون التدخل في الشؤون الداخلية السورية ستكون حاسمة لضمان قبول هذا التعاون من قبل الشعب السوري.
في الوقت نفسه، يمكن أن يساهم هذا التعاون في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال خلق جبهة موحدة ضد الإرهاب والتدخلات الخارجية. ومع استمرار المباحثات بين أنقرة ودمشق، من المتوقع أن تتوسع برامج التدريب والتجهيز، مما يعزز قدرات الجيش السوري ويرسخ شراكة استراتيجية بين البلدين.







