في خطوة دبلوماسية لافتة، أجرى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، اليوم الخميس، زيارة رسمية إلى العاصمة السورية دمشق، التقى خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع، ونظيره السوري أسعد الشيباني.
وتأتي هذه الزيارة في توقيت حساس، حيث تشهد سوريا مرحلة انتقالية تواجه العديد من التحديات، بالتزامن مع متغيرات دولية وإقليمية تبرز فيها تركيا كلاعب رئيسي وداعم للحكومة السورية الجديدة.
وبعد ثمانية أشهر من سقوط نظام الأسد المخلوع، تشهد سوريا مرحلة انتقالية تحمل في طياتها آمالاً بإعادة الإعمار والاستقرار، وتحديات كبيرة تتمثل في التهديدات الأمنية، وإعادة بناء المؤسسات، ومواجهة التدخلات الخارجية.
وفي السياق، يرى مراقبون أن زيارة فيدان تأتي في إطار سعي تركيا لتعزيز نفوذها في هذا المشهد، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع سوريا، وقربها الجغرافي، ومصالحها الأمنية المباشرة.
ووفقاً لمصادر دبلوماسية تركية، تركزت المباحثات بين فيدان والشرع على تقييم التقدم في العلاقات الثنائية، مع التركيز على تعزيز التعاون في مجالات إعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب، ودعم وحدة الأراضي السورية.
وتعكس هذه الأهداف رؤية تركيا لسوريا كدولة مستقرة، قادرة على الحد من التهديدات التي قد تمتد إلى أمنها القومي.
وقال المحلل السياسي، باسل المحمد في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن أنقرة تحاول من خلال زيارة فيدان إرساء مقاربة جديدة للتعامل مع الشمال الشرقي من سوريا، ترتكز على الشراكة مع دمشق”.
وتابع أنه “مع تراجع الدور الأميركي وتضاؤل تأثير الفاعلين الدوليين في الملف السوري، تجد تركيا أن التعاون مع الإدارة الجديدة في دمشق هو السبيل الأكثر فعالية لضبط الحدود، والحد من نشاط (قسد وPKK)، واحتواء التهديدات العابرة للحدود”، معتبرا أن “أنقرة تراهن على تحالف أمني موضعي يحقق مصالح الطرفين ويضع حداً للفوضى المزمنة في الشمال”.
ولفت إلى أن “الملف الاقتصادي يشكّل أحد المحاور الخفية للزيارة، لكنه الأكثر حساسية واستراتيجية، إذ تسعى تركيا لحجز موطئ قدم مبكر في مشاريع إعادة الإعمار، سواء عبر شركاتها أو من خلال شبكاتها الإقليمية من المستثمرين، وفي المقابل، تدرك دمشق حاجة البلاد إلى شركاء اقتصاديين قادرين على توفير البنية التحتية والموارد، دون فرض شروط سياسية مجحفة، ومن هنا، يُتوقع أن تكون التفاهمات الاقتصادية مدخلاً عملياً لترسيخ علاقة طويلة الأمد تتجاوز منطق الطوارئ الأمنية”.
ورأى أن “زيارة فيدان إلى دمشق تحمل أبعاداً إقليمية أوسع من مجرد تطبيع ثنائي، فهي تأتي فيتوقيت تتصاعد فيه التدخلات الإسرائيلية في الداخل السوري، لا سيما بعد أحداث السويداء، وهو ماتعتبره تركيا تهديداً مباشراً لتوازن الإقليم، ومن خلال التقارب مع دمشق، تسعى أنقرة إلى إعادةالتموضع كقوة ضامنة للاستقرار في المعادلة الإقليمية، في ظل انسحاب أميركي تدريجي”.
وختم بالقول، إن “الرسالة واضحة: تركيا لن تسمح بفراغ تملؤه إسرائيل، ولن تترك الملف السوري رهينة للتجاذبات الدولية”.
مراقبون آخرون اعتبروا أن تركيا ومن خلال هذه الزيارة إلى ترسيخ مكانتها كشريك رئيسي في المرحلة الانتقالية السورية.
وتشير تصريحات المصادر التركية إلى أن أنقرة ترى في الظروف السياسية الجديدة فرصة لتعزيز التعاون مع دمشق في مجالات اقتصادية وسياسية، فإعادة إعمار سوريا، التي دمرتها سنوات الحرب، تُعد أولوية مشتركة، حيث تمتلك تركيا خبرات واسعة في البنية التحتية والاستثمار يمكن أن تسهم في إنعاش الاقتصاد السوري.
كما تهدف الزيارة إلى فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع الحكومة السورية الجديدة، لضمان التنسيق في القضايا الإقليمية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة مع إسرائيل. وقد أشار فيدان، في تصريحاتسابقة، إلى مخاوف تركيا من محاولات إسرائيلية لزعزعة استقرار سوريا، متهماً تل أبيب بالسعيلتقسيم البلاد تحت ذرائع مثل حماية الأقليات.
ويُعد ملف الأمن القومي محوراً رئيسيا في المباحثات، حيث تسعى تركيا إلى ضمان استقرار الحدود السورية الشمالية، التي تُعتبر منطقة حساسة بسبب وجود تنظيمات مثل “داعش” و”PKK، PKK/PYD” الإرهابيين.
وأكدت المصادر التركية أن الحفاظ على وحدة الأراضي السورية يُعد أولوية قصوى، في ظل مخاوف من محاولات تقسيم سوريا، سواء من قبل فصائل محلية أو تدخلات خارجية.
وفي هذا السياق، جدد فيدان دعوته لتنظيم PKK/PYD للتوصل إلى اتفاق مع الحكومة المركزية في دمشق، مؤكداً أن استمرار وجود تشكيلات مسلحة تحت ذرائع معينة “غير مقبول”.
كما حذر فيدان، في تصريحات سابقة، من أي تحركات تهدف إلى تقسيم سوريا، مشيراً إلى أن تركيا لن تتردد في التدخل إذا اعتُبرت هذه التحركات تهديداً مباشراً لأمنها القومي، ما يعكس استراتيجية تركيا في الحفاظ على نفوذها في شمال سوريا، مع التركيز على منع أي سيناريوهات قد تؤدي إلى إنشاء كيانات انفصالية.
ومؤخراً، شكلت التصريحات والممارسات من الاحتلال الإسرائيلي محوراً بارزاً في المباحثات، حيث ترى تركيا أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى لاستغلال الفراغ السياسي في سوريا لزعزعة استقرارها.
وأشار فيدان إلى أن تدخل الاحتلال الإسرائيلي في السويداء، تحت ذريعة حماية الدروز، يُعد جزءاً من استراتيجية أوسع لتقسيم البلاد، إذ تتسق هذه الرؤية مع موقف أنقرة المناهض للتدخلات الخارجية التي تهدد وحدة سوريا.
من جهة أخرى، يبدو أن دمشق تشارك أنقرة هذه المخاوف، مما يوفر أرضية مشتركة للتعاون، ومع ذلك، فإن التحدي يكمن في كيفية ترجمة هذا التقارب إلى إجراءات عملية، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي، والدور الأمريكي والأوروبي في دعم بعض الفصائل في سوريا.
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى النعيمي في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن”أبرز الملفات التي سيتم بحثها هي ملف مكافحة الإرهاب، حيث تكمن أهمية هذا الملف في الجهود المشتركة بين الجانبين في المناطق الحدودية، لا سيما الترتيب لما بعد (قسد)، وطبيعة الحدود المشتركة في المحافظات الثلاث: حلب، الرقة، ودير الزور، فمسألة الحدود المشتركة مع هذه المحافظات تُعد هدفاً مشتركاً لكلا القيادتين، ويجري العمل على ترتيب هذه الملفات وفق أولويات متفق عليها”.
وتابع “يضاف إلى ذلك الفراغ المتوقع بعد تفكيك (قوات سوريا الديمقراطية) وانخراطها ضمن مؤسسات الحكومة السورية، وملف الأمن، خاصة وأنه مرتبط بسجون تنظيم (داعش)، التي ستشرف عليها الحكومة السورية بموجب تلك الاتفاقية الدولية، يضاف إلى ذلك بروز أهمية العلاقات الثنائية على المستوى الاقتصادي والتجاري والثقافي بين البلدين”.
وزاد قائلاً “أعتقد أن أولى منجزات هذه المباحثات ستكون تعزيز الأمن والاستقرار في سوريا، والتحضير للبنية التحتية اللازمة لعودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى سوريا، ما سيمهد لانطلاق عجلة الحياة من جديد بعد عودة اللاجئين”.
ووسط كل ذلك، تُعد زيارة فيدان إلى دمشق مؤشرا على رغبة تركيا في لعب دور محوري في تشكيل مستقبل سوريا، سواء من خلال دعم إعادة الإعمار أو مكافحة الإرهاب.
ومع ذلك، فإن هذه الزيارة قد تثير مخاوف لدى أطراف إقليمية أخرى، مثل إيران وروسيا، اللتين كانتا لاعبين رئيسيين في سوريا خلال السنوات الماضية.
كما أن موقف تركيا الحازم ضد PKK/PYD الإرهابي قد يؤدي إلى توترات مع الولايات المتحدة، التي تدعم هذه القوات في إطار مكافحة “داعش” الإرهابي.
ومع ذلك، يبدو أن أنقرة تسعى إلى استغلال الدعم الدولي المتزايد للحكومة السورية الجديدة لتعزيز موقفها، خاصة في ظل الجهود الدولية لتحويل سوريا إلى بلد خالٍ من الإرهاب والهجرة غير النظامية، ومن هنا فإن زيارة هاكان فيدان إلى دمشق تمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز التعاون التركي السوري في مرحلة انتقالية حاسمة.
