تحول تنظيم PKK/PYD الإرهابي من ذريعة لمكافحة الإرهاب إلى أداة رئيسية في مشروع تقسيم سوريا، عبر مخطط يعرف بـ”ممر داوود” الإسرائيلي، يمتد من شمال شرقي سوريا وصولاً إلى الجنوب السوري والجولان المحتل.
هذا الممر، الذي تحركه أجندات أمريكية وإسرائيلية، يهدف إلى إعادة هندسة الجغرافيا السورية على أسس إتنية وطائفية، وربط الكيان الكردي المدعوم من واشنطن بتحالف أقليات، في خطوة تهدد وحدة البلاد وأمنها القومي، وتفتح الباب أمام صراع طويل الأمد يتجاوز حدود المعركة مع تنظيم (داعش) الإرهابي التي وُلد التنظيم تحت ذريعتها.
ومنذ تأسيسه عام 2015، ظهر تنظيم PKK/PYD الإرهابي بدعم مباشر من الولايات المتحدة، تحت شعار مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي.
لكن خلف هذا الغطاء، تمدد التنظيم ليصبح كياناً أمنياً وسياسياً متداخلاً مع مشاريع إقليمية ودولية، يتصدرها مشروع “ممر داوود” الذي يهدد بإعادة رسم الخريطة السورية على أسس تفكيكية مشابهة لتجربة العراق.
جوهر هذا التنظيم يرتكز على ما تسمى “وحدات حماية الشعب YPG، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي المرتبط تنظيمياً وفكرياً بحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف إرهابيا”، حسب مراقبين.
وقد وثّقت منظمات حقوقية عمليات تهجير قسري وتغيير ديمغرافي ممنهج ضد العرب والتركمان، خاصة في تل أبيض ورأس العين شمالي سوريا، حتى الأكراد المعارضين وعلى رأسهم المجلس الوطني الكردي لم يسلموا من القمع.
أما اقتصادياً، يدير التنظيم الإرهابي الموارد النفطية والزراعية بشكل منفصل عن مؤسسات الدولة وبالتنسيق مع القوات الأمريكية، ما يعمّق الانفصال الاقتصادي ويعزز نفوذ جناحه العسكري.
ويشهد التنظيم الإرهابي صراعاً داخلياً بين جناح براغماتي بقيادة المدعو “مظلوم عبدي” يسعى لتسويات مع واشنطن وأحياناً دمشق، وجناح متشدد بقيادة المدعو “صبري أوك” المرتبط بـ”قنديل”، والذي يرفض أي تقارب مع تركيا أو سوريا.
ووفق المعطيات، يسعى مشروع “ممر داوود” إلى إنشاء حزام يمتد من مناطق PKK/PYD الإرهابي شمال شرقي سوريا مروراً بالبادية وصولاً إلى الجنوب (السويداء، درعا، الجولان المحتل)، بهدف فصل دمشق عن الجنوب الاستراتيجي وربط كيان PKK/PYD بالميليشيات في الجنوب ضمن محور موالٍ للاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.
وشهدت الحسكة مؤخراً لقاءً جمع شخصيات من مكونات مختلفة، بينها شخصيات من المكونات العلوية والدرزية، ما يشي بمحاولات التنظيم الإرهابي تعزيز شبكة “تحالف الأقليات” لتسويق نفسه كضامن للاستقرار، رغم رفض شرائح واسعة من العرب والسريان والمسيحيين لهذا الدور.
بدورها، تتعامل دمشق مع التنظيم الإرهابي ككيان مؤقت، معتمدة على رفض الاعتراف السياسي، وتعزيز نفوذ العشائر في دير الزور والرقة، وتحييد المواجهة المباشرة مع واشنطن بانتظار تغير التوازنات الدولية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور حمزة موسى المحاميد، الخبير في أوضاع شمال شرقي سوريا في تصريحات لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “تنظيم PKK/PYD تم تشكيله للقتال ضد تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وأُوكلت قيادة هذا الكيان العسكري إلى وحدات حماية الشعب (YPG)، وعُيّن قائداً لتلك القوات مظلوم عبدي، وهو عضو في المكتب التنفيذي لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف دولياً كحزب إرهابي، وبعد القضاء على تنظيم داعش، أبقى التحالف الدولي دعمه لتنظيم قسد، بهدف الحفاظ على شمال شرقي سوريا بعيداً عن نظام الأسد البائد، وعن قوات الجيش الوطني، وهذا ما استدعى إيجاد إدارة مدنية لتتولى الإشراف على المنطقة خدمياً”.
وتابع “ولتحقيق هذا الهدف، تم تشكيل مجلس سوريا الديمقراطي (مسد)، الذي حاول الاعتماد على المكون الكردي، المعبّأ حزبياً، لإدارة المنظومة مدنياً، وقد أثبت هذا النهج فشلاً كبيراً على مدار عشرة أعوام، إذ إن جميع كوادره لا يمتلكون أي مؤهلات علمية، ولم يكونوا من موظفي المؤسسات الحكومية، بل كان جُلّ ماتعلموه دورات عسكرية في جبال قنديل”.
وزاد المحاميد قائلاً “وعلى الرغم من حجم الميزانية الكبيرة التي تحصل عليها قوات قسد من سرقة نفط الشعب السوري، والتي تُقدّر سنوياً بنحو 4 مليارات دولار، فإن المنطقة مدمرة خدمياً بشكل كامل، ومما زاد الأمور سوءاً هو الانفلات الأمني وانتشار العصابات التي تُنفّذ عمليات السرقة والخطف”.
وأشار إلى أن “التنظيم الإرهابي لم يخف رغبته بالتقرب من نظام الأسد البائد، وسعيه نحوه طالباً رضاه، مقابل نيلها بعض المكاسب الخاصة بالمكون الكردي فقط، وهذا ما يؤكد أنه لا يُعير اهتماماً لمطالب باقي المكونات من أبناء المنطقة، كالعرب والسريان والمسيحيين.. وقد تجلى ذلك من خلال الوفود التابعة للتنظيم الإرهابي، التي كانت تضم فقط أفراداً من المكون الكردي، والذين قاموا بزيارة دمشق، ومن أبرز تلك الزيارات، زيارة مظلوم عبدي ولقائه ببشار الأسد الرئيس المخلوع”.
ولفت المحاميد إلى أن “هذه الزيارات كانت مرفوضة من جميع المكونات التي تقطن شمال شرقي سوريا، وهي إحدى مظاهر الخلاف السياسي في المنطقة، ولكنها ليست آخرها، فقد كان هناك خلاف أيضاً حول رغبة قسد في جعل شمال شرقي سوريا إقليماً فيدرالياً يتمتع بقوة سياسية تمنحه القدرة على فرض اتفاقيات دولية، تهدد الأمن القومي للجمهورية العربية السورية ودول الجوار، وذلك من خلال تنفيذ ما يُعرف بالممر الداوودي، الممتد من الجولان إلى شمال شرقي سوريا، بدعم إسرائيلي، يمكّن إسرائيل من إقامة قواعد عسكرية بالقرب من الحدود السورية التركية”.
وأكد المحاميد أن “كل تلك الرغبات ليست أكثر من أوهام مهترئة في عقول قيادات لا تملك أدنى فكرة عن كيفية بناء مؤسسات الدولة، في حين أن هذه القيادات انتهجت الفكر الاستبدادي، القائم على قمع الحريات واعتقال أصحاب الرأي، مبتعدةً بذلك عن الشعارات التي تنادي بالديمقراطية والحرية، وأظهرت نيتها في التغيير الديمغرافي، من خلال تهجير القرى العربية في محافظة الحسكة، ومن أبرز تلك القرى، قرية أم الشيوخ، التي هُجّر أهلها بعد ارتكاب مجزرة بحق المدنيين فيها”.
وختم المحاميد بالقول إن “كل هذه الأعمال تؤكد أن قسد ليست أكثر من خنجرٍ مسموم في خاصرة الجمهورية العربية السورية، وقد ظهر سُمّه في مؤتمر عُقد في 7 آب/أغسطس 2012، جمع أعداء الشعب السوري للنيل من وحدة الوطن وضرب أمنه من خلال الاستقواء بالخارج، ليكون هذا المؤتمر المسمار الأخير في نعش ادّعاءاتهم الزائفة”.
من جهته، قال الدكتور مأمون سيد عيسى، المحلل السياسي في تصريحات لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “ما يجري اليوم هو تنفيذ لأجندة تقسيم سوريا”، مشيراً إلى أن “تحالف الأقليات الذي كان فكرة بات واقعاً على الأرض، حيث ترفض كل فئة الاندماج في دولة موحدة”.
وأكد سيد عيسى أن “هناك مخططات تقسيمية صهيونية وغربية، تم تنفيذ أجزاء منها في اليمن والسودان وليبيا والعراق، وسوريا مرشحة لتكون الهدف التالي”.
وأضاف “لا أصدق الخطاب الأمريكي عن دعم وحدة سوريا، فلو أرادوا ذلك لكانوا قد ضغطوا على التنظيم لتفكيكه بكلمة واحدة، لكنهم لا يفعلون، ما يدل على وجود نية لعدم استقرار سوريا”.
وحذر من أن “استمرار الوضع الراهن سيبقي الأزمة في حالة جمود، مع مستقبل غامض وتداعيات خطيرة على الشعب السوري، إلا إذا تم التعامل مع الملفات الكبرى بجدية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي وعودة النازحين وحل المشكلات الأمنية”.
في المحصلة، لم يعد PKK/PYD الإرهابي مجرد أداة في يد واشنطن تحت شعار “محاربة الإرهاب”، بل ورقة إسرائيلية لإعادة هندسة الجغرافيا السورية بما يخدم مشاريع تفكيكية.
