
في السنوات الأخيرة، برز مصطلح “الدين الإبراهيمي” الجديد ليشغل حيزاً واسعاً في النقاشات الفكرية والسياسية والإعلامية والدينية، بعدما طُرح كفكرة تسعى وفق ادعاء أصحابها إلى “توحيد الديانات السماوية الثلاثة في إطار عقدي وروحي واحد”، حسب تعبيرهم.
لكن خلف هذا الطرح المثير، وكما يؤكد متابعون، تبرز مخاطر عميقة تتعلق بالهوية الدينية والسياسية، ما يجعل هذه الفكرة أشبه بمشروع هندسة اجتماعية لإعادة تشكيل القيم والعقائد، أكثر من كونها مبادرة “تسامح” كما يتم الترويج لها.
أولاً: تذويب الفوارق العقدية
من أبرز المخاطر التي يثيرها “الدين الإبراهيمي” الجديد أنه يسعى إلى طمس الخصوصيات العقائدية خاصة عند المسلمين، والخلط بينها في صياغة “إيمان مشترك” لا يقوم على التوحيد الخالص، بل على تقاطع رمزي بين الأديان.
وهذا التذويب، حسب علماء الدين، يشكل خطراً على الهوية الإسلامية تحديداً، التي تؤكد أن العقيدة لا تحتمل المساومات أو التنازلات، وأن الخلاف العقدي بين الإسلام وغيره ليس تفصيلاً شكلياً بل جوهرياً.
ثانياً: البعد السياسي للمشروع
يرى مراقبون أن مشروع “الإبراهيمية” ليس مجرد فكرة دينية أو حوار ثقافي، بل هو أداة سياسية لتمرير أجندات تتعلق بتثبيت “السلام الإبراهيمي” الذي يوازي في الخطاب مفهوم التطبيع الإقليمي مع الاحتلال الإسرائيلي.
فالمشروع يوظَّف لتخفيف حدة الاعتراضات الشعبية على سياسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، عبر استبدال منطق “الصراع” بمنطق “الأخوة الدينية”، وبالتالي خلق غطاء روحي للتطبيع السياسي والاقتصادي.
ثالثاً: تهديد الهوية الثقافية والدينية للشعوب
إن المجتمعات العربية والإسلامية تستمد تماسكها من انتمائها العقدي الواضح، ومع ظهور هذا الطرح و”الدين الجديد”، يخشى كثير من المثقفين من أن يكون الهدف تفريغ الإسلام من مضمونه وتحويله إلى مجرد “موروث ثقافي” يقف على قدم المساواة مع أديان أخرى في إطار جامع هجين.
وهذا يعني على المدى الطويل إضعاف المناعة الفكرية والدينية للأجيال، وإيجاد جيل جديد بلا وضوح عقائدي، قابل للتأثر بمشاريع العولمة الثقافية والسياسية.
رابعاً: استغلال شعار “التسامح”
من الناحية الدعائية، يعتمد المشروع على مفاهيم براقة مثل “التسامح”، و”التعايش”، و”الأخوة الإنسانية”، حسب ادعاء المروجين له.
لكن منتقديه يرون أن هذه المفاهيم تُستعمل كغطاء لتسويق فكرة خطيرة، لأن التسامح الحقيقي لا يستلزم ذوبان الأديان ولا طمس الفوارق العقدية ولا التصالح مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يحتل الأرض في فلسطين ويقتل ويذبح ويقصف ويحاصر ويعتدي، بل إن التسامح الحقيقي يقوم على احترام الآخر مع التمسك بالهوية الأصيلة.
وهذا ما يجعل من مشروع “الدين الإبراهيمي” خديعة ناعمة، إذ يتم تمريره تحت ستار قيم إنسانية عالمية، بينما يهدف في عمقه إلى إعادة صياغة الدين في خدمة السياسة.
خامساً: البعد الحضاري والفكري
إن اختزال الأديان في إطار “إبراهيمي” واحد يتجاهل حقيقة تاريخية وحضارية مفادها أن الإسلام بصفته خاتم الرسالات أكد على نسخ ما قبله وبيّن بوضوح عقيدة التوحيد.
وعليه، فإن “مشروع الإبراهيمية” يفتح الباب أمام نسبية الحقيقة الدينية، ما يؤدي إلى التشكيك في ثوابت العقيدة، وتحويل الدين من وحي إلهي مطلق إلى مجرد خيار ثقافي بين خيارات متعددة.
خلاصة
يمكن القول إن مشروع “الدين الإبراهيمي” الجديد ليس مجرد دعوة إلى الحوار بين الأديان أو تعزيز قيم التسامح، بل هو إعادة تشكيل جذرية للمفاهيم الدينية وخاصة الإسلامية منها، تخدم في جانب كبير منها أهدافاً سياسية تتعلق بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الثقافية والفكرية.
ويحذّر كثير من العلماء والمفكرين من أن “الدين الإبراهيمي” يشكل تهديداً مباشراً للعقيدة الإسلامية والهوية الحضارية للأمة، ما يستوجب وعياً جماعياً لمواجهة مخاطر هذا الطرح قبل أن يتحول إلى واقع مفروض على الأجيال القادمة.







