تقاريرهام

غزة بعد عامين من 7 أكتوبر.. إبادة ممنهجة وعزلة إسرائيلية متزايدة (تقرير)

تصادف اليوم الثلاثاء، الذكرى السنوية الثانية لعدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

عامان مرا على بدء الإبادة المروعة في قطاع غزة، تلك التي حوّلت القطاع الساحلي المحاصر إلى أطلال، وغيّرت ملامح الحياة الفلسطينية إلى الأبد، وسط مأساة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، فيما لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يواصل عدوانه العسكري والحصار الخانق على السكان المدنيين للعام الثاني على التوالي.

وأدى عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى استشهاد أكثر من 67 ألف فلسطيني، وفق إحصاءات وزارة الصحة في غزة، يشكّل الأطفال دون سن الثامنة عشرة قرابة ثلثهم.

كما خلّف العدوان عشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين تحت الركام، في وقت لا تزال فرق الدفاع المدني عاجزة عن الوصول إلى كثير من المناطق المدمّرة بفعل استمرار القصف والحصار.

وفي هذا الجانب، قال كرم سعيد، خبير في الشؤون الإقليمية في حديث لـ “”وكالة أنباء تركيا”، “أتصور أن المشهد في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى اليوم، على المستوى الأمني، لم تتمكن إسرائيل حتى الآن من تحقيق إنجاز أمني ملموس، خاصة فيما يتعلق بالقضاء على حركة حماس أو الإفراج عن الأسرى، بالإضافة إلى حالة الانقسام داخل الجيش الإسرائيلي، وهناك معلومة مفادها أن هناك طيارين يرفضون استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، وغياب أفق واضح للعملية العسكرية، وحجم الخسائر غير مسبوق في الجيش الإسرائيلي، أما على المستوى الفلسطيني، دعنا لا ننكر أن هناك خسائر، سواء في صفوف مقاتلي المقاومة الفلسطينية”.

وأضاف “لكن في كل الأحوال، استطاعت المقاومة بكافة إمكانياتها البسيطة، خاصة بعد انقطاع شرياني دعم رئيسيتين، سواء من إيران أو من حزب الله، فضربات إسرائيلية على حزب الله في جنوب لبنان والمواجهات الممتدة بين إسرائيل ولبنان في يونيو الماضي، أثّرت على القدرات العسكرية للمقاومة”.

وتابع “على المستوى السياسي، أنا أتصور أن إسرائيل هي الخاسر الأكبر مئة بالمئة سياسيًا، ويؤشر على ذلك مثول إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية، والقضايا المرفوعة ضدها، وحالة العزلة التي تعانيها، إضافة إلى أن خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة كان مؤشرًا آخر على حالة العزلة، يضاف إلى ذلك أيضا التطور الحاصل حتى في العلاقات السياسية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وحتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية”.

وزاد بالقول “نحن أمام مشهد صعب ومعقد، لكن أنا أتصور أن حجم الخسائر على المستوى الإسرائيلي هو الأكبر سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وفي نظرة سريعة على حجم الاقتصاد الإسرائيلي، فإن تصنيفه الائتماني يتراجع، والاقتراض الإسرائيلي في ارتفاع، وحجم الإنفاق العسكري مقابل الإنفاق على خدمات البنية الأساسية، ومعدلات الهجرة زادت في إسرائيل خلال الأشهر الماضية، وحالة الانقسام السياسي، وتوتر العلاقة بين الحكومة والمعارضة، وحالة الارتباك حتى في الشارع الإسرائيلي”.

من جهتها، تؤكد لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أنّ ما جرى في غزة يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، مستندة إلى حجم القتل المتعمّد واتساع نطاق العمليات العسكرية ضد المدنيين، معتبرة أنّ الاحتلال الإسرائيلي استخدم سياسة الأرض المحروقة وأدوات الحرب الشاملة لإبادة السكان.

في المقابل، رفضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي نتائج اللجنة ووصفتها بأنها “متحيزة ومخزية”، رغم الشهادات الأممية والحقوقية الواسعة التي تؤكد أن العدوان تجاوز كل الأعراف والقوانين الدولية.

وفي تحليل أجرته الأمم المتحدة عبر الأقمار الصناعية كشف أن نحو 193 ألف مبنى في القطاع دُمّر أو تضرّر جزئياً، وهو ما يشكّل أكثر من نصف البنية العمرانية في القطاع.

كما طالت الهجمات أكثر من 213 مستشفى و1029 مدرسة، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في النظام الصحي والتعليمي.

ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن 14 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل بشكل جزئي في عموم غزة، فيما تُكابد المستشفيات في الجنوب لتوفير الخدمات وسط نقص حاد في الأدوية والطواقم والمعدات.

أما مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان فعبّرت عن “قلق بالغ” من حجم الدمار في مدينة غزة، معتبرة أن أي محاولة منظمة لنقل السكان قسراً من مناطقهم تمثل تطهيراً عرقياً محظوراً بموجب القانون الدولي.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن نحو 18% فقط من سكان القطاع لا يخضعون لأوامر نزوح أو لا يعيشون في مناطق عسكرية مغلقة، أما البقية، فاضطروا للنزوح مراراً، بعضهم خمس أو ست مرات منذ اندلاع العدوان.

وسجّلت المنظمة أكثر من 417 ألف حالة نزوح جديدة من شمال القطاع إلى جنوبه منذ منتصف آب/أغسطس 2025، حين وسّع الاحتلال حملته العسكرية على مدينة غزة متوعداً بـ”القضاء على مقاتلي حماس”.

ورغم التحذيرات الإسرائيلية المتكررة للسكان بالنزوح جنوباً، فإن منظمات الإغاثة تصف الأوضاع هناك بأنها “كارثية”، حيث تتكدس مئات الآلاف من العائلات في خيام مهترئة دون مياه كافية أو صرف صحي أو خدمات أساسية، فيما يتحدث العاملون الإنسانيون عن انهيار شبه تام للبنية التحتية.

وأشار مرصد مراقبة الجوع العالمي في أغسطس الماضي إلى أن مجاعة تتكشف في مدينة غزة وقد تمتد إلى باقي مناطق القطاع. ووفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يعاني نحو 514 ألف شخص، أي قرابة ربع سكان القطاع، من المجاعة الحادة.

ومنذ إعلان تفشي المجاعة رسمياً، أكدت وزارة الصحة في غزة وفاة ما لا يقل عن 177 شخصاً بينهم 36 طفلاً جراء الجوع أو سوء التغذية.

كما أفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن 60% من النساء الحوامل والأمهات الجدد يعانين من سوء تغذية حاد يهدد حياتهن وحياة مواليدهن.

ورغم هذه المعاناة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي منع دخول الإمدادات الغذائية والدوائية بشكل كافٍ، مبرراً ذلك بادعاءات “سرقة حماس للمساعدات”، وهي اتهامات تنفيها الحركة بشدة، بينما تتحدث الأمم المتحدة عن عقوبات جماعية تستهدف المدنيين وتجعل الجوع أداة من أدوات الحرب.

وبعد حصار استمر 11 أسبوعاً، سمح الاحتلال الإسرائيلي في 21 أيار/مايو بدخول مساعدات محدودة إلى غزة، لكن وكالات الإغاثة تؤكد أن حجمها لا يغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات.

وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن 73% من شاحنات المساعدات تم اعتراضها أو نهبها قبل وصولها للوجهة، إما على أيدي مدنيين جائعين أو عصابات مسلحة، ما يعكس الانهيار الكامل للنظام الأمني والمعيشي في القطاع.

كما أظهرت بيانات المكتب أن 2340 شخصاً قُتلوا منذ أواخر أيار/مايو أثناء محاولتهم الحصول على الطعام أو المساعدات، نصفهم تقريباً سقطوا قرب مواقع إمداد عسكرية إسرائيلية، والبقية على طول طرق قوافل الإغاثة.

وقال الكاتب والمحلل السياسي، ماهر حجازي لـ “وكالة أنباء تركيا”، إنه “بعد عامين من ذكرى معركة طوفان الأقصى، حدث لم يؤثر على الاحتلال الإسرائيلي فقط، بل شكّل ضربة أمنية وعسكرية له، بل وأحدث هزة عالمية على مستوى العالم كان لها تداعيات كبيرة، وأعاد القضية الفلسطينية إلى سلم أولويات العالم، واليوم نتحدث، بعد عامين من طوفان الأقصى، عن عزلة دولية يعاني منها الاحتلال الإسرائيلي، فهناك حالة من تعاظم العمل الرافض للموقف السياسي، والشعبي، والرسمي الدولي والغربي الرافض للإبادة الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني. وهناك تنامٍ لحالة الدعم والإسناد لشعبنا الفلسطيني في مختلف دول العالم، وهناك مواقف سياسية ليس آخرها الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، في محاولة للضغط على الاحتلال الإسرائيلي لوقف عدوانه على الشعب الفلسطيني ومنحه حقوقه العادلة”.

وتابع “اليوم نحن نتحدث عن حالة دولية داعمة ومساندة للشعب الفلسطيني، وهناك حراك رافع حول العالم، وإيمان راسخ بأن الشعب الفلسطيني لا بد أن يمتلك حقوقه المشروعة، وأن تكون له دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها مدينة القدس”.

وأشار إلى أن “الاحتلال الإسرائيلي، بعد عامين من الإبادة الإسرائيلية ومن طوفان الأقصى، يعاني عزلة دولية، وهناك مواقف سياسية من دول غربية بدأت بالفعل ترى أن سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة هي سياسات عدوانية، ليس فقط تجاه الشعب الفلسطيني، وإنما أيضًا تجاه العالم، واليوم، بعد عامين من طوفان الأقصى ومن هذه الإبادة الإسرائيلية بحق شعبنا داخل قطاع غزة، أصبح بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق غالانت مطلوبَين لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب”.

بدورها، تقول مؤسسة غزة الإنسانية، وهي جهة مدعومة من الاحتلال الإسرائيلي، إنها وزعت أكثر من 175 مليون وجبة غذائية منذ أيار/مايو، نافية وقوع أي حوادث قرب مراكزها. غير أن منظمات حقوقية فلسطينية تصف تلك المبادرات بأنها “دعاية لتجميل الوجه الإجرامي للاحتلال”، إذ تبقى المعابر مغلقة والحصار شاملاً.

وبينما يتحدث الاحتلال الإسرائيلي عن “عمليات عسكرية دقيقة” لاستهداف مقاتلي حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، تؤكد منظمات الأمم المتحدة أن الضحايا في غالبيتهم من المدنيين، وأن ما يجري يمثل حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني بأكمله.

من جهته، قال فادي جمال رنّو، ناشط شبابي ومهتم بالقضايا الفكرية المعاصرة لـ “وكالة أنباء تركيا”، “سواء في الحسابات الجيوسياسية أو مسار التاريخ، لا تُقاس اللحظات المفصلية بنتائجها الفورية، بل بما تزرعه من متغيرات استراتيجية تظهر ثمارها لاحقًا، وهكذا كانت عملية 7 أكتوبر، التي شكّلت تحولًا جذريًّا في الصراع العربي–الصهيوني، واخترقت (عقيدة الجدار الحديدي) التي بناها جابوتنسكي، وكشفت هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية ووهن جيشها المُتغطرس”.

وتابع “كما قلبت الطاولة على مشاريع التطبيع الإبراهيمي، ما دفع الكيان الصهيوني إلى ردٍّ هستيريّ تمثّل في حملة إبادة جماعية شاملة: قتل أكثر من 67 ألف شهيد (بينهم 19 ألف طفل)، و170 ألف جريح، وتدمير البنية التحتية، وتجويع ممنهج، واستهداف المدنيين والمستشفيات والمساجد والكنائس، وكل ذلك لم يكن تعبيرًا عن قوة، بل عن ارتباك استراتيجي وانهيار في منظومة الردع”.

وأشار إلى أنه “على الصعيد الدولي، أربكت العملية حلفاء إسرائيل، وكشفت تواطؤ الغرب وازدواجيته، وعرّت زيف الخطاب الليبرالي حول حقوق الإنسان”.

وفيما تواصل دول العالم التعبير عن “قلقها العميق” دون خطوات عملية لوقف الإبادة، يرى مراقبون أن السكوت الدولي شجّع الاحتلال على المضي في عدوانه، وسط غياب المساءلة القانونية والردع السياسي.

اليوم، وبعد عامين كاملين من الحرب، لم يبقَ في غزة سوى الركام والدماء والوجع، فيما يظل سكانها يتمسكون بالحياة رغم كل شيء، يرفعون صوتهم للعالم مطالبين بوقف العدوان ورفع الحصار ومحاسبة من ارتكبوا جرائم الإبادة بحقهم.

زر الذهاب إلى الأعلى