تقاريرهام

ما الذي يدفع تركيا إلى الانخراط المبكر في دعم مؤسسات الدولة السورية؟ (تقرير)

في الذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد المخلوع في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، يبرز دور تركيا كواحد من أبرز اللاعبين الإقليميين في دعم الدولة السورية الناشئة.

لم تكتفِ أنقرة بفتح أبوابها أمام ملايين اللاجئين السوريين خلال سنوات الثورة، بل انخرطت مبكراً في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، مساهمة في إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار.

هذا الانخراط لم يأتِ من فراغ، بل يعكس مزيجاً من الدوافع الإنسانية، التاريخية، والأمنية، كما يفسر محللون وناشطون سياسيون.

منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، كانت تركيا من أوائل الدول التي قدمت دعماً مباشراً للمعارضة، سواء عبر استضافة اللاجئين أو دعم الفصائل المسلحة في الشمال السوري.

وبعد سقوط النظام، تحول هذا الدعم إلى شراكة استراتيجية، حيث أعلنت أنقرة عن خطط لإعادة بناء البنية التحتية في المدن المدمرة، مثل حلب وإدلب، مع التركيز على قطاعات الطاقة، الصحة، والإتصالات.

هذه الجهود ليست مجرد مساعدات إنسانية، بل جزء من استراتيجية أوسع لضمان استقرار المنطقة، خاصة مع الحدود المشتركة الطويلة التي تمتد لأكثر من 900 كيلومتر.

وأكد الناشط السياسي مالك عبيد في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، على الدور الإنساني البارز لتركيا، قائلاً “تعتبر تركيا من أهم دول الجوار لسوريا حيث من بداية الثورة ساهمت وبشكل فعال في مد يد العون للاجئين وفتحت أبوابها دون قيود أو شروط وذلك لدواعي إنسانية بحتة”.

وتابع “كما أنها أنشأت منظمات إنسانية لدعم أسر اللاجئين والنازحين، حيث أنها استقبلت ما يقارب ثلاثة ملايين لاجئ سوري على أراضيها وقدمت لهم كل الدعم وعلى جميع الأصعدة سواءً التعليمية أو الصحية وحتى الدعم المالي، وبحكم العلاقات التاريخية والتآخي بين الشعوب، كانت سباقة في هذا المجال”.

وأشار إلى أن الشعب السوري بكافة مكوناته لن ينسى فضل الحكومة التركية ووقفتها منذ اندلاع الثورة السورية وحتى بعد انتصارها، كما أنها كانت من أول الدول التي اعترفت بالحكومة الحالية وقدمت لها دعم مؤسساتي ودعم إنساني، وباشرت بوضع خطط بالاتفاق مع الحكومة السورية للمساهمة في إعادة البنية التحتية للمدن المدمرة في مجال الطاقة والصحة وحتى في مشاريع الاتصالات، وكل ذلك بهدف تأمين الاستقرار وعودة اللاجئين، حسب تعبيره.

وأكد على أن “هذا مؤشر واضح لدعم الإستقرار الذي ينعكس إيجاباً على الأمن القومي لتركيا، خاصة أن لتركيا حدود طويلة مع سوريا تقدر بـ 900 كم، لذا فهي تحاول تأمين تلك الحدود وخاصة أن هناك منظمات إرهابية مثل PKK و PKK/PYD التي تحاول زعزعة الاستقرار على طول تلك الحدود”.

ولفت إلى أنه “بعد إنتصار الثورة السورية بدأت تركيا بدعم مؤسسات الدولة السورية الحديثة وتقديم لها كل المساعدات للإسهام في استقرار سوريا والذي ينعكس بدوره على الاستقرار الإقليمي والدولي في المنطقة”.

وحسب عبيد “ساهمت تركيا في عمليات عسكرية سابقة شمالي سوريا لإنشاء (مناطق آمنة)، مما مهد الطريق لعودة مئات الآلاف من اللاجئين، ومع الدولة الجديدة، يصبح هذا الاستقرار مفتاحاً لإغلاق ملف اللاجئين، الذي كلف تركيا مليارات الدولارات على مدى السنوات الماضية”.

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد العربي أن العلاقة بين تركيا والثورة السورية كانت مبنية على تواصل مباشر منذ البداية.

وقال العربي في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “تركيا كانت على تواصل مباشر مع قيادة الثورة السورية سواء في الشمال الذي كان تحت سيطرة الجيش الوطني أو في إدلب وجوارها تحت سيطرة الفصائل الثورية التي ستعرف باسم قوات ردع العدوان، والتي ستقوم بهجومها لإسقاط النظام البائد قبل عام من الآن وتؤدي لتحرير سوريا”.

واعتبر أن “تركيا ترى في سوريا حليف استراتيجي ومجال سياسي واقتصادي وثقافي وعلى كل المستويات، وهي حريصة على الدولة السورية الجديدة لكونها عانت من الدور السلبي للنظام البائد خاصة الذي دعم حزب العمال الكردستاني ضد تركيا لعقود، إضافة إلى اعتبار سوريا بوابة العرب جميعا وخاصة دول الخليج على كل المستويات”.

وذكر أن “الدولة التركية ودولة الثورة السورية يعملان وفق اتفاق استراتيجي له آفاق واعدة للشعبين السوري والتركي الآن وفي المستقبل”.

واليوم، مع الاتفاقات الاستراتيجية الجديدة، تُعزز تركيا نفوذها الإقليمي، مساهمة في إعادة ترميم الاستقرار الذي تأثر بسنوات الحرب.

وتشمل هذه الاتفاقات مشاريع مشتركة في الطاقة، حيث تسعى تركيا لربط شبكاتها الكهربائية مع سوريا، بالإضافة إلى برامج تدريب للمؤسسات الحكومية السورية الجديدة.

وفي السياق الأوسع، يُعتبر دعم تركيا جزءاً من جهود إقليمية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد سقوط الأسد المخلوع.

ومع عودة ملايين اللاجئين تدريجياً، يصبح الاستقرار السوري مفتاحاً للحد من التدفقات غير الشرعية نحو أوروبا، وهو أمر يهم تركيا كشريك أساسي في اتفاقيات الهجرة مع الاتحاد الأوروبي.

كما أن هذا الدعم يعزز من صورة تركيا كقوة إقليمية مسؤولة، بعيداً عن الاتهامات السابقة بـ”التدخل العسكري”.

مع ذلك، يظل التحدي قائماً في مواجهة التوترات مع التنظيمات الإرهابية في الشمال الشرقي، حيث تستمر تركيا في الضغط لإبعاد PKK/PYD الإرهابي عن الحدود.

في النهاية، يبدو أن انخراط تركيا المبكر ليس مجرد رد فعل إنساني، بل استراتيجية مدروسة لضمان أمنها ومصالحها الاقتصادية، مع مساهمة في بناء سوريا مستقرة تعود بالنفع على الجميع في المنطقة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى