
سقوط المحور.. من الشارع إلى الخزنة إلى الوكيل (مقال)
ما يحدث اليوم في إيران، وما انفجر بالتوازي في فنزويلا، ليس مجرد تزامن أزمات، ولا انعكاس ضغوط اقتصادية عابرة، بل لحظة كاشفة لانهيار محور كامل بُني على الكذب المنهجي، وتغذّى على القمع، وعاش طويلًا على وهم القوة. نحن أمام تفكك مشروع سياسي–أمني–مالي عابر للحدود، استثمر في الفوضى، وصدّر الخراب، ثم اكتشف متأخرًا أن الشعوب لا تُخدع إلى الأبد.
في إيران، لم يعد الشارع يحتج، بل يحاكم. الفارق جوهري. الاحتجاج يطلب إصلاحًا، أما المحاكمة فتعني أن الشرعية سقطت. النظام الذي قدّم نفسه حارسًا للأمة، انكشف كسلطة توظيف أيديولوجي للثروة الوطنية، حوّلت النفط والغاز والعملات الصعبة إلى وقود لحروب خارجية، بينما تُرك الداخل ينهار اقتصاديًا واجتماعيًا. السؤال الذي يطرحه الإيرانيون اليوم ليس اقتصاديًا فقط، بل وجودي: لماذا نموت فقرًا كي تعيش ميليشيات في دول أخرى؟
هذا السؤال هو الخطر الحقيقي على النظام، لأنه يضرب أساس الرواية التي حكم بها لعقود. رواية «العدو الخارجي» لم تعد تقنع شعبًا يرى عدوه في الفساد، وسوء الإدارة، وتصدير الأزمات بدل حلّها. القمع لم يعد رادعًا، بل دليل ضعف. وكلما ارتفع منسوبه، اقترب النظام خطوة إضافية من نهايته.
في الجهة الأخرى من العالم، تتكرر القصة بلغة مختلفة. فنزويلا لم تكن مجرد دولة حليفة، بل العقدة المالية في شبكة دولية معقّدة. هناك، تحوّلت الدولة إلى واجهة، والمصارف إلى ممرات، والنفط إلى عملة سوداء، تُستخدم لغسل أموال تجارة المخدرات وتمويل شبكات مسلحة تتغذى على انهيار الدول. ما يجري في كراكاس ليس صراعًا على السلطة فقط، بل تفكيك إحدى أهم غرف العمليات المالية لمحور كامل.
هنا يتضح الترابط الحقيقي بين إيران وفنزويلا: ليس ترابط مبادئ، بل ترابط مصالح غير شرعية. المال مقابل الحماية السياسية، السلاح مقابل الصمت الدولي، وشعوب تُدفع إلى الجوع كي تستمر الأنظمة. ومع اهتزاز هذين العمودين في الوقت نفسه، يدخل ما سُمّي «المحور» مرحلة العراء الاستراتيجي.
السؤال الذي تخشاه المنطقة ولا يُقال صراحة: ماذا عن الأذرع؟
ماذا سيحدث للميليشيات المنتشرة في عدد من الدول العربية إذا سقط النظام الإيراني أو انهار ماليًا؟ الاحتمال الساذج هو الاستسلام. أما الاحتمال الواقعي فهو الفوضى الانتقامية. هذه الكيانات لم تُنشأ لتكون جزءًا من دول، بل لتكون بديلًا عنها. ومع سقوط الراعي، قد تختار الهروب إلى الأمام: تعطيل الدولة، تخريب الاقتصاد، وجرّ المجتمعات إلى مواجهات داخلية، لا دفاعًا عن «قضية»، بل حفاظًا على الوجود.
الخطر لا يكمن في قوتها، بل في لحظة ضعفها. التنظيمات العقائدية المسلحة تكون أكثر عنفًا عندما تشعر بأن النهاية تقترب. وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية، وتتطلب وعيًا سياسيًا وأمنيًا غير مسبوق.
أما روسيا، التي طالما قُدّمت كصمام أمان أخير لهذا المحور، فقد خرجت فعليًا من الحسابات. الغرق في المستنقع الأوكراني لم يستنزف قدراتها العسكرية فقط، بل دمّر قدرتها على المناورة السياسية. روسيا اليوم محاصرة بالعقوبات، مأزومة اقتصاديًا، ومراقَبة دوليًا، ولا تملك ترف دعم كيانات مصنّفة إرهابية في معظم دول العالم. أي خطوة من هذا النوع لن تكون دعمًا للحلفاء، بل انتحارًا استراتيجيًا لما تبقى من نفوذها.
الواقع أن الوعود الروسية كانت دائمًا أكبر من القدرة على التنفيذ، لكنها اليوم أصبحت بلا قيمة. لا سلاح بلا خطوط إمداد آمنة، ولا مال بلا نظام مصرفي، ولا حماية سياسية في عالم أعاد تعريف الإرهاب وحدوده.
في المقابل، اعتمدت الولايات المتحدة، في مرحلة دونالد ترامب، مقاربة مختلفة وأكثر قسوة: تجفيف المنابع بدل مطاردة النتائج. بدل الدخول في حروب مفتوحة مع الميليشيات، جرى ضرب الدول التي تموّلها وتؤمّن لها الغطاء. هذه الاستراتيجية، مهما اختلفنا معها سياسيًا، أثبتت فعاليتها: حين يسقط المال، يسقط السلاح، وحين يختفي الغطاء، تنهار الرواية.
الحقيقة التي لا يريد أنصار هذا المحور سماعها هي أن مشروعهم لم يسقط بفعل مؤامرة خارجية، بل بفعل فساده الداخلي. سقط لأنه استخدم الشعوب وقودًا، والدين غطاءً، والمقاومة شعارًا فارغًا. واليوم، حين تنتفض الشوارع في طهران وكراكاس، فهي لا تطلب تحسين شروط العيش، بل تطالب بإغلاق صفحة كاملة من تاريخ الخداع.
الخاتمة ليست تحليلًا، بل خلاصة قاسية:
هذا المحور انتهى لأنه فقد شرعيته، وموارده، وحماته في آن واحد. وما تبقى منه ليس قوة صاعدة، بل بقايا مشروع يتآكل. المرحلة المقبلة لن تكون هادئة، لكن اتجاهها واضح. فحين تسقط الدول الراعية، لا يبقى للوكلاء إلا خياران: الذوبان… أو السقوط المدوي.
وكل المؤشرات تقول إن السقوط هو الخيار الأقرب.







