دخلت ميليشيا قسد الإرهابية مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والعسكري بعد خسارتها السيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في تطور يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره نقطة تحوّل مفصلية لا تشبه ما سبقها.
فالمواجهة التي انتهت بخروج ميليشيات قسد من المدينة لم تكن مجرّد جولة ميدانية عابرة، بل كشفت، وفق مراقبين، عن بداية مأزق استراتيجي كبير يطال بنية الميليشيا ومشروعها برمّته، ويمتد أثره إلى شرق الفرات والجزيرة السورية.
ويرى مراقبون أن ميليشات قسد لم تخض معركتها في حلب فقط من أجل الحفاظ على موطئ قدم عسكري داخل المدينة، بل سعت من خلالها إلى تجنّب تداعيات ما بعد الهزيمة، إدراكاً منها أن خسارة حلب ستفتح الباب واسعاً أمام إعادة تقييم شامل لدورها ومكانتها.
غير أن الخروج بهذه الطريقة، وتحت ضغط عسكري وسياسي متزامن، جعل من الصعب عليها إقناع حاضنتها الشعبية بأنها لا تزال قادرة على الصمود، خاصة بعد أن تكشّفت هشاشة بنيتها أمام اختبار ميداني حقيقي.
نصر حلب ومعادلات جديدة
في المقابل، شكّل ما جرى في حلب مكسباً سياسياً وعسكرياً واضحاً للدولة السورية.
فالرئيس أحمد الشرع كان بحاجة إلى نصرٍ من هذا النوع لتكريس صورته بوصفه قائداً قادراً على المضي في مشروع إعادة توحيد سوريا، بينما احتاج جيش سوريا الجديد إلى قصة نجاح “نظيفة” تؤكد تطوره وقدرته على إدارة العمليات دون الانزلاق إلى الفوضى أو الانتهاكات.
وقد أظهر الأداء الميداني في حلب، بحسب متابعين، احترافية لافتة ورسائل طمأنة للداخل السوري وللخارج على حد سواء.
هذا الأداء عزّز رهانات السوريين على الدولة الجديدة، ورفع منسوب الثقة الإقليمية والدولية بإمكانية فرض الاستقرار التدريجي، وهو ما ينعكس مباشرة على طريقة التعاطي مع ملف قسد في المرحلة المقبلة، سواء من دمشق أو من أنقرة.
خيارات ميليشيات قسد: التسوية أو الاستنزاف
بعد انتكاستها في حلب، لم تعد ميليشيات قسد كما كانت قبلها، فمع انتهاء مهلة تنفيذ اتفاقية الدمج، انتقلت سوريا وتركيا إلى مستوى جديد من التعامل مع هذا الملف، واضعتين الميليشيا أمام خيارين لا ثالث لهما: الشروع الفوري في تنفيذ الاتفاق، بما يشمل تفكيك بنيتها العسكرية وإنهاء ما تُسمى “الإدارة الذاتية”، أو مواجهة تصعيد تدريجي يوصف بأنه “ضرب تحت الحزام”، أقل كلفة على دمشق لكنه شديد الاستنزاف لميليشات قسد.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الاستراتيجية، التي بدأت ملامحها في حلب، مرشحة للتكرار في جبهات أخرى، بهدف تفكيك عناصر قوة قسد واحدة تلو الأخرى، ودفعها في النهاية إلى القبول بتسوية بشروط أكثر صرامة، في ظل تراجع هامش المناورة السياسية والعسكرية لديها.
الموقف الأميركي والرهان المؤجَّل
لافتاً، هذه المرة، أن الولايات المتحدة لم تسارع إلى احتواء التصعيد كما فعلت في محطات سابقة، بل انتظرت فرض واقع “لا قسد في مدينة حلب” قبل إعلان دعمها لتهدئة تعزّز هذا الواقع.
ويُتوقع، وفق تقديرات سياسية، أن يتكرر هذا النهج الأميركي في ملفات أخرى، بما يعكس ميلاً متزايداً لدعم اندماج المقاتلين غير الأجانب في “قسد” ضمن الدولة السورية، بدلاً من الاستمرار في حمايتها كقوة أمر واقع.
هذا التحول يضع ميليشيا قسد أمام مأزق مزدوج: أزمة ثقة مع حاضنتها الشعبية التي بدأت تدرك حدود المشروع، وأزمة مع الحليف الأميركي الذي بات أكثر ميلاً إلى الحلول النهائية وأقل استعداداً لتغطية سياسات التصعيد.
قراءة الباحثين: مأزق استراتيجي مكشوف
في هذا السياق، قال الباحث محمد سليمان في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن ميليشيا قسد “وضعت نفسها اليوم في مأزق استراتيجي خطير أمام حاضنتها الشعبية وأمام الروافع المجتمعية التي تعتمد عليها، نتيجة الخسارة التي تعرضت لها في حلب عسكرياً بسبب تعنتها وتزمتها بطروحاتها الانفصالية، وطريقة تعاملها الساذجة مع الضغوط السياسية والعسكرية المتزايدة”.
وأوضح سليمان أن ميليشيات قسد راهنت على استخدام أحياء الشيخ مقصود والأشرفية كورقة ضغط في التفاوض، لكنها انتهت إلى كشف نواياها وفضح اعتمادها على “التفاوض تحت النار”، عبر استهداف المدنيين وقوى الأمن العام، وفق كلامه.
وأضاف أن “الواقع الميداني يختلف جذرياً بين شرق الفرات وغربه، حيث باتت الجيوب التي ورثتها قسد عن النظام السابق أهدافاً سهلة بعد سقوطه، وهو ما تجلّى في سيطرة الجيش السوري على الحيين خلال يومين فقط من العملية العسكرية في كانون الثاني 2026، وما رافق ذلك من سقوط ضحايا ونزوح واسع”.
وأشار إلى أن ميليشيا قسد تعيش اليوم أزمة داخلية حادة وأزمة متفاقمة مع حاضنتها الشعبية، في وقت تكشف فيه الوساطة الأميركية الفاشلة عن موقف واشنطن الحقيقي الداعم لاندماج قسد في الدولة السورية دون شروط، بحب تعبيره.
اتفاقات قائمة وضغوط متصاعدة
من جهته، اعتبر الباحث رشيد حوراني أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية هو تطبيق مباشر للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقسد في الأول من نيسان 2025، برعاية أميركية تركية، والذي يُعد تفصيلاً لاتفاق العاشر من آذار، حسب تعبيره.
وأكد في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن ميليشيا قسد “راهنت بعد توقيع الاتفاقين على بناء مظلومية سياسية وتحالفات مع أطراف داخلية، لكن غياب أي إدانة دولية لعملية الحكومة السورية أضعف موقفها بشكل كبير”.
وأشار حوراني إلى أن ما ينتظر ميليشيات قسد شرقي الفرات قد لا يختلف كثيراً عما واجهته في حلب، مع تصاعد الأصوات داخل حاضنتها الداعية إلى تجنيب السكان التهجير والمعاناة، والقبول بتنفيذ الاتفاقات القائمة باعتبارها الخيار الأقل كلفة، وفق حديثه.
ما بعد حلب
في المحصلة، تبدو خسارة حلب أكثر من مجرد هزيمة عسكرية لميليشيات قسد؛ إنها لحظة كشف سياسي واستراتيجي، أعادت رسم موازين القوة، وفتحت الباب أمام مرحلة عنوانها الضغط التدريجي والتسويات القسرية.
وبينما تمضي دمشق وأنقرة في تثبيت معادلات جديدة، تجد ميليشيات قسد نفسها أمام استحقاق وجودي: إما الانخراط في سوريا الجديدة، أو مواجهة مسار استنزاف طويل قد يفضي إلى تفكك مشروعها من الداخل.
