حلب ترسم مصير شرقي الفرات.. سيناريوهات ما بعد المواجهة (تقرير)

تتجاوز تداعيات ما يجري في مدينة حلب حدودها الجغرافية لتطال عمق المشهد السوري برمّته، وبصورة خاصة منطقة شرقي الفرات أو “الجزيرة السورية” التي تراقب بدقة مسار المواجهة وأداء كلٍّ من ميليشات “قسد” الإرهابية والحكومة السورية، استعداداً لمرحلة يُنظر إليها على أنها مفصلية في إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية لسوريا.

ويؤكد مراقبون، أن حلب اليوم لم تعد مجرد ساحة صراع محلية، بل تحوّلت إلى مختبر حاسم يحدد مآلات مشروع الدولة السورية الموحّدة في مواجهة مشاريع التفكيك والانقسام، وفق تعبيرهم.

كما يرى مراقبون أن أي هزيمة تتكبدها ميليشيات “قسد” في حلب لن تكون حدثاً معزولاً، بل ستشكّل بداية تصدّع “الجدار الكبير” الذي فصل لسنوات بين الدولة السورية ومنطقة الجزيرة السورية، بما تحمله من ثروات بشرية واقتصادية.

فالجزيرة، التي تضم الرقة ودير الزور والحسكة، تتابع تطورات حلب باعتبارها مؤشراً مباشراً على توازن القوى، وعلى قدرة دمشق على فرض معادلات جديدة بعد سنوات من الجمود.

قلق ميليشا “قسد” وتبدّل المزاج شرقي الفرات

بحسب متابعين، تدرك ميليشيات “قسد” أن الانكسار في حلب لا يكشف فقط عن ثغرات عسكرية، بل يفتح الباب أمام ارتدادات اجتماعية وسياسية أخطر في الجزيرة السورية.

فثمة شريحة واسعة من المجتمع شرقي الفرات وصلت إلى قناعة متزايدة بأن الدولة السورية تمثّل صمام الأمان الحقيقي للأمن والاستقرار، وهو تحوّل في المزاج العام من شأنه أن يضعف الحاضنة الشعبية لـ“قسد” ويحدّ من قدرتها على المناورة.

في المقابل، يبدو الرئيس السوري أحمد الشرع في وضع أفضل نسبياً، وفق تقديرات مراقبين، لكنه يبقى بحاجة إلى نصر واضح في حلب لفتح “أبواب الجزيرة” على مصراعيها سياسياً وأمنياً.

ويؤكد هؤلاء أن ملف ميليشا “قسد” يُعد من أخطر الألغام التي تواجه سوريا ما بعد نظام الأسد المخلوع، وأن إدارته تطلّبت قدراً عالياً من الصبر والمرونة لتفكيك ألغام أخرى أقل خطورة أولاً، وهو ما نجحت فيه دمشق إلى حد كبير.

وبينما تعتقد ميليشيات “قسد” أنها أتقنت فن المناورة، يرى مراقبون أن القيادة السورية لم تكن أقل براعة في إدارة هذا الملف المعقّد بأقل الخسائر الممكنة.

حلب.. صراع يتجاوز الجغرافيا

في حلب، يُرسم مستقبل الصراع بين مشروع سوريا الموحّدة ومشاريع تمزيقها، وهو صراع لا يقتصر تأثيره على الداخل السوري فحسب، بل يمتد ليحدد ملامح الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

هذا الصراع، وفق توصيف مراقبين، فُرض على سوريا كعقاب على تحرّرها من نظام الأسد، ولم يكن خياراً طوعياً، ما جعل خيار النصر هو السبيل الوحيد للبقاء على الخريطة بحدودها المعترف بها.

المعادلة تغيّرت جذرياً

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي علي تمي، في تصريح لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “ارتدادات ما يجري في حلب على الجزيرة السورية ستكون كبيرة، وبطبيعة الحال ما حصل في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لن يكون كما قبله، المعادلة تغيّرت والمعطيات تبدّلت، فهناك شريحة كبيرة من المجتمع شرقي الفرات وصلت إلى قناعة بأن صمام الأمان لأمنهم واستقرارهم هي الدولة السورية، لذلك أعتقد أن المعادلة تغيّرت برمّتها”.

وأضاف تمي، في حديثه عن السيناريوهات المتوقعة، أن الجزيرة السورية تراقب عن كثب أداء كلٍّ من ميليشيا “قسد” والحكومة السورية في دمشق، وتنتظر نتائج المواجهة استعداداً لمرحلة ما بعد حلب، معتبراً أن هذا الترقّب بحد ذاته يشكّل مصدر قلق كبير لـ“قسد”، وفق تعبيره.

وحول الإطار الإقليمي والدولي، أشار تمي إلى وجود تفاهمات بين واشنطن وتركيا ودمشق لإعادة صياغة المشهد السوري، لافتاً إلى أن التصريح الأخير للمبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، بشأن وحدة سوريا واستقرارها، يؤكد هذا التوجّه، مرجّحاً أن عدم التزام ميليشيات “قسد” بهذه التفاهمات قد يدفع الأمور باتجاه مواجهة عسكرية باتت، وفق تعبيره، “لا مفر منها”.

ثلاثة سيناريوهات للجزيرة السورية

من جانبه، طرح محمد ياسين نجار، رئيس المكتب السياسي في حركة العمل الوطني، قراءة أوسع لسيناريوهات المرحلة المقبلة تحت عنوان: “الجزيرة السورية: القضم أم الانهيار؟”.

واعتبر في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن انتقال الزخم من حلب إلى الشرق يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات كبرى سترسم ملامح سوريا في عام 2026.

السيناريو الأول يتمثل في تصلّب الشروط التفاوضية، حيث ستسعى دمشق إلى تعزيز مكاسبها مستفيدة من شعور ميليشيات “قسد” بالضعف العسكري بعد خسارة عمقها في حلب.

وفي هذا الإطار، لن تقبل القيادة السورية، بحسب نجار، بما سماه “الاندماج الصوري”، بل ستصر على تسليم المواقع القيادية وانخراط العناصر كأفراد ضمن المؤسسة العسكرية، ما يضع “قسد” في موقف تفاوضي هش.

أما السيناريو الثاني، فهو استراتيجية “القضم الجغرافي”، عبر البدء بتحرير المناطق ذات الثقل العربي والمسيحي، انطلاقاً من ريف حلب الشرقي وصولاً إلى الرقة ودير الزور.

ويكمن التحدي الأساسي هنا، وفق نجار، في الاحترافية التقنية لتحييد المنشآت الاستراتيجية كالسدود ومحطات المياه والنفط، حفاظاً على البنية التحتية الوطنية.

السيناريو الثالث يتعلّق بانهيار واجهة تنظيم “PKK” الإرهابي، إذ يرى نجار أن سقوط جيب حلب بعد 13 عاماً من السيطرة شكّل صدمة نفسية للحاضنة الشعبية لـ“قسد”، وقد يتكرّر هذا الانهيار في مراكز القيادة شرقاً عبر عمليات مفاجئة، ما قد يؤدي إلى انفضاض المكوّن الكردي عن مشروع ما تسمى بـ “الإدارة الذاتية” والعودة إلى مظلة الدولة السورية بصفتهم مواطنين أصيلين.

نحو مرحلة جديدة

في المحصلة، تحمل أحداث حلب رسائل واضحة إلى الجزيرة السورية مفادها أن ثروات البلاد وسلّتها الغذائية لا يمكن أن تبقى رهينة مشاريع عابرة للحدود.

وبين القضم التدريجي والانهيار المفاجئ، تبقى الجزيرة مرشحة لتكون الساحة الأهم لاختبار مشروع الدولة السورية على أساس المواطنة المتساوية، في مرحلة ما بعد حلب، حيث لن يكون ما بعدها كما كان قبلها.

 

Exit mobile version