رهانات خاسرة.. العشائر العربية تسقط آخر أوهام PKK/PYD في الجزيرة السورية (تقرير)

على امتداد سنوات الصراع شمالي وشرقي سوريا، بنى تنظيم PKK/PYD الإرهابي، المدعوم من تنظيم (PKK) الإرهابي وذراعه السوري (PYD)، استراتيجيته على سلسلة رهانات سياسية وأمنية واجتماعية.

غير أن الوقائع الميدانية والتحولات الإقليمية والدولية كشفت تباعاً هشاشة تلك الرهانات، وصولاً إلى ما يصفه محللون بأن “أفشلها وأكثرها غرابة”: الاعتقاد بأن عشائر الجزيرة السورية ستقف إلى جانبها في مواجهة الدولة السورية والتحولات الجديدة في البلاد.

رهان خاسر على العشائر

يؤكد محللون أن التنظيم الإرهابي أخطأ بشكل جوهري في قراءة البنية الاجتماعية للجزيرة السورية، وفي فهم تاريخ العشائر العربية وانتمائها الوطني.

ويشير هؤلاء إلى أن العشائر، رغم ما فرضته ظروف الحرب من تفاهمات مؤقتة، لم تكن يوماً جزءاً عضوياً من مشروع PKK/PYD الإرهابي، ولا مؤمنة بأطروحاتها السياسية أو الأيديولوجية.

ويقول محللون إن “جميع رهانات قسد كانت فاشلة، لكن أكثرها فشلاً وغرابة هو اعتقادها بأن عشائر الجزيرة السورية ستقف إلى جانبها عندما يعبر الجيش العربي السوري ضفاف الفرات إلى شرقه”.

ويضيفون أن هذه القوات “فشلت فشلاً ذريعاً في فحص جينات العشائر طوال سنوات سيطرتها، وفي اختبار حجم ولائها لسوريا، لتصل اليوم إلى اتهام تلك العشائر بالخيانة، بدلاً من مراجعة سذاجتها السياسية وسوء فهمها للميول الوطنية الراسخة لأبناء المنطقة”.

سياسات نفّرت الحاضنة الاجتماعية

ولم يكن فشل PKK/PYD الإرهابي اجتماعياً فقط، بل تراكم نتيجة سياسات على الأرض عمّقت القطيعة بينها وبين السكان المحليين. إذ يتحدث أهالي ومراقبون عن إهمال متعمد للبنية التحتية والخدمات الأساسية في مناطق واسعة من الجزيرة، رغم الموارد المالية الكبيرة التي تدفقت على التنظيم الإرهابي خلال سنوات الدعم الدولي.

إلى جانب ذلك، سُجّل انتشار المخدرات للمرة الأولى بشكل لافت في مجتمعات عُرفت تاريخياً بتماسكها الاجتماعي، فضلاً عن تسجيل حالات خطف للأطفال، ما أثار غضباً واسعاً في الأوساط العشائرية.

كما يشير محللون إلى فرض «”ثقافة غريبة لا تتوافق مع الفطرة السليمة لأبناء العشائر العربية”، في إشارة إلى مناهج تعليمية وممارسات اجتماعية وأمنية قوبلت برفض شعبي واسع.

رهان آخر يتهاوى

ولم يقتصر سوء التقدير على العشائر العربية في الجزيرة، إذ راهن PKK/PYD الإرهابي أيضاً، بحسب مراقبين، على قدرتها على تجنيد عناصر وفلول من مناطق الساحل السوري والسويداء، في محاولة لتوسيع قاعدتها البشرية وإضفاء بعد وطني مزعوم على مشروعها.

غير أن هذا الرهان، وفق المصادر ذاتها، “كان فاشلاً كغيره من الرهانات”، ولم ينجح في إحداث أي اختراق حقيقي خارج مناطق نفوذها التقليدية.

تحالف اضطراري انتهى

في هذا السياق، يقول المحلل السياسي أحمد العربي، في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “العلاقة بين العشائر العربية وقسد لم تكن تحالفاً حقيقياً في أي مرحلة”.

ويوضح أن “العشائر العربية لم تكن متحالفة مع قسد ومن وراءها PKK وPYD، إلا في مرحلة سابقة لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي، وبحكم الدعم الأمريكي الواسع بالسلاح والمال”.

ويضيف العربي أن العشائر “لم تكن مقتنعة بمشروع روج آفا ولا بفكرة الإقليم الكردي”، مشيراً إلى أن هذا التقاطع المرحلي انتهى بانتهاء خطر تنظيم (داعش) الإرهابي.

ومع تبدل موازين القوى، وانتصار الثورة السورية، وسحب الولايات المتحدة دعمها عن التنظيم الإرهابي، “التحقت العشائر بدولة الثورة السورية الجديدة، انسجاماً مع قناعاتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية”، بحسب قوله.

التحول الأمريكي والتوافق الإقليمي

من جانبه، يربط المحلل السياسي مالك عبيد، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، ما جرى بتحول لافت في الموقف الأمريكي.

ويقول، إن “الولايات المتحدة، وبعد أن استثمرت قسد في محاربة تنظيم داعش الإرهابي لعقد من الزمن، رفعت الغطاء عنها أخيراً”، في خطوة غير مسبوقة جاءت نتيجة “اتفاق دول المنطقة على وحدة الأراضي السورية”.

ويشير عبيد إلى أن دولاً فاعلة، من بينها الولايات المتحدة وتركيا والسعودية، أكدت التزامها بوحدة سوريا، لافتاً إلى أن تركيا لعبت دوراً محورياً، بالتنسيق مع واشنطن، في تفكيك البنية العسكرية والأمنية لـ “قسد” المصنفة كامتداد لمنظمة PKK الإرهابية، وفق تعبيره.

سقوط أوراق الضغط

ويضيف عبيد أن أحد أهم أسباب تراجع نفوذ “قسد” هو “فشل رهانها بعد سحب ورقة سجناء داعش منها، ونقلهم إلى العراق”، ما أفقدها إحدى أبرز أدوات الابتزاز السياسي والأمني.

وبذلك، لم يتبق أمامها، وفق عبيد، سوى “خيارين لا ثالث لهما: الاندماج مع الدولة السورية، أو الانتهاء بشكل جذري».

ويؤكد المحلل أن العشائر العربية لعبت “دوراً كبيراً وحاسماً في طرد هذه المنظمات الإرهابية، بالتعاون مع الحكومة السورية”، معتبراً أن ما يجري يندرج ضمن “توافق دولي ـ إقليمي، أمريكي وتركي وسعودي، على إنهاء الحروب في هذه المنطقة الملتهبة، وإعادة الهدوء والاستقرار إليها”.

نحو مرحلة جديدة

ويرى مراقبون أن فشل رهانات التنظيم الإرهابي يعكس تحولات أعمق في المشهد السوري، حيث تتراجع المشاريع العابرة للهوية الوطنية لصالح إعادة بناء الدولة على أساس وحدة الأرض والشعب.

كما يشيرون إلى أن العشائر العربية، التي حاول PKK/PYD الإرهابي توظيفها أو تجاوزها، أثبتت مجدداً أنها رقم صعب في المعادلة السورية، وأن أي مشروع يتجاهلها أو يصطدم مع قيمها وتاريخها محكوم عليه بالفشل.

وفي ظل الحديث عن إعادة إعمار سوريا، يبرز الدور التركي، بحسب محللين، كأحد أبرز الداعمين للدولة السورية الجديدة، في إطار مسار إقليمي ودولي يسعى إلى طي صفحة الصراعات، وفتح باب الاستقرار والتنمية بعد سنوات طويلة من الحرب.

ووسط كل ذلك، تكشف تجربة PKK/PYD الإرهابي في الجزيرة السورية عن إخفاق استراتيجي مزدوج: سوء قراءة المجتمع المحلي، والارتهان لتحالفات خارجية متغيرة.

ومع سقوط آخر رهاناته على العشائر العربية، يبدو أن المشروع الذي حمله لسنوات يقترب من نهايته، في مقابل تشكل مشهد سوري جديد، تعود فيه العشائر إلى موقعها الطبيعي ضمن دولة موحدة، بعد أن قالت كلمتها بوضوح على الأرض.

Exit mobile version