
“إذاعة دمشق” بعد سقوط الأسد.. عودة الصوت العتيق بروح جديدة (تقرير)
في مشهدٍ أعاد إلى الذاكرة صوتاً ارتبط بتاريخ السوريين ووجدانهم الجمعي، أعلنت إذاعة دمشق انطلاقتها الجديدة بحلةٍ مختلفة في الشكل والمضمون، لتفتح صفحة إعلامية جديدة بعد سنوات من التوقف والتغييب، وعقب سقوط نظام الأسد المخلوع في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وتعود إلى موقعها كإحدى أعرق الإذاعات العربية، حاملةً رسالة إعلامية تراهن على المهنية والتجديد واستعادة الثقة.
عودة الصوت العتيق بروح جديدة
إطلاق إذاعة دمشق بحلتها الجديدة لم يكن حدثاً تقنياً فحسب، بل حمل أبعاداً رمزية تتجاوز فكرة إعادة البث، ليشكّل استعادة لمسار إعلامي انقطع طويلاً.
وفي هذا السياق، قال مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية الدكتور أحمد موفق زيدان، في لقاء صحفي خلال حفل الافتتاح، إن “إذاعة دمشق تصدح من جديد وبحلتها الجديدة”، معتبراً أن هذه العودة تمثل جزءاً من “حكاية السوريين اليوم، التي بدأت بنهضة سوريا وبنهضة الشام من جديد بعد التحرير في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024”.
وأضاف زيدان أن اسم دمشق لم يكن يوماً مجرد عبارة عابرة، بل “كُتب على صفحات المجد بأحرف من ذهب”، مؤكداً أن إذاعة دمشق شكّلت عبر عقود طويلة عنصراً ثابتاً في ذاكرة السوريين، ورافقتهم جيلاً بعد جيل، لتتحول إلى رمز إعلامي وثقافي لا يمكن فصله عن تاريخ المدينة والبلاد.
استئناف مسيرة قُطعت لعقود
وأشار زيدان إلى أن عودة إذاعة دمشق تمثل استئنافاً لمسيرة توقفت قسراً منذ انقلاب آذار 1963، حين دخل الإعلام السوري في مرحلة من التوظيف السياسي والتقييد، واستمر ذلك حتى الثامن من كانون الأول 2024.
وأوضح أن التحدي اليوم لا يقتصر على إعادة تشغيل محطة إذاعية، بل يتمثل في استعادة الدور الحقيقي للإعلام بوصفه صوتاً للمجتمع ومنصة للتعبير الحر.
ولفت إلى أن المهمة الملقاة على عاتق العاملين في الإذاعة “كبيرة وصعبة”، لكنها في الوقت ذاته فرصة لإعادة بناء إعلام وطني قادر على مواكبة التحولات، والتفاعل مع جمهور تغيّرت أدوات تلقيه للمعلومة واهتماماته.
الإذاعة في زمن الصوت الرقمي
وفي حديثه عن موقع الإذاعة في المشهد الإعلامي الراهن، أكد زيدان أن الإعلام الإذاعي يشهد عودة لافتة على مستوى العالم، مستشهداً بانتشار البودكاست وتزايد الاعتماد على المحتوى الصوتي.
وقال إن كثيراً من المتلقين باتوا يفضّلون الصوت على الصورة، خاصة في ظل تسارع نمط الحياة وانشغال الناس بأعمالهم وتنقلهم.
واعتبر أن هذا الواقع يمنح الإذاعة فرصة جديدة للعب دور مؤثر في صياغة الرأي العام وبناء الثقة مع الجمهور، مشيراً إلى أن الصوت قادر على خلق علاقة أكثر قرباً وصدقاً مع المستمع، إذا ما اقترن بالمهنية والمصداقية.
ثقة الجمهور وتعدد الروايات
وفي ظل تعدد المنصات الإعلامية وتضارب السرديات، شدد زيدان على أن الإعلام الوطني مطالب اليوم بأكثر من مجرد نقل الأخبار، بل ببناء الثقة.
ورأى أن توسيع هامش المشاركة أمام مختلف أطياف المجتمع السوري يشكل المدخل الأساسي لتحقيق ذلك، مؤكداً أن السماح للأصوات المتنوعة بالوصول إلى أثير إذاعة دمشق يعزز شعور الانتماء ويعيد الاعتبار للإعلام كمساحة عامة جامعة.
وأشار إلى أن سقف الحرية الإعلامية في دمشق بات مرتفعاً مقارنة بعدد من المحطات العربية، معتبراً أن هذه المساحة تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الإعلاميين على تقديم محتوى مسؤول يعكس هموم المجتمع وتطلعاته.
إعلام هجين لجيل شاب
وتطرق زيدان إلى التحولات الرقمية وتأثيرها في الخطاب الإعلامي، موضحاً أن المشهد الحالي يتجه نحو “الإعلام الهجين”، الذي يجمع بين الإعلام الكلاسيكي بأدواته السردية والتحليلية، وبين الإعلام الرقمي القائم على التقنيات الحديثة والتصاميم الجاذبة.
وأكد أن التميز الإعلامي اليوم لا يتحقق إلا عبر هذا الدمج، ولا سيما في بلد يشكّل الشباب فيه النسبة الأكبر من السكان، ما يفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير خطابها وأدواتها للوصول إلى هذا الجمهور والتفاعل معه.
رسالة تتجاوز البث
وفي رسالته حول الدور المنتظر من إذاعة دمشق، شدد زيدان على أن الإذاعة مطالبة بحمل صوت السوريين في مقاومة الاستبداد الذي امتد لأكثر من ستة عقود، وحفظ “وديعة الشهداء” وتضحياتهم، وأن تكون على قدر ثقة الشعب السوري وكل الأحرار.
كما عبّر عن تقديره لجهود كوادر وزارة الإعلام والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، معتبراً أن ما تحقق يمثل خطوة في مسار الوفاء لتلك التضحيات.
إدارة الإذاعة: تحديث في المحتوى والمنصات
من جهته، قال مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون علاء برسيلو، خلال حفل الافتتاح، إن إعادة إحياء إذاعة دمشق تأتي ضمن خطة متكاملة لتحديث الإعلام الوطني، موضحاً أن الإذاعة ستقدم باقة من الدراما الإذاعية والبرامج الهادفة التي تجمع بين المعرفة والترفيه، وتشكل منبراً حراً للمواطن السوري.
وأشار برسيلو إلى أن الإذاعة جرى دعمها بتقنيات حديثة ومنصات مرئية ومسموعة، بهدف الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من المستمعين داخل سوريا وخارجها، وإعادة الإذاعة إلى مكانتها التي ألفتها أسماع السوريين منذ عقود.
دعم رسمي وبعد ثقافي
بدوره، أعرب وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري عن سعادته بالمشاركة في افتتاح إذاعة دمشق بحلتها الجديدة، معتبراً أن الإذاعة شكّلت منذ أربعينيات القرن الماضي صوتاً رافق حياة أجيال من السوريين وترك بصمة واضحة في مسيرتهم الثقافية. وأكد أن دعم هذه المنصات الإعلامية يأتي في إطار الحرص على تعزيز الثقافة العربية والإسلامية وإيصال صوت سوريا إلى كل بيت.
إذاعة صنعت الذاكرة والنجوم
وعلى امتداد نحو تسعة وسبعين عاماً، لم تكن إذاعة دمشق مجرد محطة بث، بل ذاكرة حية وضميراً ثقافياً، منها انطلقت أسماء فنية عربية كبرى، وكانت بوابة أساسية لانتشار أغنيات وأصوات صنعت تاريخ الفن العربي.
واليوم، ومع انطلاقتها الجديدة، تعود الإذاعة برؤية معاصرة وبرامج خدمية واجتماعية وحوارية، لتؤكد أن الصوت العريق قادر على التجدد، وأن إذاعة دمشق ما زالت حاضرة لتكون مرة أخرى صوت السوريين ومرآة تحولاتهم.







