
شهدت المجتمعات الغربية خلال العقود الأخيرة تحوّلاً عميقاً في مقاربتها لقضية الشذوذ الجنسي، بعدما كان يُصنَّف في مراحل سابقة ضمن الجرائم الأخلاقية والجنائية، ليصبح في عدد من الدول محمياً بقوانين تُدرجه ضمن إطار الحريات الفردية وحقوق الإنسان.
وفي موازاة هذا التحول، برز واقع جديد في بعض السياقات يُنظر فيه إلى رفض الظاهرة بوصفه موقفاً تمييزياً أو معادياً للحريات، ما يعرّض أصحابه لانتقادات مجتمعية أو مساءلات قانونية.
هذا التبدل في المعايير والتشريعات فتح نقاشاً واسعاً في الأوساط الدينية والاجتماعية والفكرية، لا سيما في المجتمعات المحافظة التي ترى في ما جرى انقلاباً على منظومة القيم التقليدية، وانتقالاً من الرفض الجماعي إلى الإقرار الرسمي، بل إلى تجريم الاعتراض في بعض الحالات.
مسار ممنهج لنقل الظاهرة من الهامش إلى المركز
الناشط المجتمعي يوسف جندي يعتبر أن ما حدث لم يكن تحوّلاً عفوياً، بل نتيجة مسار طويل أعاد تعريف الظاهرة قانونياً وثقافياً.
ويقول جندي في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “الشذوذ الجنسي كان “جريمة في كل الشرائع والأعراف والمواثيق”، مشيراً إلى أن “المجتمعات كانت تنظر إلى المتحوّل جنسياً في زاوية الانحلال والانحطاط الأخلاقي قبل السقوط الشرعي والعرفي”.
ويرى أن بعض المنظمات، ولا سيما ذات الطابع الرأسمالي، سعت، بحسب طرحه، إلى تقليل التعداد السكاني، فوجدت في نشر الشذوذ “ضالتها وصيدها الثمين”.
ويضيف أن تلك الجهات أوعزت إلى العاملين فيها بتسهيل انتشار الفكرة عبر “رفع مستوى الحصانة والحماية المجتمعية والسياسية لمن يسعون إلى نشر فكر الشذوذ، فضلاً عن مرتكبيه”، وتحويله إلى أحد منافذ الحرية الشخصية التي يكفلها المجتمع للمواطن.
وبحسب جندي، فإن هذا المسار أفضى إلى واقع بات فيه من يقف في وجه هذا التيار يُعتبر “معادياً للحريات”، ويُتهم بـ”الانحراف والتطرف الفكري”، وقد تطاله المنصات القضائية في بعض الدول.
تحول تشريعي مدفوع بمفاهيم الحقوق الفردية
في المقابل، تشير قراءات قانونية غربية إلى أن مسار إلغاء تجريم الشذوذ الجنسي جاء نتيجة تطورات متراكمة في مفاهيم الخصوصية الفردية وعدم التمييز، وارتبط بقرارات قضائية وتشريعات أبطلت قوانين كانت تُجرّم العلاقات المثلية، معتبرة أنها تدخل في نطاق الحرية الشخصية.
كما أقرت دول عدة قوانين تجرّم خطاب الكراهية والتمييز على أساس التوجه الجنسي. ويعتبر مؤيدو هذه التشريعات أنها تهدف إلى حماية فئات تعرضت – وفق توصيفهم – لاضطهاد تاريخي، فيما يرى معارضون أنها تقيد حرية التعبير، خاصة حين تمتد إلى تجريم المواقف الرافضة للظاهرة على أسس دينية أو أخلاقية.
تهديد مباشر للمنظومة الأخلاقية
من جهته، يقدّم الشيخ الدكتور عدنان محمد أبو عمر قراءة دينية للظاهرة، معتبراً أن خطورتها تكمن في “تهديد المنظومة الأخلاقية والقِيَمية، ومحاولة هدمها بما ينافي الأعراف والقيم الدينية والمجتمعية والإنسانية، ومبادئ العقل والمنطق والفطرة السليمة”.
ويرجع أبو عمر في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أسباب انتشار الشذوذ الجنسي إلى عاملين رئيسيين؛ الأول “الحرب الإعلامية الخطيرة والغزو الفكري الذي يُعد أخطر من الغزو الجغرافي”، والثاني “الترويج والدعاية للعلاقات الشاذة عبر مختلف المنصات، بما في ذلك صناعة الأفلام السينمائية والكرتونية الموجهة للشباب والأطفال”.
ويضيف أن الترويج جرى عبر تقديم الظاهرة بوصفها حرية فردية لا ينبغي الخجل منها، إضافة إلى استغلال الفعاليات الرياضية لرفع رموز مرتبطة بها، مشيراً إلى أن بعض رؤساء الدول تبنّوا الدعوة إلى الحرية الجنسية للمثليين ضمن برامجهم الانتخابية واعتبروها من حقوق الإنسان، ما أسهم، بحسب رأيه، في تشكيل جماعات ضغط قوية وصلت إلى مواقع مؤثرة في السياسات الدولية والاقتصادية.
الموقف الفقهي كما يطرحه العلماء
ويؤكد أبو عمر أن الشذوذ الجنسي “محرَّم بإجماع فقهاء الإسلام”، وأن كتب الفقه أطلقت عليه وصف “الفاحشة”، فيما سماه بعضهم “اللواط” نسبة إلى فعل قوم لوط، مع الإشارة إلى أن بعض العلماء كرهوا هذه التسمية لارتباطها باسم نبي الله.
واستشهد بعدد من الآيات القرآنية التي تناولت قصة قوم لوط وتحريم الفواحش، منها قوله تعالى “أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ”، وقوله تعالى “وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة”، إضافة إلى آيات أخرى تؤكد تحريم الفواحش.
كما أورد جملة من الأحاديث النبوية التي وردت في شأن العقوبة، ومنها ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم، مشيراً إلى أن جمهور العلماء قرروا أن العقوبة هي القتل، فيما اتفق الفقهاء على أن السحاق بين النساء محرّم ويعاقب عليه بالتعزير وفق ما يراه الحاكم رادعاً.
ونقل عن الإمام ابن القيم قوله في “الجواب الكافي” إن “مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، وكانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات”.
دعوات إلى التشريع والعلاج
وفي خلاصة طرحه، شدد أبو عمر على ضرورة سن قوانين رادعة للحد من انتشار الشذوذ الجنسي، وعدم تشريع وجود جمعيات أو مهرجانات تروّج له، داعياً المنظمات العالمية والهيئات الإسلامية والمنابر الإعلامية إلى التحذير من آثاره الصحية والنفسية والاجتماعية.
كما دعا إلى الاهتمام بالعلاج النفسي وتطوير الوسائل العلاجية، والتركيز على التربية الأسرية، مع التأكيد على أن باب التوبة مفتوح، مستشهداً بقوله تعالى “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّه”.
جدل مفتوح بين مرجعيتين
يعكس هذا النقاش اتساع الفجوة بين منظومتين مرجعيتين؛ الأولى دينية أخلاقية ترى في الشذوذ الجنسي انحرافاً عن الفطرة ومخالفة صريحة للنصوص الشرعية، والثانية حقوقية تعتبره شأناً شخصياً محمياً بالقانون.
وبين هذين التصورين، يستمر الجدل في الفضاءين السياسي والإعلامي، في ظل عالم متداخل تتجاوز فيه التحولات التشريعية حدود الجغرافيا، لتغدو جزءاً من سجال عالمي حول القيم والحقوق وحدود الحرية.







