تتصاعد التحذيرات الإقليمية من التداعيات الجيوسياسية للحرب التي يخوضها الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران، في وقت برز فيه موقف تركي واضح يحذر من مخاطر ما تصفه أنقرة بـ”سياسات التفتيت” التي قد تنتج عن استمرار الصراع وتوسعه في الشرق الأوسط.
وتعتبر تركيا أن الحروب الممتدة في المنطقة لا تقتصر آثارها على المواجهات العسكرية المباشرة، بل قد تتحول إلى مدخل لإعادة تشكيل موازين القوى وإضعاف الدول المركزية، بما يمهد الطريق لمشاريع التقسيم وإعادة رسم الخرائط السياسية بما يخدم مصالح قوى الهيمنة والاحتلال.
وفي هذا السياق، تسعى أنقرة إلى لعب دور دبلوماسي وسياسي فاعل يهدف إلى منع توسع دائرة الحرب، والحفاظ على توازن إقليمي يحد من احتمالات تفكك الدول أو انزلاق المنطقة نحو فوضى استراتيجية طويلة الأمد.
تحذير تركي من إعادة رسم خرائط المنطقة
يرى مراقبون أن الموقف التركي من الحرب الدائرة يتجاوز مجرد الدعوة إلى التهدئة، ليعكس قلقاً عميقاً من تداعيات استراتيجية قد تطال بنية الدول في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور أنس البو، المستشار السياسي والمتخصص في العلاقات الدولية في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “التحذير التركي من سياسات التفتيت في المنطقة يعكس قراءة استراتيجية عميقة لطبيعة التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط”.
وأوضح أن “التاريخ الحديث للمنطقة يظهر أن الحروب الممتدة كثيراً ما تُستثمر لإضعاف الدول المركزية وإعادة تشكيل موازين القوى، وهو ما يفتح المجال أمام مشاريع التقسيم وإعادة رسم الخرائط السياسية بما يخدم مصالح قوى الاحتلال والهيمنة”.
وأشار البو إلى أن “أنقرة تدرك أن أي مسار يقود إلى تفكيك بنية الدول في المنطقة لن يبقى محصوراً داخل حدود دولة بعينها، بل سيؤدي إلى سلسلة من الارتدادات الأمنية والسياسية التي قد تمس الاستقرار الإقليمي برمته”.
وأضاف أن “هذا الإدراك هو ما يدفع تركيا إلى التحرك على أكثر من مستوى، عبر الدبلوماسية النشطة والدعوة إلى خفض التصعيد، إضافة إلى العمل على منع توسع رقعة الصراع الذي قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع”.
دبلوماسية متعددة المسارات
تتمثل إحدى أبرز أدوات الدور التركي في إدارة الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، في محاولة لإبقاء الصراع ضمن حدود يمكن احتواؤها ومنع تحوله إلى حرب مفتوحة في المنطقة.
وبحسب مراقبين، فإن أنقرة تحاول ترسيخ مقاربة تقوم على حماية وحدة الدول في الشرق الأوسط والحفاظ على توازن إقليمي يمنع الانزلاق نحو حالة من الفوضى الاستراتيجية التي قد تستفيد منها مشاريع التفتيت وإدامة الصراعات.
ويشير الدكتور أنس البو إلى أن “الدور التركي يشكل أحد العوامل المهمة في الحد من محاولات إعادة تشكيل المنطقة وفق منطق التقسيم”، مؤكداً أن تركيا تدرك أن انهيار الدول أو تفككها سيخلق بيئة أمنية معقدة قد تمتد تداعياتها إلى دول الجوار كافة، حسب تعبيره.
كما يرى أن “التحرك التركي لا يقتصر على التصريحات السياسية، بل يترافق مع نشاط دبلوماسي مكثف يسعى إلى تعزيز التهدئة ومنع تدهور الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة”.
الأمن العربي في الحسابات التركية
من جانب آخر، يربط محللون بين الموقف التركي من الحرب الحالية وبين رؤية استراتيجية أوسع تعتبر أن استقرار الدول العربية جزء من منظومة الأمن الإقليمي التي تؤثر مباشرة في المصالح التركية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور عبد الله الأسعد، المحلل العسكري والاستراتيجي في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “تركيا تنظر إلى الأمن القومي العربي باعتباره جزءاً من الأمن القومي التركي، وهو ما يفسر حرصها على عدم تحول الدول العربية إلى ساحات مفتوحة لتنفيذ السياسات الإقليمية والدولية”.
وأوضح الأسعد أن “أنقرة ترى أن بعض السياسات الإسرائيلية في المنطقة تسعى إلى تحويل الجغرافيا العربية إلى مسارح للصراعات، بما يضع دول الخليج والدول العربية الأخرى في مواجهة تحديات أمنية واقتصادية معقدة”.
وأشار إلى أن “هذه التحديات لا تقتصر على الجانب العسكري أو السياسي، بل تمتد لتشمل الأمن الصناعي والتجاري والغذائي، فضلاً عن التأثير في قدرة الدول على الاستفادة من ثرواتها الطبيعية ومقدراتها الاقتصادية”.
عمق استراتيجي متبادل
ويؤكد محللون أن تركيا تنظر إلى العالم العربي بوصفه عمقاً استراتيجياً مهماً يرتبط مباشرة بمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.
وبحسب الدكتور عبد الله الأسعد، فإن “الموقع الاستراتيجي للدول العربية، وخاصة الخليجية منها، يرتبط بشكل وثيق بالمصالح التركية، الأمر الذي يجعل استقرار هذه الدول عاملاً أساسياً في الحفاظ على التوازن الإقليمي”.
وأضاف أن “هذا الإدراك يفسر النشاط الدبلوماسي التركي المتزايد الذي يسعى إلى تعزيز التماسك والتضامن العربي، إضافة إلى دعم خطاب سياسي يركز على حماية الأمن العربي عموماً والأمن الخليجي على وجه الخصوص”.
كما يرى أنقرة تدرك أن أي اضطراب واسع في المنطقة قد ينعكس بشكل مباشر على مصالحها الاقتصادية والأمنية، خاصة في ظل الترابط الكبير بين طرق التجارة والطاقة والاستقرار السياسي في الشرق الأوسط، وفق تعبيره.
منع الفوضى الإقليمية
في ضوء هذه المعطيات، يتوقع خبراء أن تستمر تركيا في لعب دور سياسي ودبلوماسي يهدف إلى احتواء تداعيات الحرب ومنع تحولها إلى صراع إقليمي شامل.
ويشير مراقبون إلى أن أنقرة تحاول عبر تحركاتها الحفاظ على توازن دقيق بين مختلف الأطراف، مع التركيز على منع السيناريوهات التي قد تؤدي إلى تفكك الدول أو انتشار الفوضى في المنطقة.
ويعتقد هؤلاء أن المخاوف التركية لا تتعلق فقط بنتائج الحرب المباشرة، بل بما قد ينتج عنها من تحولات استراتيجية طويلة المدى، قد تشمل إعادة تشكيل الخرائط السياسية أو إضعاف الدول المركزية.
وفي ظل هذه المخاوف، تسعى تركيا إلى الدفع باتجاه مقاربة سياسية تقوم على التهدئة والحفاظ على وحدة الدول ومنع أي مسار يقود إلى مشاريع التفتيت التي قد تعيد رسم المشهد الإقليمي على أسس جديدة.
توازنات حساسة في الشرق الأوسط
في المحصلة، يعكس الموقف التركي من الحرب الإسرائيلية ضد إيران إدراكاً متزايداً لحساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة، حيث تتداخل الصراعات العسكرية مع حسابات النفوذ الجيوسياسي ومشاريع إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
وفي وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الحرب، تبدو أنقرة حريصة على توظيف أدواتها الدبلوماسية والسياسية للحفاظ على استقرار المنطقة ومنع الانزلاق نحو سيناريوهات التقسيم والفوضى.
ويرى محللون أن نجاح هذه الجهود سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة القوى الإقليمية والدولية على احتواء الصراع ومنع تحوله إلى حرب طويلة الأمد قد تفتح الباب أمام تغييرات جذرية في خريطة الشرق الأوسط.
