من الشعار إلى مشروع الدولة.. سوريا وتطبيق الشريعة الإسلامية (مقال)

إنّ الشريعة ليست سيفاً يُشهر، بل ميزاناً يُقام، وليست معركة تُخاض، بل حضارة تُبنى، وما يجري في سوريا اليوم – إن أُحسن توجيهه – ليس عودة إلى الماضي، بل محاولة لكتابة مستقبلٍ يكون فيه العدل أصلاً… لا استثناء.

ليست الشريعة في وعي الأمم الحيّة شعاراً يُرفع، ولا لافتة تُعلّق في لحظة حماس، بل هي منظومة حكم، ومشروع دولة، ومقياس عدالة.

ومن هنا، فإنّ أي حديث عن “تطبيق الشريعة” في سوريا لا يُقرأ بمنظار الاختزال أو التهويل، بل يجب أن يُفهم في سياق الدولة وهي تنهض من ركام، وتعيد بناء ذاتها في ظروف بالغة التعقيد.

وقبل الدخول في التفاصيل، لا بد من الوقوف عند مغالطة تتكرر كثيراً:

في توصيف هذه المسارات بـ”أسلمة الدولة”.. والحقيقة أن هذا الطرح يكشف خللاً في الفهم أكثر مما يكشف حقيقة في الواقع.

سوريا، تاريخاً وهويةً ومجتمعاً، بلد ذو أغلبية مسلمة، ومن الطبيعي – بل من مقتضيات أي نظام يدّعي احترام الإرادة العامة – أن تعكس قوانينه وقيمه المرجعية الثقافية والدينية لهذه الأغلبية.

والمفارقة أن من يرفع شعار الديمقراطية، يرفض نتائجها حين لا توافق تصوّراته.

ولعل التدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية كما فعل النبي صلى الله عليه هو ديدن الدولة السورية الجديدة والاستفادة من تشريع (القانون العربي الموحد) الماخوذ كقانون نموذجي في دول الخليج العربي والمُصادق عليه من الأمانة العامة للجامعة العربية، ومجلس وزراء العدل العرب ومجلس وزراء الداخلية العرب

من خلال البنود السبعة التالية:

أولاً: من التنظير إلى الفعل، الشريعة كسياسة عامة:

ما يلفت في المسار السوري الحالي أنه لم يبقَ في إطار الخطاب، بل بدأ يتحول إلى إجراءات ملموسة. ففي باب الاقتصاد، برز توجّه واضح نحو تفكيك المنظومة الربوية، عبر رفض الاقتراض الربوي الخارجي، وتخفيف أعباء الفوائد، وإطلاق القروض الحسنة، وهي خطوات لا يمكن قراءتها فقط كإجراءات مالية، بل كجزء من إعادة تعريف العلاقة بين المال والأخلاق في الدولة.

وهنا تكمن أهمية هذه الخطوات:

فهي تنقل الشريعة من كونها “نصوصاً فقهية” إلى كونها سياسات اقتصادية تعيد ضبط السوق، وتحدّ من الاستغلال، وتؤسس لعدالة مالية أعمق.

ثانياً: المعركة الحقيقية… مرجعية التشريع، وهي من حيث النتيجة الفقه الإسلامي (بمقاصد الشريعة الإسلامية) في العلم المقاصدي:

ليست القضية في تعديل مادة هنا أو إلغاء نص هناك، بل في سؤال أكبر: من أين يستمد القانون مشروعيته؟

التصريحات الصادرة عن المرجعيات الدينية، وما يُتداول عن مشاريع تعديل القوانين، تشير إلى أن الدولة تتجه نحو إعادة بناء منظومتها القانونية على أساس مرجعية شرعية، وهو تحوّل استراتيجي يتجاوز الإصلاح الجزئي إلى إعادة تأسيس فلسفة القانون نفسها.

وهذا، في ميزان التحليل القانوني، هو أخطر وأعمق تحوّل يمكن أن تشهده أي دولة.

ثالثاً: النظام العام.. بين الحرية والهوية

الإجراءات المتعلقة بضبط بعض المظاهر العامة – كتنظيم بيع الكحول أو إغلاق بعض الأنشطة – يجب ألا تُقرأ بمعزل عن سياقها.

فالدولة، في كل النظم القانونية، تملك سلطة تنظيم الفضاء العام بما ينسجم مع قيم المجتمع. وما يجري في سوريا هو محاولة لإعادة تعريف هذا الفضاء على أساس هوية المجتمع وثقافته، لا على أساس أنماط مستوردة أو مفروضة.

وهنا يظهر الفرق بين “القمع” و”التنظيم”:

الأول يفرض دون اعتبار، والثاني يعكس إرادة المجتمع ويحمي بنيته القيمية.

رابعاً: الأحوال الشخصية.. استعادة البنية الأصلية للأسرة

في ملف الأحوال الشخصية، يبدو التوجه واضحاً نحو إعادة ترتيب المنظومة بما يتوافق مع الأحكام الشرعية، وهو ملف بالغ الحساسية، لأنه يمسّ البنية الأساسية للمجتمع: الأسرة.

وأي إصلاح في هذا الباب لا يُقاس فقط بنصوصه، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين العدالة والاستقرار الاجتماعي.

خامساً: التعليم والدعوة.. بناء الإنسان قبل القانون

لا يمكن لأي مشروع تشريعي أن ينجح دون بيئة حاضنة. ومن هنا تأتي أهمية التوسع في التعليم الشرعي، ودعم مدارسه، ورفع مكانة الأئمة، لأن الشريعة – في جوهرها – لا تُفرض بالقانون فقط، بل تُبنى في الوعي.

فالقانون ينظّم السلوك، لكن الوعي يصنع الإنسان.

سادساً: البنية السياسية.. نحو صيغة تمثيلية أصيلة

الحديث عن آليات اختيار أقرب إلى مفهوم “أهل الحل والعقد” يشير إلى محاولة البحث عن نموذج سياسي يستمد شرعيته من التراث الإسلامي، دون أن ينفصل عن متطلبات الدولة الحديثة. وهو تحدٍّ دقيق، يتطلب موازنة واعية بين الأصالة والفعالية السياسية.

وأخيرا.. مقاصد الشريعة قبل تفاصيلها:

ربما أهم ما يجب إدراكه أن أعظم تطبيق للشريعة لا يبدأ من الحدود، بل من المقاصد:
حفظ النفس، تأمين القوت، تمكين الإنسان من دينه وكرامته.

فالدولة التي تحمي شعبها، وتؤمّن معيشته، وتفتح له أبواب العبادة والحرية المسؤولة.. هي دولة تسير في صميم الشريعة، حتى لو لم تكتمل بعد تفاصيلها.

وهنا تتجلى الحكمة:

ليست القدرة على التطبيق هي مجرد القدرة على الفعل، بل القدرة عليه دون أن يترتب عليه شرٌّ أعظم.

الخلاصة:

إنّ الشريعة ليست سيفاً يُشهر، بل ميزاناً يُقام، وليست معركة تُخاض، بل حضارة تُبنى، وما يجري في سوريا اليوم – إن أُحسن توجيهه – ليس عودة إلى الماضي، بل محاولة لكتابة مستقبلٍ يكون فيه العدل أصلاً.. لا استثناء.

Exit mobile version