
في ظل تحولات ثقافية متسارعة يشهدها العالم، يبرز الشذوذ الجنسي بوصفه “مشهداً مقرفاً” وحرباً مفتوحة على القيم والأخلاق والفطرة البشرية، في وقت تتزايد فيه مظاهر حضوره داخل المجتمعات الغربية عبر الإعلام والتشريعات والفضاء الرقمي.
ويثير هذا الواقع جدلاً واسعاً، لا سيما في الأوساط المحافظة، التي ترى في هذه الظاهرة تهديداً مباشراً لبنية الأسرة وتماسك المجتمع، ما يفتح الباب أمام قراءات وتحليلات تربط انتشارها بسياقات فكرية وثقافية وسياسية أوسع.
ويرى المحلل السياسي مالك عبيد أن “الشذوذ الجنسي شهد في الآونة الأخيرة تفشياً ملحوظاً في المجتمعات الغربية”، معتبراً أن هذه الظاهرة “تندرج ضمن محاولات تفكيك الأسرة والمجتمع، وتؤدي إلى الانحلال الخلقي والتفكك الاجتماعي”.
ويعزو عبيد في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، هذا الانتشار إلى عدة عوامل في مقدمتها الإعلام، قائلاً إن “الأفلام والمسلسلات والإنتاجات الفنية باتت تُظهر الشذوذ سلوكاً طبيعياً وجذاباً، ما يسهم في إعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة تجاه هذه القضايا”.
ويضيف أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً محورياً في هذا السياق، من خلال “حملات تأثير ناعمة يقودها مشاهير ومؤثرون تستهدف فئة الشباب والمراهقين، وتعمل على تطبيع هذه السلوكيات في الوعي الجمعي”.
كما يشير إلى أن الرياضة العالمية أصبحت، بحسب وصفه، “منصّة لتمرير رموز وشعارات مرتبطة بالشذوذ الجنسي، بما يعزز حضورها في الفضاء العام”.
وفي الجانب القانوني، يلفت عبيد إلى أن “التشريعات في بعض الدول الغربية تتجه نحو إلغاء تجريم الشذوذ ومنح ممارساته حماية قانونية، وهو ما يرسّخ حضوره كجزء من المنظومة الحقوقية الحديثة”. كما يتوقف عند دور المؤسسات التعليمية، معتبراً أن “إدراج مفاهيم جديدة تتعلق بالهوية الجنسية في المناهج الدراسية يسهم في إعادة تعريف الفروق بين الجنسين، بما يتجاوز المحددات البيولوجية التقليدية”.
ويؤكد عبيد أن هذه التحولات “تُعد، من منظور المجتمعات الإسلامية، حرباً مفتوحة على القيم والأخلاق”، مشدداً على أن “الدين الإسلامي يرفض الشذوذ الجنسي ويعتبره فاحشة، كما ورد في القرآن الكريم في قصة قوم لوط”.
ويرى أن هذا الرفض “يندرج ضمن منظومة حماية الأسرة والمجتمع من الانحلال والتفكك”، داعياً إلى “تعزيز الوعي المجتمعي ومواجهة هذه الظاهرة للحفاظ على القيم الأخلاقية”.
في المقابل، تقدم المحللة السياسية عايدة بنت عمر قراءة أكثر تفصيلاً لجذور المفاهيم المرتبطة بالجدل الدائر، مشيرة إلى أن “مصطلح النوع الاجتماعي ظهر في حقل الدراسات الاجتماعية من خلال كتاب ‘الجنس والنوع الاجتماعي’ للباحثة البريطانية آن أوكلي عام 1972”.
وتوضح في حديثها لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “هذا المصطلح يُترجم لكلمة (Gender)، التي تعني التمييز بين الذكورة والأنوثة من منظور اجتماعي، وليس بيولوجياً فقط”.
وتضيف بنت عمر أن “النظرية المرتبطة بالنوع الاجتماعي تقوم على فكرة أن الفروق بين الرجل والمرأة ليست فطرية أو بيولوجية، بل هي نتاج المجتمع وثقافته”، معتبرة أن “هذا الطرح يفتح الباب أمام إعادة تعريف الأدوار الجندرية، بما يسمح للفرد باختيار هويته بمعزل عن تكوينه البيولوجي”.
وفي هذا الإطار، تشير إلى دور المنظمات الدولية، قائلة إن “الأمم المتحدة وهيئاتها تعمل على ترسيخ مبدأ المساواة المطلقة بين الأنواع من خلال تعديل القوانين والتشريعات، ومراقبة تنفيذها”. و
تستشهد في ذلك بما ورد في مسودة الاستنتاجات الصادرة عن لجنة وضع المرأة عام 2016، والتي تدعو إلى “إلغاء القوانين التمييزية وضمان تطبيق سياسات تراعي منظور الجندر”.
وتذهب بنت عمر إلى أبعد من ذلك في توصيفها، معتبرة أن “العالم يشهد صراعاً فكرياً وعقدياً حول هذه المفاهيم”، مضيفة أن “العديد من المنظومات الدينية والفكرية استسلمت لما تسميه ‘الدين العالمي الجديد’، بينما لا يزال الإسلام – رغم ضعف أتباعه – يقاوم هذه التحولات ويحافظ على الفطرة الإنسانية”.
وتقول إن “الإسلام يخوض اليوم معركة الحفاظ على إنسانية الجنس البشري، بعد أن خاض سابقاً معارك التوحيد والعدل”، معتبرة أنه “يقف في مواجهة ما تصفه بمحاولات تعميم الشذوذ والفردانية والسلوكيات التي تتنافى مع القيم الدينية”.
وفي سياق متصل، تحذر بنت عمر من تأثير الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن “الجندرة تُروَّج اليوم عبر جيوش إلكترونية ومواقع إباحية تستهدف الأطفال والمراهقين، من خلال ألعاب وبرامج تتضمن إيحاءات جنسية شاذة، ما يسهم في كسر الحواجز النفسية وتطبيع هذه السلوكيات”.
وعلى صعيد السياسات، تتوقف بنت عمر عند التجربة التركية، موضحة أن “تركيا انسحبت عام 2021 من اتفاقية إسطنبول، لما تحمله – بحسب وصفها – من مبادئ وأفكار تُعد خطيرة على المجتمع”. وتشير إلى أن “أنقرة اتجهت نحو تعزيز دور الأسرة، واعتبارها نواة أساسية في بناء مجتمع متماسك”.
وتضيف أن “القيادة التركية، وعلى رأسها الرئيس رجب طيب أردوغان، شددت في أكثر من مناسبة على أهمية الزواج وضرورة مواجهة تراجع معدلات المواليد”، لافتة إلى “إطلاق برامج لتيسير الزواج عبر قروض ميسرة، إلى جانب دعم المؤسسات التربوية وتعزيز القيم الأسرية”.
وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى الجدل حول الشذوذ الجنسي مفتوحاً على مستويات متعددة، تتداخل فيها الأبعاد الدينية والثقافية والقانونية، في وقت تتسارع فيه التحولات الاجتماعية على مستوى العالم.
وبين من يرى في هذه الظاهرة تهديداً وجودياً للقيم، ومن يعتبرها جزءاً من تطور مفاهيم الحقوق والحريات (حسب مزاعمهم)، يستمر النقاش دون مؤشرات حاسمة على حسمه في المدى القريب.







