
تشهد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مرحلة دقيقة توصف من قبل محللين بأنها “لحظة وعي متأخرة”، حيث بدأت العواصم الأوروبية تدرك تدريجياً أن أنقرة تمثل شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه في ظل التحولات المتسارعة على الساحة الدولية، سواء في ملفات الأمن أو الطاقة أو سلاسل التوريد.
هذا التحول في الإدراك الأوروبي يأتي بعد سنوات من التوترات السياسية والجمود في مسار انضمام تركيا إلى الاتحاد، ما يعكس، وفق مراقبين، تناقضاً متزايداً بين الحاجة الأوروبية إلى الدور التركي، وبين التردد السياسي في الاعتراف بأنقرة كشريك كامل.
انتقادات أوروبية لسياسات التهميش
في هذا السياق، اعتبر محلل ألماني أن استبعاد تركيا من اجتماعات تتعلق بالشرق الأوسط يمثل “خطأً استراتيجياً”، مؤكداً أن أنقرة لاعب رئيسي في المنطقة وعضو راسخ في حلف شمال الأطلسي رغم التعقيدات السياسية.
وأوضح أن تجاهل تركيا، خصوصاً في ملفات شرقي المتوسط، قد يدفعها إلى مزيد من التقارب مع روسيا، وهو سيناريو لا يخدم المصالح الأوروبية.
ودعا إلى اعتماد سياسات “استباقية” لتعزيز العلاقة، مثل تحديث الاتحاد الجمركي وتسهيل إجراءات التأشيرات، باعتبارها أدوات أساسية لربط تركيا بشكل أوثق بالمعايير الأوروبية.
أنقرة: الكرة في ملعب بروكسل
من جهته، وجّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان انتقادات صريحة للاتحاد الأوروبي، متسائلاً “ماذا تنتظرون؟”، في إشارة إلى استمرار تجميد مفاوضات انضمام تركيا رغم أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية.
وخلال مؤتمر صحفي في العاصمة النمساوية فيينا، شدد فيدان على أن تركيا تلعب أدواراً محورية في قضايا دولية معقدة، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية، مؤكداً أن هذه المعطيات تستدعي تسريع مسار الانضمام بدلاً من تعطيله.
وأشار إلى أن العقبة الرئيسية ليست تقنية أو مرتبطة بالمعايير، بل تعود إلى غياب الإرادة السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، لافتاً إلى أن أنقرة مستعدة للوفاء بكافة المتطلبات.
كما أبرز فيدان أهمية تعزيز التعاون في مجالات الأمن والطاقة والتجارة، مشيراً إلى أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين يقترب من 250 مليار دولار، مع إمكانية مضاعفته في حال تطوير العلاقات.
“وعي متأخر” أم تحول استراتيجي؟
ويرى محللون أن أوروبا تعيش اليوم لحظة إدراك متأخرة ومؤلمة في علاقتها مع تركيا، حيث تسعى للاستفادة من قدراتها الاستراتيجية دون تقديم مقابل سياسي يعكس هذه الأهمية.
وبحسب هذا التقييم، فإن أوروبا تحتاج إلى دور تركيا في البحر الأسود، وفي تأمين الطاقة، وضبط الحدود، وتعزيز منظومات الدفاع، لكنها لا تزال مترددة في التعامل معها كشريك متكافئ.
ويشير هذا التناقض إلى أزمة أعمق في الهوية الأوروبية، حيث تخشى بعض النخب أن يؤدي التقارب مع تركيا إلى إعادة تعريف المشروع الأوروبي، الذي طالما قُدّم بوصفه فضاءً مغلقاً ثقافياً وسياسياً.
حسابات الطاقة وسلاسل التوريد
في هذا الإطار، يؤكد الباحث في الشأن السياسي والقانوني فراس حاج يحيى، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “العلاقة بين الطرفين تشهد إعادة تقييم حقيقية، يمكن وصفها بأنها وعي متأخر أكثر من كونها تحولاً مفاجئاً”.
وقال في هذا السياق، إن “أوروبا تعاملت لسنوات مع تركيا كشريك إشكالي، لكن التطورات الأخيرة، خاصة التوترات في الشرق الأوسط، أعادت رسم الحسابات، إذ إن أي تصعيد محتمل بين الولايات المتحدة وإيران أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يضع الاقتصاد الأوروبي أمام مخاطر مباشرة”.
وأضاف “في ظل هذه التحديات، تبرز تركيا كبديل جيوسياسي مهم، سواء كممر للطاقة أو كفاعل قادر على ضبط التوازنات الإقليمية، ما يجعل التقارب معها ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً”.
تحولات في موازين القوى الدولية
من جانبه، يشير الباحث السياسي رشيد حوراني، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إلى أن العلاقة بين أوروبا وتركيا حتى عام 2024 اتسمت بما يمكن وصفه بـ”المناكفة والعداء الناعم”، إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير مع إدراك أوروبا لأهمية الموقع الجغرافي والدور الجيوسياسي لأنقرة.
وقال حوراني، إن “أوروبا باتت أكثر ميلاً للحفاظ على تركيا ضمن دائرة الشراكة، نظراً لقدرتها على عقد صفقات استراتيجية في المجالات الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن استقلالية قرارها السياسي”.
وتابع “في ظل الحديث عن احتمالات تراجع الدور الأميركي أو إعادة تموضعه، تدرك أوروبا أن تركيا تمتلك القدرة على سد أي فراغ محتمل، وهو ما يعزز مكانتها كشريك لا يمكن الاستغناء عنه”.
ألمانيا: شراكة قائمة على المصالح
وفي السياق ذاته، أكد الرئيس الألماني السابق كريستيان وولف أن العالم يحتاج إلى تركيا أكثر مما تحتاج هي إليه، مشدداً على أهمية الثقة المتبادلة بين الجانبين.
وأشار إلى أن صورة ألمانيا في تركيا لا تزال إيجابية، ما يتيح فرصاً لتعزيز التعاون، خاصة في ظل التحولات في سلاسل التوريد العالمية التي بدأت تتجه من مضيق هرمز نحو موانئ البحر الأبيض المتوسط، وفق تعبيره.
وأوضح أن هذا التحول يمنح تركيا ميزة جيوسياسية كبيرة، إلى جانب عوامل أخرى مثل انخفاض تكاليف العمالة نسبياً، ما يجعلها وجهة جذابة للشراكات الاقتصادية، خصوصاً بالنسبة لألمانيا.
بين البراغماتية والعزلة
في ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام خيارين: إما تبني مقاربة براغماتية تعترف بتركيا كشريك استراتيجي كامل، أو الاستمرار في سياسة التردد التي قد تقود إلى عزلة استراتيجية مكلفة.
ومع تصاعد التحديات الإقليمية والدولية، من أمن الطاقة إلى النزاعات الجيوسياسية، يبدو أن كفة الواقعية السياسية بدأت تميل تدريجياً نحو إعادة صياغة العلاقة مع أنقرة، بما يتجاوز الخلافات التقليدية.
وتؤكد المؤشرات الراهنة أن العلاقة بين أوروبا وتركيا دخلت مرحلة جديدة عنوانها “إعادة التقييم”، مدفوعة بضرورات الجغرافيا السياسية ومصالح الاقتصاد والأمن.
ورغم استمرار العقبات السياسية، فإن تزايد الحاجة الأوروبية إلى الدور التركي قد يفرض، عاجلاً أم آجلاً، تحولاً في مقاربة بروكسل، نحو شراكة أكثر توازناً وواقعية، تعكس حقيقة أن تركيا لم تعد مجرد جار صعب، بل شريك لا غنى عنه في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي.







