“القوة أولا”.. أردوغان يربط بين التأثير السياسي والقدرة على فرض الوقائع ميدانيا (تقرير)

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والتصعيد العسكري المتكرر في عدد من بؤر التوتر بالشرق الأوسط، أثار تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن “من لا يملك القوة في الميدان لن يجد لنفسه مكاناً على الطاولة” نقاشات واسعة حول دلالاته السياسية والاستراتيجية، خاصة في وقت تتزايد فيه المنافسة الإقليمية والدولية على النفوذ وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

ويأتي التصريح في سياق رؤية تركية متنامية تربط بين القوة العسكرية والدبلوماسية، وتعتبر أن النفوذ السياسي لم يعد يُبنى فقط عبر الخطاب الدبلوماسي أو العلاقات الاقتصادية، بل يحتاج أيضاً إلى عناصر ردع وقوة ميدانية تفرض حضور الدولة في معادلات التفاوض وصناعة القرار.

القوة والدبلوماسية.. مساران متوازيان

ويرى الكاتب والباحث السياسي مصطفى النعيمي، أن السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة قامت على مبدأ الجمع بين الانفتاح الدبلوماسي وتعزيز عناصر القوة الوطنية، موضحاً أن الرسائل الإيجابية التي توجهها أنقرة إلى العالم بشكل عام وإلى الشرق الأوسط بشكل خاص تعكس حرص القيادة التركية على الأمن والاستقرار الدوليين لما لذلك من انعكاسات مباشرة على مصالح تركيا ومكانتها الإقليمية.

وقال النعيمي في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “الرسائل الإيجابية التي يوجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تجاه العالم بشكل عام والشرق الأوسط بشكل خاص تدلل على مدى حرص القيادة التركية على الأمن والاستقرار الدولي، وهو ما سينعكس إيجاباً على تركيا، وبالتالي فإن مسارات الدبلوماسية المرنة التي تخوضها تركيا للحصول على مكتسبات وحضور في المحافل الدولية أصبحت السمة الأبرز للدبلوماسية التركية”.

وأضاف أن أنقرة تدرك في الوقت ذاته أن الحضور الدولي لا يمكن أن يقتصر على الأدوات السياسية أو الاقتصادية فقط، موضحاً أن “الحضور لا يقتصر فقط على الجانب الدبلوماسي أو السياسي أو حتى الاقتصادي، وإنما يحتاج إلى قوة، وهذه القوة لابد أن تستمد من الحضور الفاعل في السلم والحرب لتحقيق هذه المكتسبات وبلورة تحالفات قد تبدأ تكتيكية وتصل إلى المستوى الاستراتيجي”.

وأشار إلى أن هذه الرؤية تبدو أكثر وضوحاً في البيئة الإقليمية المحيطة بتركيا، ولا سيما على حدودها الجنوبية مع كل من العراق وسوريا، حيث تمثل الملفات الأمنية أولوية استراتيجية لأنقرة، وفق تعبيره.

وأوضح النعيمي أن الملف السوري يعد من أبرز الأمثلة على هذا التوجه قائلاًـ إن |الحضور التركي كان واضحاً في سوريا، وبالرغم من وجود تحديات، فإن القيادة التركية أخذت على عاتقها دعم القيادة السورية داخلياً وإقليمياً ودولياً، نظراً لأن تأمين حدودها الجنوبية والتخلص من التهديدات التي كان يمثلها حزب العمال الكردستاني شكلا أولوية لها، والدولة السورية حققت ذلك، وبالتالي بنت معها تركيا علاقات استراتيجية واسعة النطاق”.

مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي

من جهتها، ترى المحللة السياسية عايدة بن عمر، أن تصريح أردوغان يعكس قراءة تركية مبكرة لطبيعة المرحلة المقبلة، والتي تتسم بتزايد الصراعات الجيوسياسية وتراجع الاستقرار في عدد من المناطق الحيوية.

وقالت بن عمر في حديثها لـ |وكالة أنباء تركيا”، إن “أردوغان يدرك بحسه السياسي العالي أن القوى الكبرى والإقليمية تتجهز لحروب طويلة، وأننا دخلنا مرحلة اللااستقرار، وأن التنافس والتطاحن على إعادة رسم النفوذ في منطقتنا الشرق أوسطية بلغ مستويات غير مسبوقة”.

وأضافت أن المشاريع الإقليمية المتنافسة باتت تتحرك في المجال الجيوسياسي المحيط بتركيا، موضحة أن “مشروع إسرائيل الكبرى ومشروع إيران الكبرى يتمددان في المحيط التاريخي الجيوستراتيجي لتركيا، وحتى إن تصادما أو دخلا في مواجهة مؤقتة فإنهما يتفقان في الخشية من القوة التركية المتنامية التي تتمتع بقبول شعبي إقليمي، بخلاف الرفض الجماهيري الذي تواجهه إسرائيل وإيران في العديد من الساحات”.

وفي قراءتها للتطورات الإقليمية، اعتبرت بن عمر أن المواجهة الأمريكية الإيرانية تمثل جزءاً من صراع أوسع على النفوذ الدولي، مشيرة إلى أن “الحرب الأمريكية الإيرانية هي صراع تكسير عظام بين قوى نفوذ، حيث تسعى كل قوة إلى تعزيز مكانتها في النظام العالمي الجديد على حساب دماء الشعوب”.

الصناعة العسكرية ودورها في تعزيز النفوذ

وخلال العقدين الماضيين، أولت تركيا اهتماماً كبيراً بتطوير صناعاتها الدفاعية، ما انعكس على ارتفاع نسبة الاكتفاء الذاتي في قطاع الصناعات العسكرية وزيادة صادراتها الدفاعية إلى عشرات الدول حول العالم.

وفي هذا السياق، ترى بن عمر أن التطور العسكري التركي أصبح أحد أهم ركائز السياسة الخارجية التركية، موضحة أن “تركيا تمكنت من بناء صناعات عسكرية استراتيجية متطورة حررتها من التبعية الخارجية في ملف التسلح، فأصبحت تمتلك سلاحاً محلياً يصدر إلى الخارج، إلى جانب بنية تحتية تضاهي، بل وتتفوق في بعض المجالات، على نظيراتها في أوروبا والغرب”.

وأضافت أن هذه القدرات تعززها عوامل أخرى تشمل الاستقرار السياسي واستمرار النمو الاقتصادي وتوسيع شبكات التعاون الدفاعي، موضحة أن أنقرة نجحت في “توسيع شبكة العلاقات والتعاون العسكري مع دول تتمتع بمواقع جغرافية حساسة ومهمة مثل السودان والصومال وقطر والكويت، وهو ما يعزز حضورها في مناطق استراتيجية مؤثرة”.

رسائل ردع وتأكيد على الدور الإقليمي

وبحسب مراقبين، فإن تصريح أردوغان لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يحمل أيضاً رسائل سياسية تتعلق بموقع تركيا في معادلات المنطقة ومستقبل التسويات الإقليمية.

وتقول بن عمر، إن “تصريح أردوغان يمثل رسالة مبطنة إلى أعداء تركيا بأن أنقرة جاهزة لأي تهديد يمس أمنها أو يهدد مصالحها وحقوقها، سواء في قضايا شرق المتوسط أو قبرص أو ترسيم الحدود البحرية مع اليونان”.

وأضافت أن الرسالة التركية تتجاوز مفهوم الردع التقليدي لتؤكد أن “تركيا دولة تمتلك قوة السلاح وقوة الدبلوماسية واقتصاداً قوياً، بما يجعلها غير خاضعة لأي ابتزاز أو تهديد، كما أنها لاعب مؤثر في حل أزمات المنطقة ورقم صعب في أي تسوية سياسية أو أمنية مستقبلية”.

ومع استمرار التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، يبدو أن تصريح أردوغان يعكس توجهاً استراتيجياً تركياً يقوم على معادلة واضحة مفادها أن النفوذ السياسي والدبلوماسي لا ينفصل عن امتلاك عناصر القوة الشاملة، وأن الحضور على طاولات التفاوض الدولية بات مرتبطاً، أكثر من أي وقت مضى، بالقدرة على التأثير في الميدان وصياغة التوازنات الإقليمية.

Exit mobile version