سياسةهام

تقرير بحثي تركي: تطبيع تركيا وأرمينيا يعيد رسم خريطة جنوب القوقاز نحو مركز جيوسياسي رئيسي

مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية "insamer"

قال تقرير بحثي متخصص صادر عن مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية “insamer” التركي إن العلاقات بين تركيا وأرمينيا دخلت مرحلة جديدة تتجاوز البعد الثنائي التقليدي، لتصبح أحد أبرز الملفات المؤثرة في مستقبل جنوب القوقاز، في ظل التحولات التي فرضتها حرب تحرير إقليم ناغورنو كاراباخ الثانية، وتصاعد أهمية “الممر الأوسط” كأحد أبرز طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

وحسب التقرير، يرى مراقبون أن عملية التطبيع لم تعد تقتصر على إعادة فتح الحدود أو استئناف العلاقات الدبلوماسية، بل باتت تمثل جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في منطقة تشهد تنافساً متزايداً بين القوى الإقليمية والدولية.

تحولات إقليمية

أسهمت المتغيرات التي أعقبت حرب كاراباخ الثانية في تقليص النفوذ الروسي التقليدي داخل جنوب القوقاز، بالتزامن مع توجه الحكومة الأرمنية نحو سياسة خارجية أكثر انفتاحاً على الغرب، وسعيها إلى بناء علاقات مباشرة مع كل من تركيا وأذربيجان.

ويعزز فوز رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بولاية جديدة، ورسائله الداعمة لاستمرار التطبيع مع أنقرة، التوقعات بإمكانية تحقيق تقدم خلال المرحلة المقبلة، رغم استمرار بعض التحديات الداخلية والضغوط القادمة من قوى سياسية معارضة وجماعات من الشتات الأرمني.

خطوات تدريجية

بدأت جولة جديدة من التطبيع منذ نهاية عام 2021، عندما عين البلدان ممثلين خاصين لإدارة المفاوضات، قبل أن تنطلق اللقاءات الرسمية في موسكو مطلع عام 2022، حيث اتفق الجانبان على العمل نحو تطبيع كامل للعلاقات دون شروط مسبقة.

ومنذ ذلك الحين، اعتمد الطرفان سياسة الخطوات التدريجية، التي شملت استئناف الرحلات الجوية المباشرة، ومناقشة تسهيلات التأشيرات، وتطوير حركة الشحن الجوي، وإعادة تأهيل بعض البنى التحتية الحدودية، إضافة إلى بحث إعادة تشغيل خط السكك الحديدية بين قارص التركية وغيومري الأرمنية.

كما شكل انعقاد جولة المفاوضات الخامسة عند معبر أليجان/مارغارا الحدودي محطة رمزية مهمة، باعتبارها أول مفاوضات تُجرى عند الحدود نفسها، في إشارة إلى اقتراب الانتقال من التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية.

الممرات التجارية والطاقة

يكتسب مسار التطبيع أهمية إضافية لارتباطه بمشاريع النقل والطاقة في أوراسيا، وعلى رأسها مشروع “الممر الأوسط”، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد البدائل الاستراتيجية لطرق التجارة التقليدية.

ويبرز في هذا السياق مشروع ممر زنغزور، الذي يهدف إلى ربط أذربيجان بإقليم نخجوان ثم بتركيا عبر الأراضي الأرمنية، وهو مشروع من شأنه أن يعزز تدفق التجارة والطاقة بين آسيا الوسطى وأوروبا، ويمنح جنوب القوقاز دوراً محورياً في شبكات النقل الدولية.

وفي المقابل، تتابع كل من روسيا وإيران هذه التطورات بحذر، نظراً لما قد يترتب عليها من تغييرات في موازين النفوذ الإقليمي وخريطة الممرات الاستراتيجية.

مستقبل مفتوح

ورغم استمرار بعض العقبات السياسية، فإن المؤشرات الحالية توحي أن عملية التطبيع تسير بوتيرة مستقرة، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية والتحولات الإقليمية المتسارعة.

ومع تنامي حركة التجارة والطاقة بين آسيا الوسطى وأوروبا، تبدو جنوب القوقاز مقبلة على مرحلة جديدة قد تحولها من منطقة عبور هامشية إلى مركز جيوسياسي رئيسي، فيما قد يشكل نجاح التقارب التركي الأرميني أحد أهم مفاتيح إعادة رسم المشهد الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى