
تتجه الأنظار إلى العاصمة التركية أنقرة، مع وصول رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الثلاثاء 28 يوليو 2026، في زيارة رسمية يلتقي خلالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على رأس وفد يضم وزراء ومسؤولين ورجال أعمال.
وتحمل الزيارة أبعادا سياسية واقتصادية وأمنية، بينما تتركز المباحثات على ملفات الطاقة، والمياه، والاستثمار، وطريق التنمية، إلى جانب التعاون الأمني وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وتأتي الزيارة في وقت يشهد فيه التعاون العراقي التركي زخما متزايدا في عدد من الملفات الاقتصادية، وسط توجه مشترك نحو توسيع الشراكات وتنفيذ مشروعات ذات أثر مباشر على البلدين.
وقبيل وصوله إلى أنقرة، أكد الزيدي في تغريدة على حسابه في منصة “إكس”، أن زيارته تأتي استجابة لدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بهدف تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
وقال إن العراق يرتبط مع تركيا بجوار تاريخي وجغرافي وحضاري، إضافة إلى مصالح مشتركة، مشيرا إلى أن جدول الأعمال يشمل ملفات الاستثمار، والمياه، وطريق التنمية، وجهود تعزيز الاستقرار في المنطقة، فضلا عن بحث ملفات اقتصادية وأمنية تحقق المنفعة المتبادلة للشعبين.
وتبرز الطاقة بوصفها أحد أهم محاور الزيارة، بعدما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أنقرة تستهدف توقيع اتفاقية تعاون شاملة في مجال الطاقة مع العراق، عقب محادثاته مع رئيس الوزراء العراقي.
كما أعلن أردوغان انضمام شركة البترول التركية “TPAO” شريكا في أحد أهم مشاريع النفط العراقية في محافظة كركوك.
وفي السياق نفسه، أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار توقيع اتفاقية نقل حصص بين شركة البترول التركية وشركة “بي بي”، استحوذت بموجبها “TPAO” على 15 بالمئة من حصص شركة “BP Energy Company of Kirkuk Limited” العاملة في كركوك.
وأوضح أن هذه الشراكة تمنح الشركة التركية مشاركة مباشرة في الحقول النفطية بمحافظة كركوك، التي تعد من أهم مناطق إنتاج النفط والغاز في العراق، مضيفا أن الشركاء سيعملون على تطوير احتياطيات تقدر بنحو ثلاثة مليارات برميل وتحويلها إلى إنتاج.
وأشار إلى أن الاتفاق يعزز حضور شركة البترول التركية في الأسواق الدولية، ويحمل في الوقت نفسه أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تمثلها كركوك بالنسبة لتركيا.
ويعكس توقيت هذه الخطوة الاقتصادية تزامنا مع زيارة الزيدي لأنقرة رغبة مشتركة في نقل التعاون في قطاع الطاقة إلى مرحلة جديدة، عبر الاستثمار المباشر، وزيادة الإنتاج، وتطوير الحقول، بما يخدم مصالح الطرفين.
ولا يقتصر جدول الأعمال على ملف الطاقة، إذ يحتل ملف المياه موقعا متقدما في المحادثات، في ظل الحاجة إلى تطوير آليات التعاون بين البلدين لإدارة الموارد المائية، ومتابعة المشاريع المرتبطة بالسدود، وتعزيز التنسيق الفني بين المؤسسات المختصة.
كما يحضر مشروع طريق التنمية بوصفه أحد أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة، نظرا لما يوفره من فرص لربط العراق بتركيا، ومن خلالها بالأسواق الأوروبية، عبر شبكة نقل حديثة تستهدف تنشيط حركة التجارة والاستثمار.
ويحظى هذا المشروع باهتمام كبير لدى بغداد وأنقرة، لأنه يوفر ممرا تجاريا يربط الخليج العربي بالعراق ثم تركيا، ويعزز حركة البضائع والخدمات، ويفتح مجالات جديدة أمام الشركات العاملة في قطاعات النقل واللوجستيات والبنية التحتية.
ويواكب الزيارة نشاط اقتصادي مكثف، إذ أعلن رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي نائل أولباك عقد اجتماع الطاولة المستديرة التركية العراقية، بمشاركة وزير التجارة التركي عمر بولات، ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، ووزير التجارة العراقي مصطفى نزار جمعة، ووزير النقل وهب سلمان محمد، إضافة إلى مسؤولين حكوميين وسفيري البلدين وممثلين عن مجتمع الأعمال.
وأكد أولباك أن العراق يمضي بخطوات ثابتة نحو الاستقرار السياسي والاقتصادي، معربا عن قناعته بأن مرحلة إعادة الإعمار والتنمية ستتسارع مع تجاوز آثار الحروب والصراعات.
وأضاف أن مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي سيواصل العمل على توسيع العلاقات الثنائية في مختلف القطاعات، مؤكدا استعداد تركيا لتكون الشريك الأكثر موثوقية للعراق.
ويعكس هذا الحضور الواسع لرجال الأعمال والوزراء اهتمام الجانبين بتحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع اقتصادية واستثمارية، عبر شراكات مباشرة بين القطاعين العام والخاص.
ويرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية الدكتور غازي فيصل حسين أن الزيارة تحمل أهمية خاصة في مسار العلاقات الثنائية.
وقال حسين في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”: “تشكل زيارة السيد علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، اليوم إلى أنقرة، واحدة من المحطات الاستراتيجية المهمة في العلاقات العراقية التركية، في إطار متابعة وتنفيذ وتطبيق اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية، ولا سيما في مجال الطاقة، وملف المياه وبناء السدود، إضافة إلى مشروع طريق التنمية الاستراتيجي، الذي يشكل حلقة وصل رئيسية في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دول الخليج العربي والعراق باتجاه تركيا والدول الأوروبية”.
وأضاف “يعد هذا المشروع الحيوي واحدًا من أهم المشاريع بالنسبة للاقتصاد التركي، ولحركة التجارة بين أوروبا والدول العربية والخليجية”.
وتابع أن “زيارة السيد رئيس الوزراء، والاستقبال الحافل الذي حظي به من قبل فخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب العلاقات الوثيقة بين بغداد وأنقرة، تشكل خطوة متقدمة في ضمان الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، عبر مشروع دمج الاقتصاد العراقي بالاقتصادين السوري واللبناني تحت رعاية تركية”.
وتعد تركيا اليوم دولة نموذجية في التقدم الاقتصادي، إذ تحتل المرتبة الخامسة عشرة عالميًا من حيث حجم الاقتصاد، وتمتلك مفاتيح مهمة لبناء شرق أوسط مختلف عن ذلك الذي كان سائدًا قبل السابع من تشرين الأول 2023، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن “الشرق الأوسط اليوم يُبنى من جديد على أسس التكامل والتعاون الاقتصادي بين تركيا والعراق وسوريا ولبنان، إلى جانب الأردن، والانفتاح على دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، مع احتمال انضمام مصر إلى هذا التحالف أو هذا الفضاء الاقتصادي والسياسي والأمني، بما يضمن تحقيق التقدم والازدهار، ومواجهة التحديات المختلفة، مثل تحديات البيئة والمياه والبطالة، وغيرها من المشكلات التي أصابت الشرق الأوسط خلال العقود الماضية”.
وختم بالقول “تمثل هذه الزيارة اليوم محطة استراتيجية مهمة لتطوير العلاقات الدبلوماسية، وكذلك لمواجهة تحديات بعض البؤر الإرهابية في شمال العراق، ولا سيما في منطقة جبل سنجار، عبر التعاون الوثيق مع السلطات العراقية المختصة”.
من جانبه، اعتبر الباحث في العلاقات الدولية الدكتور عبد الباسط أبو نبوت أن الزيارة تعكس توجها عراقيا نحو توسيع شبكة العلاقات الإقليمية.
وقال في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، “تمثل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى أنقرة محطة مهمة في مسار إعادة تموضع السياسة الخارجية العراقية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم”.
فالانفتاح العراقي على تركيا، حسب أبو نبوت، لا يمكن فصله عن توجه أوسع لدى بغداد لتعزيز علاقاتها مع دول الجوار، سواء عبر تحسين العلاقات مع سوريا، أو توسيع التعاون مع دول الخليج، بما يعكس رغبة عراقية في تبني سياسة خارجية أكثر توازنًا وانفتاحًا، وإرسال رسائل إيجابية تؤكد أن العراق يسعى إلى ترسيخ دوره كجسر للتعاون الإقليمي لا كساحة للتنافس والصراع.
ولفت إلى أن “هذه الزيارة في سياق إدراك بغداد أن المتغيرات الإقليمية والدولية تفرض إعادة صياغة أولوياتها الخارجية، بما ينسجم مع مصالحها الوطنية، من خلال بناء شراكات استراتيجية مع القوى الإقليمية الفاعلة، وفي مقدمتها تركيا”.
وكذلك، لا يمكن إغفال أن العراق يتعرض لضغوط غربية، ولا سيما أمريكية، تدفع باتجاه إجراء تحولات سياسية واستراتيجية تضمن توافقًا أكبر مع المصالح الغربية، الأمر الذي يدفع صانع القرار العراقي إلى تنويع خياراته الخارجية، وتحقيق توازن بين هذه الضغوط ومتطلبات الاستقرار الداخلي والمصالح الوطنية، حسب تعبيره.
وفي هذا الإطار، “تبرز الشراكة مع تركيا باعتبارها خيارًا مهما لدعم التعاون الاقتصادي، وتعزيز الربط الإقليمي، وترسيخ الاستقرار في المنطقة”، وفق أبو نبوت.
وتعكس الملفات المطروحة خلال الزيارة رغبة مشتركة في توسيع التعاون الاقتصادي، وزيادة حجم الاستثمارات، وتطوير قطاع الطاقة، ودفع مشروع طريق التنمية، وتعزيز التنسيق في إدارة المياه، إلى جانب مواصلة التعاون الأمني بما يخدم مصالح البلدين، ويعزز الاستقرار في المنطقة.







