لم يعد الحضور التركي في لبنان مجرد علاقة دبلوماسية عابرة أو مساعدات إنسانية موسمية، بل انتقل إلى مرحلة أكثر عمقاً تعكس تحولاً استراتيجياً في سياسة تركيا الخارجية تجاه منطقة المشرق العربي.
هذا التحول، الذي بدأ يبرز بوضوح من خلال الانتقال من تقديم الدعم اللوجستي والعسكري للجيش اللبناني وصولاً إلى إبداء رغبة جادة في الانخراط في ملف إعادة إعمار الجنوب اللبناني، يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الدور وأهدافه وتأثيراته على التوازنات الإقليمية، في ظل الصراعات المحتدمة التي تعصف بالمنطقة.
ويرى مراقبون أن تركيا تسعى، عبر أدواتها المتعددة التي تجمع بين القوة الناعمة والدعم العسكري المباشر لمؤسسات الدولة، إلى إعادة تعريف حضورها بما يتجاوز البعد الإنساني نحو بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع لبنان.
وحسب ما أشار إليه الباحث في العلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت، فإن “انتقال أنقرة من دعم الجيش اللبناني إلى الانخراط في ملف إعمار الجنوب يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة الدور التركي، من الحضور إلى التأثير، ومن المساعدات إلى بناء شراكة استراتيجية، حيث تنظر تركيا إلى أمنها القومي من زاوية أوسع من حدودها الجغرافية، فدمشق وبغداد وبيروت وشرقي المتوسط أصبحت أجزاءً من المجال الحيوي الذي تتحرك فيه أنقرة لحماية مصالحها وتعزيز أمنها”
وأضاف أبو نبوت في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، أن “هذا التوسع في المفهوم الأمني التركي يجعل من استقرار لبنان قضية ترتبط مباشرة بأمن المشرق والتوازنات الإقليمية، وليس مجرد شأن داخلي لبناني”.
وفي المقابل، يجد لبنان نفسه اليوم في أمسّ الحاجة إلى توسيع شبكة شراكاته الدولية، خصوصاً في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والضغوط الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى تدهور البنية التحتية، وفق أبو نبوت.
وتابع أبو نبوت “هنا تبرز تركيا كشريك قادر على تقديم ما هو أبعد من الإغاثة المباشرة، فهي تمتلك خبرات واسعة في قطاع المقاولات والبناء، وقدرات استثمارية كبرى، بالإضافة إلى حضور سياسي ودبلوماسي متنامٍ يمكن أن يوفر غطاءً لعمليات إعادة الإعمار في المناطق الحساسة مثل الجنوب”.
ولفت إلى أن “مشروع إعادة إعمار الجنوب، إذا ما تحول إلى تعاون تركي لبناني واسع النطاق، قد يصبح أحد أهم مداخل أنقرة إلى الساحة اللبنانية، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل كرافعة سياسية واستراتيجية تمنح تركيا ثقلاً في القرارات المتعلقة بمستقبل الحدود اللبنانية والقضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي”.
وتعتمد تركيا في ذلك، حسب أبو نبوت، على “مزيج فريد من القوة الناعمة التي صقلتها عبر السنوات الماضية من خلال الدراما والإعلام والتعليم والمساعدات الإنسانية، واليوم يجري تحويل هذا الرصيد الشعبي والثقافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي أكثر وضوحاً، يدعمه دور تركي محوري في ترتيبات السلام المرتبطة بملفات المنطقة الساخنة، مثل غزة، ما يمنحها موقعاً متقدماً في النقاشات الدولية حول مستقبل المشرق”.
وفي سياق متصل، يذهب المحلل السياسي مصطفى النعيمي، إلى أن “هذا الدور التركي يأتي في إطار رؤية أوسع لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، وهي رؤية فرضتها ظروف دولية، واستثمرت فيها القيادة التركية لإعادة صياغة وبناء تحالفات استراتيجية مع المنطقة العربية، لا سيما مع المملكة العربية السعودية وسوريا ولبنان”.
ويرى النعيمي في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، أن “الظروف مواتية بشكل كبير لأن تلعب تركيا دوراً إيجابياً في فرض الاستقرار عبر دعم الحكومة اللبنانية في إرساء سيادتها وتحييد أي دور عبثي للجماعات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة”.
وبناءً على ذلك، “أصبح الدور التركي يمثل أولوية وطنية لدى القيادة اللبنانية الطامحة للاستقرار، وهو ما سينعكس إيجاباً على أمن دول الإقليم، وعلى رأسها سوريا التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع اللبناني”.
أنقرة لا تبحث عن لبنان كقاعدة نفوذ ضيقة، بل كشريك مستقر يساهم في تثبيت معادلة إقليمية تضمن لتركيا حضوراً دائماً في ملفات الغاز والترسيم البحري والتوازنات العسكرية.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الدعم التركي للجيش اللبناني لم يكن مجرد صفقات معدات، بل كان رسالة سياسية مفادها أن تركيا تراهن على مؤسسات الدولة الرسمية.
وهذا الرهان، بحسب مراقبين، هو الذي يمهد الطريق اليوم للحديث عن إعمار الجنوب، فالثقة التي بُنيت مع المؤسسة العسكرية اللبنانية من خلال الهبات والمساعدات اللوجستية والتدريبية تشكل الضمانة الأساسية لأي مشروع تركي مستقبلي في مناطق نفوذ معقدة، فالحكومة اللبنانية ترى في أنقرة وسيطاً إقليمياً مقبولاً، يمتلك علاقات جيدة مع مختلف الأطراف، وقادراً على موازنة النفوذ الإيراني أو الغربي في البلاد دون الدخول في صراعات صفرية.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس حول رغبة تركيا في الوجود داخل الساحة اللبنانية، بل حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا الدور.
فإذا نجحت أنقرة في المزاوجة بين دعم المؤسسات الأمنية وإطلاق مشاريع اقتصادية كبرى في الجنوب والوسط، فإنها ستنتقل رسمياً من مرحلة الحضور إلى مرحلة التأثير المباشر في صناعة مستقبل لبنان.
أما بالنسبة إلى الجانب اللبناني، فإن الاستفادة من هذا الدور تبقى رهينة القدرة على توظيفه في إطار الشراكة التي تحترم السيادة الوطنية وتنويع الخيارات الدولية، بما يخدم المصلحة اللبنانية العليا، دون استبدال وصاية بأخرى.
ووسط كل ذلك، يبدو أن الطريق الذي سلكته الدبلوماسية التركية، من دعم الجيش إلى التخطيط لإعادة بناء ما دمرته الحروب في الجنوب اللبناني، هو مؤشر قوي على إعادة تشكيل الدور التركي في المشرق ككل.
وفي منطقة تتغير فيها موازين القوى بسرعة فائقة، تظهر تركيا كطرف مصمم على أن يكون جزءاً من صناعة التوازنات الإقليمية الجديدة، وليس مجرد مراقب للتطورات من الخارج، ما يجعل من حضورها في لبنان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الكبرى تجاه العالم العربي ومنطقة شرق المتوسط في السنوات المقبلة.
