
احتضنت العاصمة اللبنانية بيروت، مساء أمس الثلاثاء، ندوة ثقافية سياسية خاصة حاشدة عن الدور التركي المتصاعد في الشرق الأوسط والعالم، وطبيعة وشكل العلاقات التركية اللبنانية المتوقعة في المرحلة المقبلة.
وأقيمت الندوة في قاعة L’Étoile du Bristol في منطقة فردان في العاصمة اللبنانية بيروت، بحضور حشد واسع من المهتمين والصحفيين والإعلاميين والمستشارين السياسيين، وعدد من المسؤولين والبرلمانيين ورجال الدين من مختلف الأطياف، وممثل خاص عن السفير التركي في لبنان.
وحاضر في الندوة ثلاثة باحثين متخصصين بالشؤون التركية واللبنانية والشرق أوسطية، الصحافي والباحث السياسي جو حمّورة، الصحافي والكاتب حمزة تكين، والكاتب والباحث السياسي صهيب جوهر، بتقديم وإدارة رنا المصري.
في البداية شدد حمّورة في ورقته أن “تركيا اليوم يمكنها أن تملأ الفراغ الاستراتيجي الذي تركته إيران بعد تراجع دورها في الشرق الأوسط، ففي سوريا على سبيل المثال كانت إيران لاعب أساسيا هنا قبل سقوط نظام بشار الأسد، ولكن اليوم الأمور تغيرت، وأصبح الأمن القومي التركي يتخطى الحدود التركية وبات في حلب ودمشق وبيروت كما قال مؤخرا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهذا الأمر يأتي في سياق تنافس ملأ الفراغ في سوريا بين تركيا وإسرائيل”.
وأوضح أن “هذا التنافس يتصاعد اليوم، ويأخذ شكلا عدائيا من الجانب الإسرائيلي تجاه سوريا”، مشيرا إلى أنه “رغم كل شيء ولكن ليس من المتوقع أن تتجه الأمور إلى مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة بين تركيا وإسرائيل في سوريا، خاصة وأن الطرفين لهما مصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية وهذا ما يمنع تدهور الوضع أكثر بينهما”.
ولفت حمّورة إلى أن “من مصلحة اللبنانيين أن يختاروا دور تركيا على دور إسرائيل في سوريا”.
وأشار إلى أن “الدور التركي في لبنان مازال محصورا مقارنة بأدوار دول أخرى، لأن تركيا عملت وتعمل بشكل أساسي مع الدولة اللبنانية، أما القوى الأخرى فعملت على تقسيم أدوارها مناصفة بين دعم الدولة اللبنانية وبين دعم إحدى الطوائف أو إحدى المناطق أو أحد الأحزاب، بينما تركيا كان أغلب دعمها للمؤسسات الشرعية اللبنانية، عسكريا وطبيا وثقافيا وتعليميا وتنمويا.. وسياسة تركيا تجاه لبنان ليست مرتبطة بشخصية لبنانية رسمية معينة، بل هي منفتحة دائما على عدم الدولة اللبنانية بغض النظر عن أي اعتبار، على عكس دول إقليمية ودولية تكون عادة مرتبطة بشخص معين أو جهة معينة أكثر من ارتباطها بمشروع عام”.
ورأى حمّورة أن “أمام لبنان فرصة تاريخية، فأبواب تركيا وأبواب أنقرة وأبواب إسطنبول مفتوحة للجانب اللبناني، فعلى لبنان كدولة ثم كشعب الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية التي لا تأتي دائما، فلبنان لا يكون دائما أمام فرصة كهذه أن هناك دولة إقليمية كبيرة كتركيا تريد مساعدته ولا تريد احتلاله”.
من ناحيته، شدد الصحافي والكاتب حمزة تكين في ورقته أن “تركيا لم تعد تكتفي بالتعامل مع نتائج الأزمات المحيطة بها، بل باتت تريد أن تكون إحدى الدول التي تشارك في تشكيل النظام الإقليمي الجديد”، مشددا أنه “من الخطأ اختزال المشروع التركي في عبارة (العثمانية الجديدة)”.
ولفت تكين إلى أنه “يمكن اختصار المصالح التركية في المنطقة بأهداف رئيسية هي:
أولا، منع تشكل بيئة أمنية معادية لتركيا، وسوريا هي المثال الأوضح، فأنقرة تريد سوريا مستقرة، موحدة، وقادرة على بناء مؤسساتها، لأن قيام دولة سورية مستقرة يعني عمليا تقليص الفراغ الذي يمكن أن تستغله التنظيمات المسلحة والقوى الخارجية، والأمر نفسه ينطبق على العراق.
ثانيا، منع إعادة رسم الشرق الأوسط بالقوة وخاصة على الطريقة الإسرائيلية.
ثالثا، تحويل تركيا إلى مركز للوساطة، فأنقرة لا تريد أن تكون مجرد طرف عسكري، بل تريد أن تصبح الدولة التي يمكن للخصوم أن يتحدثوا معها، وهذه نقطة قوة استراتيجية: تركيا تستطيع التحدث مع واشنطن، وتستطيع التحدث مع موسكو، وتستطيع التحدث مع طهران، وتستطيع التحدث مع دول الخليج، وتستطيع التحدث مع دول عربية وإسلامية، وفي الوقت نفسه، هي عضو في الناتو، هذا الموقع الوسطي ليس ضعفاً بالنسبة لأنقرة، بل ورقة قوة.
رابعا، بناء توازن إقليمي جديد، وأحد التطورات الأهم في 2026 هو حلف مكة الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان، وهذه ليست مجرد صفقة عسكرية، بل إشارة إلى أن تركيا تفكر في هندسة أمن إقليمي جديدة.. تركيا تمتلك القوة العسكرية والصناعات الدفاعية، السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع العربي، باكستان تمتلك قوة عسكرية ونووية كبيرة وموقعاً آسيوياً استراتيجياً، وبذلك يصبح لدينا مثلث يمتد من الأناضول إلى الخليج وصولاً إلى جنوبي آسيا”.
وحول لبنان، رأى تكين أن “لبنان ليس بالنسبة لتركيا مجرد دولة عربية تربطها بها علاقات تاريخية وحسب، بل لبنان يقع عند نقطة التقاء عدة ملفات تهم تركيا مباشرة، ويمكن القول إن أهمية بيروت بالنسبة لأنقرة ترتفع كلما تغيرت خريطة المنطقة”.
وشدد أن “تركيا تريد لبنان مستقرا لا لبنان تابعا، فالنقطة الأساسية في المقاربة التركية هي دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها كافة، وخاصة الجيش اللبناني، الذي هو لبنة أساسية ليس فقط في استقرار لبنان، بل في استقرار الشرق الأوسط كله”.
وتابع أن “أنقرة لا تريد أن يتحول لبنان إلى مساحة أمنية سائبة، فإذا ضعفت الدولة اللبنانية أكثر ستزداد احتمالات الفوضى الأمنية، والتدخلات الخارجية، وانتقال السلاح، وموجات النزوح، وتمدد الاعتداءات الإسرائيلية، وزيادة احتمالات اندلاع حرب إقليمية أوسع، لذلك، فإن دعم الجيش اللبناني بالنسبة لتركيا ليس عملاً خيريا إنه استثمار في الاستقرار الإقليمي”.
وأردف أن “تركيا حريصة على دعم الدولة والجيش والاستقرار والإعمار والتجارة والوساطة، وهذا نموذج مختلف عن نماذج النفوذ القائمة على السيطرة والهيمنة”.
وفي موضع الصناعات الدفاعية التركية عرض تكين أمام الحضور نموذجا للمقاتلة المأهولة التركية الصنع “قاآن” ونموذجا للصاروخ التركي البحري “أتمجا”، مشيرا إلى أن “تركيا كانت في الماضي تحتاج إلى الخارج للحصول على كثير من احتياجاتها العسكرية، أما اليوم أصبحت قادرة على تطوير الطائرات المسيرة، الطائرات المقاتلة، السفن الحربية، الصواريخ، الذخائر الذكية، الرادارات، أنظمة الحرب الإلكترونية، أنظمة الدفاع الجوي، الأقمار الصناعية والأنظمة الفضائية، أنظمة القيادة والسيطرة.. وهذا يغير معادلة القرار السياسي”.
وشدد تكين أن “الهدف الحقيقي من ذلك ليس امتلاك سلاح متطور فقط، بل امتلاك حرية القرار”.
وحول العدوان الإسرائيلي على عدد من دول المنطقة، لفت تكين إلى أنه “من وجهة النظر التركية، هناك قناعة أن إسرائيل تسعى إلى تشكيل بيئة إقليمية تكون فيها القوى المحيطة بها ضعيفة ومجزأة.. وأنقرة ترفض هذا التصور، وهنا تصبح سوريا ولبنان وفلسطين ملفات مترابطة”.
وخلص تكين إلى أن “تركيا لا تبحث عن إمبراطورية، بل عن مقعد في غرفة رسم الخريطة.. والنظر إلى تركيا على أنها مجرد عضو في الناتو ينفذ السياسات الغربية، لم يعد دقيقا، والنظر إلى تركيا أنها تريد إعادة الإمبراطورية العثمانية هو قراءة مبسطة.. تركيا اليوم تتحرك وفق مفهوم أكثر تعقيدا، أي أنها قوة إقليمية مستقلة، لها مصالح في أكثر من جغرافيا، وتريد أن تكون قادرة على حماية هذه المصالح عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسيا”.
وختم قائلا “تركيا لن تقف خارج غرفة رسم الخريطة الجديدة للشرق الأوسط.. قد لا تكون قادرة على رسم الخريطة وحدها، لكنها تريد بالتأكيد أن تكون الدولة التي لا يستطيع الآخرون رسم أي خريطة من دونها”.
أما الكاتب والباحث السياسي صهيب جوهر فرأى في ورقته أن “لبنان لم يكن تقليدياً ضمن دوائر الأولوية الأولى في السياسة الخارجية التركية، مقارنة بسوريا والعراق وليبيا، ولكن الجديد ليس أن تركيا قررت تحويل لبنان إلى (ساحة نفوذ) بل أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بلبنان تغيّرت، والعامل الحاسم هو التحول السوري: سقوط نظام الأسد وصعود سلطة في دمشق تربطها بأنقرة علاقة وثيقة جعلا لبنان أكثر اتصالاً بالمصالح التركية المباشرة”.
وشدد أن “النظرة التركية إلى لبنان لم تعد محصورة بالعلاقات الدبلوماسية والمساعدات والروابط الاجتماعية، فأردوغان أدخل بيروت ضمن تعريف أوسع للأمن القومي التركي عندما ربط أمن تركيا بحلب ودمشق وبيروت، وهذا يعني أن أنقرة باتت ترى استقرار سوريا ولبنان ومنع تشكل وقائع إسرائيلية جديدة فيهما جزءاً من التوازن الأمني الإقليمي المحيط بتركيا”.
وأوضح جوهر أن “العامل الإسرائيلي أساسي لفهم الاهتمام التركي بلبنان، فهناك تناقض متزايد بين التصورين التركي والإسرائيلي لمستقبل سوريا، فإسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية حركة عسكرية واسعة، بينما تريد تركيا دولة سورية مستقرة وجيشاً قادراً على بسط سلطته”.
وأشار إلى أن “هناك اهتمام تركية بتقوية الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة، وليس ببناء أطر موازية لها”، مشيرا إلى أن “اللافت أن بيروت نفسها بدأت تبحث عن دور تركي أكبر، فالزيارات اللبنانية إلى أنقرة تعكس محاولة لتنويع العلاقات الإقليمية والاستفادة من الموقع التركي الجديد، خاصة وأن لدى تركيا ميزتان بالنسبة للبنان: ثقل سياسي وعسكري إقليمي، وعلاقة قوية مع دمشق الجديدة، وهذا يجعلها مفيدة في ملفات لبنانية سورية معقدة: الحدود، المعابر، الأمن، النقل والتجارة”.
وأكد جوهر أن “الدور التركي المحتمل في لبنان لا يقتصر على الأمن، فهناك تصور لإعادة وصل لبنان بشبكات النقل والتجارة الإقليمية عبر سوريا، ومرفأ طرابلس، مرفأ بيروت، شبكات النقل والطاقة يمكن أن تصبح جزءاً من مسارات أوسع تربط تركيا بسوريا وشرقي المتوسط والأسواق العربية”، لافتا في الوقت نفسه إلى أن “المصالح اللبنانية والتركية ليست متطابقة، فالعلاقة ستواجه ملفات خلافية، أبرزها شرقي المتوسط وجزيرة قبرص، واعتراض أنقرة على اتفاق المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص (الجنوبية) نموذج واضح”.
ورأى أن “التحدي أمام بيروت سيكون الاستفادة من تركيا من دون الدخول في اصطفافات شرقي المتوسط أو الإضرار بعلاقاتها مع قبرص (الجنوبية) ودول أخرى”.
وأكد “الاتجاه الأرجح بالنسبة لتركيا في لبنان، هو دور تركي تكاملي وليس دور احتلالي، أي أن أنقرة ستبحث عن مساحة بالتنسيق مع السعودية وقطر والدول الغربية أكثر من سعيها لمنافستها، والتجربة السورية وفرت أصلاً أرضية للتنسيق التركي مع الرياض والدوحة”.
وأشار جوهر في نقطة أخرى إلى أن “المقاربة التركية في ما يتعلق بسلاح حزب الله تقوم على إدخال ملف السلاح في تسوية سياسية وأمنية أوسع تعيد القرار العسكري إلى الدولة اللبنانية مقابل خفض التصعيد وإنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، دون تبني خيار تفكيك حزب الله بالقوة”.
وختم قائلا “الأرجح أننا أمام صعود تدريجي للدور التركي عبر مؤسسات الدولة اللبنانية: الجيش، الأمن، الاقتصاد، النقل والعلاقة اللبنانية السورية.. ونجاح التجربة يتوقف على قدرة أنقرة على تقديم نفسها باعتبارها داعماً للدولة اللبنانية ومكملاً للمظلة العربية والدولية، لا بديلاً عنها”.
وعقب الندوة، دارت نقاشات ثنائية وحوارات بين الحضور تزامنا مع حفل كوكتيل خاص، ثم الختام مع توقيع الصحافي والكاتب حمزة تكين كتابه الجديد “على حافة العالم.. رحلة صحفي في دروب العمل الإنساني”.
ويروي الكتاب قصص أناس مجهولين يعيشون على حافة العالم، من مخيمات اللاجئين والقرى النائية، إلى مناطق الحروب والفقر والكوارث، حيث يلتقي الكاتب وجهاً لوجه مع الإنسان في أكثر لحظات ضعفه وقوته.
ويحكي الكتاب رحلة صحفي حمل القلم والكاميرا بحثاً عن الحقيقة، وسار في دروب العمل الإنساني بحثاً عن الأثر، رحلة علمت الكاتب أن العالم أكبر مما يراه المشاهدون على الشاشات، وأن الخير أقرب إلينا مما يظن البعض، وأن الإنسان أعظم حكاية يمكن أن يقترب منها الجميع.





























