أكدت ولاية إسطنبول حضورها المتصاعد على خريطة الرياضة العالمية، بعد اختيارها رسمياً لاستضافة كأس السوبر الإسباني 2027، في خطوة تجمع بين كرة القدم الإسبانية والبنية الرياضية التركية والتعاون المتنامي بين تركيا والسعودية وإسبانيا.
وأعلنت الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم رسمياً إقامة النسخة المقبلة من البطولة في إسطنبول خلال شباط/فبراير 2027، بمشاركة ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد وريال سوسيداد، لتكون المدينة التركية مسرحاً لثلاث مباريات كبرى تجمع أبرز أندية كرة القدم الإسبانية.
وجاء الإعلان خلال مراسم توقيع واتفاقيات استضافة أقيمت في منشآت الاتحاد التركي لكرة القدم في ريفا بإسطنبول، بحضور رئيس الاتحاد الإسباني رافائيل لوسان، ووزير الشباب والرياضة التركي عثمان أشقن باك، ووزير الثقافة والسياحة محمد نوري أرصوي، ورئيس الاتحاد التركي لكرة القدم إبراهيم إيثم حاجي عثمان أوغلو، ورئيس الهيئة العامة للترفيه السعودية تركي آل الشيخ، ورئيس الاتحاد العالمي للرياضات التقليدية بلال أردوغان، إلى جانب مسؤولين وممثلي الأندية التركية الثلاثة الكبرى.
سباق دولي على الاستضافة
وتكشف تصريحات تركي آل الشيخ أن اختيار إسطنبول جاء بعد منافسة دولية، إذ قال إن منافسة كبيرة جرت بين تركيا والصين والولايات المتحدة قبل أن تحسم إسطنبول السباق لصالحها.
وقال آل الشيخ في تصريحات صحفية، إن استضافة البطولة تمثل بداية لمسار جديد من التعاون، معتبراً أن إقامة كأس السوبر في إسطنبول ستكون بمثابة تجربة مهمة للمدينة وتركيا قبل استضافة بطولة كأس أوروبا 2032، التي ستنظمها تركيا وإيطاليا.
وأشاد المسؤول السعودي بالدور الذي لعبه بلال أردوغان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إنجاز الاتفاق خلال فترة زمنية قصيرة، مشيراً إلى أن العمل المشترك بين الأطراف المعنية أسهم في نقل البطولة إلى إسطنبول.
ولم يخل حديث آل الشيخ من الطابع الرياضي المحلي، إذ عبّر عن سعادته باستضافة الأندية التركية الثلاثة المرتبطة بالملاعب التي ستحتضن مباريات البطولة، وقال إنه مشجع كبير لنادي غلطة سراي، في إشارة إلى إقامة المباراة النهائية على ملعب رامس بارك التابع للنادي.
لماذا إسطنبول؟
اختيار إسطنبول لم يأتِ من فراغ، فالمدينة تمتلك خبرة متراكمة في استضافة أكبر المنافسات الكروية الأوروبية.
فقد احتضنت نهائي دوري أبطال أوروبا عامي 2005 و2023، كما استضاف ملعب بشكتاش نهائي الدوري الأوروبي في 2026، فضلاً عن استضافة تركيا لنهائي كأس الاتحاد الأوروبي عام 2009 ونهائي كأس السوبر الأوروبي عام 2019.
وتمنح هذه الخبرة المدينة قدرة على التعامل مع تدفقات جماهيرية كبيرة، وتنظيم المباريات الدولية، وإدارة العمليات الأمنية والنقل والإقامة والبث التلفزيوني، وهي عوامل تدخل عادة في تقييم المدن المرشحة لاستضافة البطولات الدولية.
وكان الاتحاد الإسباني قد أعلن في أغسطس/آب الماضي اختيار إسطنبول بعد عملية تقييم شملت عروضاً من سبع وجهات حول العالم، بالتعاون مع شركة «سيلا» التي تعمل مع الاتحاد الإسباني في تطوير البطولة منذ نقلها إلى السعودية.
وتكتسب البطولة أهمية إضافية بالنسبة لكرة القدم الإسبانية، إذ ينقل الاتحاد الإسباني إيراداتها إلى قرابة ألف نادٍ من مختلف درجات ومسابقات كرة القدم للرجال والسيدات في إسبانيا.
ثلاثة ملاعب وثلاث مواجهات
تقرر أن تقام مباريات كأس السوبر الإسباني 2027 على ثلاثة ملاعب في إسطنبول.
وتجمع المباراة الأولى في نصف النهائي برشلونة وأتلتيكو مدريد يوم 2 شباط/فبراير 2027 على ملعب فنربخشة، المعروف باسم تشوباني ستاديوم، في مجمع شكري سراج أوغلو الرياضي، على الجانب الآسيوي من المدينة.
وفي اليوم التالي، يلتقي ريال مدريد وريال سوسيداد على ملعب توبيش، معقل نادي بشكتاش، في مواجهة نصف النهائي الثانية.
أما المباراة النهائية، فتقام يوم 6 شباط/فبراير على ملعب علي سامي ين سبورتس كومبلكس، المعروف باسم رامس بارك، معقل غلطة سراي، والذي يتسع لأكثر من 53 ألف متفرج.
ويحمل توزيع المباريات على ثلاثة ملاعب دلالة إضافية، إذ يربط البطولة بأكبر ثلاثة أندية تركية، فنربخشة وبشكتاش وغلطة سراي، ويحول الحدث إلى مناسبة رياضية تمتد إلى مختلف أجزاء المدينة.
أردا غولر في قلب المشهد
ومن بين عناصر الجذب الجماهيري المنتظرة حضور الدولي التركي أردا غولر بقميص ريال مدريد، وهو ما أشار إليه بلال أردوغان خلال حديثه عن البطولة.
وقال أردوغان إن الجمهور التركي سيتمكن من مشاهدة غولر في إسطنبول بقميص ريال مدريد، في ظل المكانة التي يحظى بها اللاعب التركي لدى الجماهير المحلية.
ويرى أردوغان أن البطولة تتجاوز إطارها الرياضي، معتبراً أنها نموذج للتعاون بين تركيا والسعودية وإسبانيا، وأن العلاقات التي نشأت حول تنظيمها يمكن أن تتحول إلى مجالات أوسع للتعاون في الرياضة والفعاليات الدولية.
كما أعلن عن استمرار التعاون مع السعودية في مجال الرياضات التقليدية، مشيراً إلى إقامة مهرجان للرياضات والثقافة التقليدية في الرياض خلال تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ضمن ترتيبات تمتد إلى مشروع “إثنوسبورت 2027”.
من السوبر الإسباني إلى موسم رياضي مزدحم
استضافة كأس السوبر الإسباني تأتي في سياق عام استثنائي لإسطنبول، التي تستعد خلال 2027 لاستقبال مجموعة من البطولات والفعاليات الدولية الكبرى.
ففي حزيران/يونيو2027، تستضيف المدينة نهائي دوري المؤتمر الأوروبي على ملعب بشكتاش يوم 2 يونيو، في حدث يمثل ثالث نهائي أوروبي كبير يقام في الملعب بعد كأس السوبر الأوروبي 2019 ونهائي الدوري الأوروبي 2026.
كما تستضيف إسطنبول دورة الألعاب الأوروبية الرابعة بين 16 و27 حزيران 2027، بمشاركة رياضيين من أنحاء القارة الأوروبية وفي مجموعة واسعة من الألعاب.
وفي الخريف، تعود بطولة العالم للفورمولا 1 إلى تركيا عبر جائزة تركيا الكبرى، التي تقام على حلبة إسطنبول بارك بين 1 و3 تشرين الأول 2027. ووفق الاتفاق المعلن، ستبقى الحلبة ضمن جدول البطولة لمدة خمسة أعوام، حتى موسم 2031.
وبذلك لا تبدو كأس السوبر الإسباني حدثاً منفرداً في أجندة إسطنبول، بل جزءاً من موسم رياضي دولي متكامل يمتد من الشتاء إلى الخريف، ويشمل كرة القدم ورياضات السيارات والألعاب متعددة الرياضات.
محطة قبل يورو 2032
وتمنح هذه الاستضافة تركيا فرصة إضافية لاختبار قدرتها على تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى قبل بطولة كأس أوروبا 2032، التي ستشارك في استضافتها إلى جانب إيطاليا.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه تركيا على تعزيز البنية التحتية الرياضية واستثمارها في تنظيم البطولات الدولية، مستفيدة من الملاعب الحديثة وشبكات النقل والفنادق والخبرة التنظيمية التي راكمتها إسطنبول خلال السنوات الماضية.
أما بالنسبة للسعودية، فتأتي استضافة إسطنبول للبطولة في إطار تعاون رياضي أوسع مع تركيا وإسبانيا، في وقت تستعد فيه الرياض لاستضافة كأس آسيا 2027، الأمر الذي كان أحد الأسباب العملية وراء نقل كأس السوبر الإسباني مؤقتاً من السعودية إلى إسطنبول.
ومن المقرر أن تعود البطولة إلى السعودية في 2028.
وبحسب رئيس الاتحاد الإسباني رافائيل لوسان، فإن نقل البطولة إلى إسطنبول ارتبط أساساً بتعارض مواعيد كأس السوبر مع كأس آسيا المقرر تنظيمها في السعودية، وليس باعتبارات أمنية. كما أشار إلى أن المشاورات بشأن نقل البطولة بدأت قبل التوترات الإقليمية الأخيرة.
وهكذا تدخل إسطنبول عام 2027 بجدول رياضي غير مسبوق من حيث تنوع الفعاليات الدولية وحجم الأسماء المشاركة فيها.
وبين ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد، وأضواء الفورمولا 1، ونهائي دوري المؤتمر الأوروبي، ودورة الألعاب الأوروبية، تتحول المدينة إلى واحدة من أبرز مراكز الرياضة الدولية خلال العام المقبل، فيما تمثل كأس السوبر الإسباني أولى المحطات الكبرى في هذا المسار، وبداية لتعاون رياضي أوسع بين تركيا وإسبانيا والسعودية.
